بالقرب من باب زويلة في القاهرة الفاطمية العريقة، خرج فن الخيامية, ذلك الفن المصري المتفرد الأصيل, خرج «ليطير في كل الدنيا»، يغازل بألوانه المتداخلة ألوان قوس قزح.. فهذا الفن المصري رسالة جمال وحرفة أصيلة تمكنت من الصمود أمام تكنولوجيا النسيج في العالم كله.
للخيامية تاريخ وحكاوى، أسرار لا يبوح بها الحرفيون الذين يعملون ويبدعون في صمت ربما توارثوه عن أجدادهم الفراعنة في مصر القديمة، وهي بداية خيط حكايتنا.. حكاية الخيامية، معاً نتابعها ولكن دون «البوح بأسرارها»!
كلمة «الخيامية»، هي فن مصري قديم تفردت به مصر وتعني صناعة الأقمشة الملونة التي تستخدم في عمل السرادقات، وتضرب في عمق التاريخ لدى القدماء المصريين الذين كانوا يستخدمون ألوان الفواكه الطبيعية كالرمان والمانجو والتوت والبصل والبنجر (الشمندر) في صباغة أقمشة الخيامية التي شهد النهر الخالد باكورة صناعتها على ضفافه الشاهدة على التاريخ.
ونكمل معاً حكاية الخيامية، فنجد بأنها ازدهرت في العصر الإسلامي، وشهد العصران المملوكي والفاطمي قمة ازدهارها، وترتبط الخيامية قديماً بكسوة الكعبة المشرفة، وكانت أقمشة الخيامية الملونة مطعمة بخيوط الذهب والفضة لتزدان بها الكعبة، وظلت مصر ترسلها للحجاز في موكب متفرد مهيب يعرف باسم «المحمل»، وذلك حتى أواخر حقبة الستينيات من القرن الماضي.
وتتطلب هذه المهنة الدقيقة التي تبرز مهارة وموهبة صناعها ــ تتطلب ــ توافر الصبر والتدقيق والحرفية العالية حتى يخرج العمل الفني هذا رائعا خاليا من أي أخطاء.
ولكن كيف يبدأ العمل في هذا الفن الأصيل؟
يبدأ العمل برسم التصميم الذي يتم بموجبه تنفيذه على القماش المعروف بقماش «التيل» الذي يتميز بأنه قماش طبيعي سميك لونه الطبيعي عاجي، يقوم الحرفي بتخريم الرسم وتنثر بودرة مخصصة لطبع الرسم على القماش حتى يقوم الفنان بعملية التطريز، حيث تقص وحدات القماش وحياكتها مع بعضها البعض وغالبا ما تكون التصميمات عاكسة للأشكال الفرعونية والإسلامية المتمثلة في الخط العربي الذي يعكس آيات قرآنية كريمة، وحديثا أشكالاً هندسية أو زهوراً أو مناظر طبيعية لافتة.
ونلاحظ حديثا بأن قماش الخيامية دخل مجال الملابس الخاصة برقصة التنورة والتي عكسها الفيلم المصري «ألوان السما السبعة».
وتعتبر الخيامية من المظاهر الرمضانية الحميمة في مصر، فمنها تقام الخيم الرمضانية في المناطق الشعبية وكأنها خرجت من تحت عباءة التاريخ والزمن الجميل، جمالياتها تمتزج مع عبق الأرز باللبن والفستق، والقرفة والشاي بالنعناع والكنافة والقطايف على الطريقة المصرية القديمة، يلتف حولها زوار هذه الخيم الرمضانية التي تزدان من الداخل والخارج بفوانيس رمضان المصرية الصميمة، وعلى باب الخيم الرمضانية ترحب فوانيس رمضان العملاقة بالزوار والسياح في أجواء يفوح منها زمن محفوظ وملامح من شارع بين القصرين، وفي خلفية الخيم هذه تطل بشموخ مآذن مساجد مصر الفاطمية بكل جماليات وتفرد معمارها.
ومن قماش الخيامية تحاك العباءات النسائية والمفارش التي تعرف باسم «مفارش الباشا» ربما لعراقتها التي تذكرنا بزمن البشاوات والبكاوات.
وربما ظهور العديد من الفنانات في المسلسلات الرمضانية بعباءات الخيامية يروج للمزيد من الطلب عليها، فالفنان هو القدوة دائما خاصة هؤلاء المحترفين في فنهم.
فإذا كانت الخيامية حرفة فنية مصرية، إلا انها من وسائل الجذب السياحي في مصر خاصة في المناطق الأثرية مثل منطقة باب زويلة وشارع المعز وخان الخليلي، وأيضا خطفت الخيامية الأبصار في بازارات الأهرامات و«بوتيكات» الفنادق الكبرى وحوانيت النخبة في الساحل الشمالي بمصر والغردقة ورأس سدر.
ومن مصر تطايرت شهرة الخيامية لتظهر في العالم العربي والغربي على حد سواء، فهي سفيرة الفنون المصرية القديمة، أقيمت لها معارض في مصر وكل أنحاء العالم أجمع.
ففي دبي خلال شهر الشهور، رمضان، تكون للخيم الرمضانية كل الجذب لأهل البلاد والسياح من كل أنحاء العالم، وتقام الخيم الرمضانية في كبريات الفنادق الخمس نجوم والسبع نجوم، وعلى مداخلها الفوانيس المصرية العريقة.
أما في المنازل البسيطة في الأحياء الشعبية، فنجد مظاهر الخيامية لها كل الحضور القوي كشكل من أشكال الجماليات المصرية العريقة، فنجد الستائر من قماش الخيامية والمفارش (شراشف)، وفي المناسبات المختلفة كالزفاف يقام سرادق كبير يملأ فراغ الشارع.
وكذلك في المآتم، والأعياد نجد خياماً تنصب لبيع خراف عيد الأضحى، وفي عيد الفطر نجد خياماً لبيع الكعك والغريبة والبسكويت معلبة داخل علب مزركشة، وهذه المظاهر في مختلف المناسبات في الأفراح والأتراح تنافس سوق الخيامية، ويتداخل العرض والطلب في أسعارها.
في المناطق الأثرية في أسوان والأقصر وخان الخليلي تنصب خيام من أقمشة الخيامية بداخلها مقاه يرتادها السواح، يتناولون الشاي الأخضر والسحلب والقرفة بالمكسرات، والأرز باللبن بنكهة الفانيللا، وأيضا المهلبية المصرية العريقة والتي يرجع تاريخها لزمن الفاطميين الذين كانوا يقدمونها في الأفراح والأعياد وأيضا داخل الخيامية التي انتعشت في ذلك الزمن.
وتأخذ الخيامية في الثلاثة عقود الماضية تقريبا مظهرا جديدا نسبيا، حيث ارتبطت بشهر رمضان الكريم، فتقام خلاله الخيم الرمضانية تستقطب عشاق السهر وسماع الموسيقى العربية وتناول الأكلات الشعبية والتراثية المصرية وتناول المشروبات الرمضانية كالسحلب وقمر الدين والكركاديه.
وتبدأ الخيم الرمضانية مع انطلاق مدفع الإفطار، فيكون الإفطار جماعيا غالبا يضم أهل الحي الذين يعشقون التغيير كبديل للتقليدية المعروفة، يتناولون الإفطار الذي يشتمل على أكلات رمضانية يتبرع بها كل بيت من بيوت الحي، وهذا المشهد مختلف تماما عن «موائد عباد الرحمن»، وتظل الخيم الرمضانية مفتوحة حتى السحور ومضاءة بالفوانيس الملونة والأغاني الفولكلورية، والفنون الشعبية وتجمع هذه الخيم الرمضانية طبقات اجتماعية مختلفة واتجاهات مختلفة كذلك كالفنانين والسياسيين والعلماء.
وانتشرت مؤخرا في مصر وبعض الدول العربية ما يعرف باسم «الخيم الدينية»، حيث تأخذ الشكل الديني مثل الإنشاد والتواشيح الدينية، وتواجد الدعاة الذين يجاوبون على كل أسئلة الحضور.
والطريف في الخيم الرمضانية بأنها تصنف «خيمة سبع نجوم» يرتادها النخبة وتقدم فيها أفخر أنواع المأكولات والعصائر، وغالبا ما يرتادها ــ مع النخبة الاجتماعية وعلية القوم ــ العديد من الفنانين، وهذه الخيم تنتشر على امتداد الأحياء الراقية المطلة على النيل، تبدأ قبيل الإفطار وتنتهي مع انتهاء السحور.
وتختلف ديكورات الخيم الرمضانية باختلاف الأحياء والناس، فهناك خيم تستوحي الديكور من الفن الإسلامي الرائع، وأخرى من الفن التشكيلي وغيرهما من الفن العربي القديم والأشكال الفرعونية، وفي النهاية هي مظهر من مظاهر الترفيه تأخذ مكانها كل عام في شهر الشهور.. شهر رمضان الكريم، فهي تكسر الروتين اليومي، وتجمع شتات الأهل والجيران في محبة وأجواء رائعة.
وتطايرت شهرة الخيم الرمضانية المصنفة من قماش الخيامية ــ تطايرت شهرتها من مصر لتنتشر في العالم العربي كله، فنجد المشهد الرمضاني في دبي حيث يقبل عليها الشباب والأسر والسواح كمكان مختلف وجديد، يقضون فيه وقت الإفطار والسحور، والجميل أن بعض الخيم الرمضانية في دبي تستقطب المثقفين والشعراء وتقام فيها المنازلات الشعرية في مجال الشعر النبطي على أنغام الموسيقى الخليجية الخاصة جدا.
وفي دمشق التي مازالت محتفظة بالطابع الدمشقي الأصيل نجد الخيام الرمضانية منتشرة بنسب قليلة لأنها من المظاهر المفرطة في التحديث حسبما يعتقد المجتمع السوري، ولكن تواجدها له الحضور السوري العريق، حيث يقدم فيها الحلويات السورية الشهيرة و«النرجيلة» والبوظة السورية ذات النكهة المنفردة والخاصة جدا.
ولا تخرج قطر والسعودية عن هذا التقليد، فنجد الخيامية المصنعة بحرفية عالية تنصب أمام المساجد لتناول الإفطار والسحور والعصائر والحلويات وهي من مظاهر الترفيه في هذه الدول التي لها احتفالات خاصة بشهر رمضان، تزدان الخيم بديكورات تعكس الذوق المحلي لكل مدينة على حده.
وبرغم الحضور القوي للخيامية في عالمنا العربي إلا ان هذه المهنة تصارع من أجل البقاء في مجتمعات ظهرت فيها التكنولوجيا بشكل كبير، ولكن للعراقة مكانتها دائما.
ودخلت الخيامية بقوة وحضور جميلة في الجالريهات والمعارض الفنية في مصر ودمشق، ومن أشهر المعارض للخيامية معرض بعنوان «الخيامية بين الأصالة والمعاصرة» للفنان الدكتور وجدي رفعت فريد عضو هيئة التدريس بكلية العمارة والفنون بجامعة عمر المختار «بدرنة»، والمعرض عبارة عن لوحات فنية من فن الخيامية العريق الذي عرف منذ أقدم العصور.
والخيامية فن صامد لأنه يضرب في عمق التاريخ والمجتمع، والرأي في اندثاره لا يقف أمام انتشاره الواسع «الملون» على امتداد العالم كله.


