الوثيقة شهادة مادية على حدث أو نشاط يتحقق من خلال ممارسة وظائفها من قبل مؤسسات أو أشخاص اعتباريين وقانونيين من العامة أو الخاصة يدونون معطيات معينة في وحدة معلوماتية محددة على أي نوع من الأدوات والوسائل المتاحة والتي يمكن الرجوع إليها عند الحاجة مثل الورق، والأشرطة، والاسطوانات المدمجة، والصور وغيرها أي أن الوثيقة هي شهادة على نشاط انساني مثبت على أداة ما.
عرف الانسان الوثيقة منذ أن عرف الكتابة أي منذ نحو خمسة آلاف سنة، وهي وسيلة تحفظ للناس حقوقهم وتوثق اتفاقاتهم ومعاهداتهم وصفقاتهم، وتثبت هوياتهم وتدون تاريخهم وعلومهم وثقافتهم، والوثيقة مرآة تعكس الواقع كما هو.
وعندما تنتج الوثائق لتغطية نشاطات وفعاليات مؤسسات وهيئات بعينها وتتحقق مع مرور وقت طويل عليها، فإنها تكتسب طابعها المتسلسل، ويطلق عليها سلاسل وثائقية وتأخذ عادة شكل معاهدات، ودفاتر محاسبة، وعقود، ومراسلات وغيرها من الأشكال التي تسعى إلى تدوين مختلف أوجه النشاط الانساني وحفظه من الزوال.
تقليدياً، كان الورق أداة الوثيقة ووسيلة تحققها، بينما جرت العادة على أن يتم ادخال المعلومة باليد عن طريق استخدام الحبر أو الآلة الكتابة أو الطابعة ليزرية.
والوثيقة من وجهة نظر معلوماتية هي أرشيف، لكن مع بعض الخصائص المحددة، ذلك أنها تتضمن معطيات نصية أو مرسومة قام المستخدم بإدخالها إلى جهاز الكمبيوتر عن طريق برنامج ما. ويعطى هذا الأرشيف اسما وشكلا لحفظه، بحيث يسهل الرجوع إليه عند الحاجة إليه، سواء من أجل طباعته أو تعديله أو حذفه، وقد اعتاد الناس على تسمية هذه العملية بالأرشفة الرقمية.
فيما يتعلق بطبيعة الوثائق، فإنه من الممكن أن تكون نصية وغير نصية. أما النصية منها، فإنها وثائق تتضمن معلومات مكتوبة على أداة عادة ما تكون الورق، بينما الوثائق غير النصية هي وثائق رغم أنها يمكن أن تتضمن معلومات مكتوبة، إلى أن الجانب الأهم فيها يكمن في أنها يمكن أن تكون في أدوات أخرى مختلفة عن الورق، لأنها مصصمة للمشاهدة أو الاستماع أو المعالجة.
العناية بالتاريخ
المجتمع الإماراتي يوظف بدوره ومنذ القدم إمكانيات هائلة في خدمة الوثيقة وصونها ووضعها تحت تصرف الباحثين والمتابعين الذين يعتنون بتاريخ منطقة الخليج عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي والإمارات على وجه الخصوص، في مشهد من أهم معالمه انتشار واسع للمراكز والدارات التي تقوم في المقام الأول على الوثيقة، سواء من ناحية جمعها واقتنائها ومن ثم حفظها، أو لجهة استخداماتها وتوظيفها ووضعها في خدمة المجتمع والدولة.
ومن بين هذه المراكز مركز الدراسات والوثائق في رأس الخيمة ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ودارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية والمركز الوطني للوثائق في أبوظبي ومركز وثائق عجمان الوطني ومركز الشارقة للوثائق والبحوث.
أما إذا شئنا الحديث بشيء من التفصيل عن بعض هذه التجارب الوطنية في دعم مكانة الوثيقة في المجتمع، فسنجد أن جميع مراكز الدولة التي تعنى بهذا الشأن تمتلك عددا هائلا من الوثائق، سواء كان الأمر يتعلق بالناحية الكمية أم من الناحية النوعية فيها، حيث يصل تعداد الوثائق في بعضها إلى الملايين.
بينما يلاحظ أنها لا ترصد أحداثاً ووقائع وشخصيات وطنية أو اقليمية فحسب، بل إنها تصل إلى العالمية في ارتباطاتها الجيوسياسية والاقتصادية والتجارية وحتى الديموغرافية، لا سيما وأن المنطقة كانت محط اهتمام قوى عالمية واستعمارية كبرى على مر العصور.
ويعتبر قسم الأرشيف التابع للمركز الوطني للوثائق والبحوث ثروة وطنية بكل ما للكلمة من معنى لما يحتويه من كنوز معرفية تاريخية لم يكن من السهل جمعها تحت سقف واحد، بدءا بالأرشيفات العالمية ومروراً بالمجموعة الخاصة وليس انتهاء بأرشيف الصور.
وتضم المجموعة الخاصة للمركز وثائق قصر الحصن التي تشمل عددا كبيرا من الوثائق التي يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة من 1923 ولغاية بداية حكم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ويتعلق الجزء الأكبر من هذه الوثائق بفترة حكم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان.
كما يضم أرشيفات عدة دول، ويعمل فيها موظفون لغتهم الأم هي لغة تلك الأرشيفات، وتحتوي الأرشيفات البرتغالية والهولندية والبريطانية والفرنسية في المركز ما يمكن اعتباره أقدم وأغنى مجموعة من المواد الأرشيفية المتعلّقة بمنطقة الخليج.
تجميع الوثائق
يسعى (مركز وثائق عجمان الوطني) لأرشفة وسرد الأحداث التي مرت على الإمارات قبل عصر النفط وبعده، وقد استطاع منذ إنشائه قبل نحو ثلاث سنوات أن يشكل شبكة معلومات أرشيفية مع مختلف الدوائر المحلية والاتحادية لتعمل وفق الأنظمة المعلوماتية الحديثة، كما أن المركز أصدر «موسوعة عجمان»، التي تعطي صورة واضحة عن التاريخ المبكر لإمارة عجمان منذ 6500 سنة قبل الميلاد.
أهداف المركز تقوم على تجميع الوثائق التاريخية والوثائق الخاصة والوثائق الشفهية والإشراف على حفظها وتصنيفها بكافة الوسائل العلمية بوصفها أوعية رسمية للمعلومات اللازمة للبحث العلمي، والعمل على حماية الوثائق بمختلف أنواعها من عوامل التلف، فضلاً عن أن للمركز دوراً يرمي إلى تقديم الدعم الفني للدوائر في تنظيم أرشيفها بالاعتماد على المقاييس الدولية المطبقة في تسيير الأرشيف.
ومنها جمع مختلف الوثائق التي تتضمن فائدة أرشيفية ومحفوظة على مستوى الدوائر بعد القيام بعملية فرز، وإتلاف الوثائق القابلة للإتلاف حسب النظام المعمول به، وحفظ الوثائق مهما كان نوعها في المكان المناسب، وجمع الوثائق التي لها صلة بتاريخ إمارة عجمان والمحفوظة سواءً بالإمارات أو خارجها، ومراقبة الأرشيف على مستوى الدوائر الحكومية، والإرشاد في عملية تطبيق التقنيات والمقاييس الدولية في إدارة ومعالجة أرشيفها، وخلق نظام موحد للتعامل مع الوثائق الإدارية، وإدخال الإعلام الآلي في المعالجة الأرشيفية على مستوى الدوائر الحكومية.
توثيق تاريخ المنطقة
دارة الدكتور سلطان القاسمي فيها وثائق تاريخية وسياسية بالغة الأهمية، وتعود بغالبيتها إلى الأرشيف البريطاني في المنطقة، ويصل تعدادها إلى مليوني وثيقة تقريبا، تزداد وتتكاثر بشكل مطرد في إطار عمليات جمع واقتناء متواصلة لا تتوقف أبدا، بينما توثق للوجود البريطاني في المنطقة بتقاطعاتها مع القوى التي كانت تنشط في المنطقة في الفترة الاستعمارية القديمة وذيولها الممتدة إلى المرحلة الجديدة الراهنة.
حيث ثمة وثائق تعكس صراع القوى مثل الإنجليز والفرنسيين والبرتغاليين والعثمانيين وغيرهم، كما أنها لا تقتصر على الوثائق المكتوبة، بل تتضمن كذلك الكثير من الخرائط والصور الفوتوغرافية والأفلام الوثائقية النادرة التي تمكن صاحب السمو حاكم الشارقة من جمعها بشق الأنفس خلال ربع قرن من الزمن، وكلفت مبالغ طائلة وتم حفظها في الدارة وعرضها للباحثين.
كنوز معرفية
وكي لا تبقى هذه الكنوز المعرفية حبيسة الخزائن، فإن دارة الدكتور القاسمي تولي اهتماما خاصا بإتاحة الفرصة أمام المهتمين من الدارسين والباحثين، وذلك من خلال مكتبة ورقية ورقمية سمعية بصرية وكذلك من خلال المجسمات، حيث تنقسم إلى عدة أقسام تعنى بوثائق دول الخليج ووثائق البرتغال ووثائق ميناء المنخر وبندر عباس ووثائق شركة الهند الشرقية وأخيرا وثائق دول العالم.
بينما تشكل العديد من مؤلفات الدكتور القاسمي نفسه وثائق تاريخية بحد ذاتها كونها تستوفي جميع الخواص العلمية لعملية التوثيق، ومن بين هذه المؤلفات (وصف قلعة مسقط وقلاع أخرى على ساحل خليج عمان) و( محطة الشارقة الجوية بين الشرق والغرب).وقد بلغت الوثائق في الإمارات من الأهمية بمكان أن قامت إمارة رأس الخيمة بنقل محتويات مركز الدراسات والوثائق فيها ببداية التسعينيات بأمر من المرحوم الشيخ صقر القاسمي من مقر المركز إلى الديوان الأميري.
حيث يوضح الدكتور علي فارس مدير المركز، الذي تولى منصبه هذا عام 1996، أي بعد مضي سنوات على نقل تلك الوثائق التي تختص بغالبيتها بالجزر الإماراتية، أن البنية الأساسية للمركز لم تعد تعتمد منذ عملية النقل تلك على الوثائق، لكن ذلك لم يحل دون مواصلة تطوير عمل المركز خلال الـ15 سنة الأخيرة، مؤكدا على أن الوثيقة بشكل عام تلعب دوراً مهماً خاصة إذا كانت قادمة من مصدرها الأصلي، سواء كان ذلك المصدر عربيا أم أجنبيا.
الجمع والحفظ
ولا يخفى على أحد أهمية الامكانيات المادية في محاولات جمع الوثائق عموما والتاريخية منها على وجه الخصوص، إلى درجة أن الأمر بات يحتاج إلى ميزانيات ضخمة لا طاقة لأحد عليها سوى المؤسسات والدول الغنية، وفي هذا السياق نوه فارس إلى الامكانيات الهائلة التي يتمتع بها المركز الوطني للوثائق في أبوظبي الذي لم يتمكن حتى الآن من جمع ملايين الوثائق المهمة الأجنبية والعربية فحسب، بل قام كذلك بتحويل كنوزه إلى وثائق رقمية.
لكن ضرورة توفر الامكانيات المادية اللازمة للتصدي لمهمة جمع وحفظ الوثائق لا بد أن تترافق دائما وأبدا مع إمكانيات علمية وخبرات بحثية لا غنى عنها على الاطلاق، ومن الأسماء التي لمع نجمها في هذا الميدان اسم د. أحمد التدمري الذي أسس بتوجيهات من المرحوم الشيخ صقر القاسمي وإشراف صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، مركز الدراسات والوثائق في الإمارة.
وتابع منذ عام 1968 قرار انسحاب بريطانيا من شرق السويس وردود الفعل الناجمة عنه بما في ذلك موقف الإمبراطورية الإيرانية أيام الشاه، التي يؤكد تدمري أنه كان لها مطامع في منطقة الخليج، وكان لا بد من تجميع الوثائق اللازمة للتصدي لتلك المطامع، فقام التدمري بهذه المهمة وأصدر كتابا وثائقيا تحت عنوان (دراسة وثائقية عن الجزر العربية الثلاث)، مثلما تصدى لعملية البحث عن الوثائق التي تتعلق بمنطقة الخليج العربي عموما بقصد إعادة كتابة تاريخ الخليج العربي انطلاقا من وثائق عربية بالدرجة الأولى، على حد تعبير تدمري نفسه.
ويقول د. أحمد التدمري إن (المرحوم الشيخ صقر القاسمي طيب الله ثراه أصدر في فبراير 1986 مرسوما أميريا بإنشاء مركز للدراسات والوثائق، وكلفني بموجبه بتنفيذ مشروع المركز تحت رئاسة سمو الشيخ مسعود بن صقر القاسمي، وكان من أهم ما قمنا به هو تأمين أجهزة مايكرو فيلم لتوثيق أوراق، ووثائق دائرة الماء والكهرباء المحلية.
وكذلك تأمين أجهزة خاصة لتوثيق وتصوير وثائق دائرة الأراضي، وذلك حفاظا على حقوق الأهالي أصحاب الأملاك والعقارات)، وكان ذلك أول انجاز قام به المركز، ثم تبعه القيام بصيانة وترميم الوثائق القديمة التابعة للإمارة، فضلاً عن أن المركز أسهم في ترميم وثائق بعض الأهالي الذين تقدموا للمركز للاستفادة من خدماته.
حيث كان المركز يعيد تلك الوثائق فور انتهائه من ترميمها. كما عقد مركز رأس الخيمة عام 1987 أول مؤتمر علمي لإعادة كتابة تاريخ منطقة الخليج العربي بمشاركة نخبة من الباحثين وعلماء التاريخ الذين ساهموا بدراسات مصحوبة بوثائقها، وتلا ذلك عقد مؤتمرات أخرى تغطي جوانب أخرى من العلاقات التي تربط الخليج العربي بالقارة الهندية والدولة العثمانية ودول آسيا الوسطى والبرتغال وشرق أفريقيا، وتوجت تلك الجهود العلمية بإصدار عدة مجلدات.
ثمة بعد ثالث اشتغل عليه مركز الدراسات والوثائق في رأس الخيمة، حيث حرص القيمون على تثبيت عضويته في مركز المعلومات القومي في مكتبة المتحف البريطاني في لندن، مثلما حرصوا على التواصل مع الأمانة العامة لمراكز الدراسات والوثائق في الخليج العربي ومقره الرياض إلى جانب عضوية أحمد تدمري نفسه في مكتبة المتحف البريطاني في لندن.
وكذلك في مراكز التوثيق في لاهاي وبروكسل واسطنبول الغنية بالوثائق التي تهم العرب عموما ومنطقة الخليج خاصة، فضلاً عن أن التعاون مستمر بين مراكز الأبحاث والوثائق في الخليج مع البلدان العربية الأخرى باتجاه رصد ملامح التاريخ العربي والكشف عن المعلومات المغلوطة فيه وفي بعض المخطوطات التاريخية وتصحيحها.
التواصل مع الافراد
كما يمتلك هذا المركز مجموعة كبيرة من الوثائق المحلية التي تهدف لحفظ تاريخ المنطقة من خلال حفظ وثائقها بالتواصل مع الأفراد والمؤسسات، وذلك لتوفير نسخ من وثائقهم ومد الباحثين بها، بينما تتشعب آلية العمل في الوثائق، والتي تبدأ بمرحلة الجمع عن طريق التعاون مع المراكز الأخرى داخل وخارج الدولة. وعن طريق حث الأفراد على الاهتمام بوثائقهم بترميمها وتصويرها وحفظها.
ثم تأتي مرحلة التصوير، وذلك من خلال المعمل الرقمي التابع للمركز والذي قام باستحداث أجهزة جديدة للتصوير، وتم فيه تصوير الوثيقة بدرجة عالية من الوضوح والدقة .
في حين ان مرحلة الترميم تتكفل بإعادة الحياة لهذه الورقة لتستطيع مواجهة الأعوام القادمة. والمرحلة الأخيرة هي مرحلة الوصف الأرشيفي ( الفهرسة )، وذلك من خلال قسم التراث الوطني الذي استحدث نظاما جديدا خاصا بفهرسة الوثائق وإدخال بياناتها على النظام ، ليسهل استرجاعها، وربط تلك البيانات بصورة الوثيقة .
أول وثيقة زواج في التاريخ
تعود أول وثيقة زواج في التاريخ إلى الأسرة الثانية والعشرين الفرعونية التي حكمت مصر حوالي عام 874 قبل الميلاد، وكان المهر حسب ما كشفت الأبحاث الأولية ينقسم إلى مقدم ومؤخر، ما يؤكد أن المرأة المصرية كانت تتمتع بحرية قرارها في اختيار شريكها قبل آلاف السنين.
ومما جاء في نص الوثيقة أنه في الشهر الثاني من موسم الفيضان، في عهد الفرعون الكتائيوس، إله الحياة والمجد والسعادة، قال أوزيدان للموظف بادفو المنتمي لمعبد النكانوبيس والذي أبوه استمونس وأمه تنت ميحت للسيدة توستي التي أبوها اسخونس وأمها تومانيس، إني قد اصطفيتك زوجة، وأعطيتك خمسة أعشار وزنة من الفضة وأكرر ذلك: خمسة أعشار من الوزنة كصداق، وإن خطر لي أن أهجرك كزوجة واخترت أخرى، فعلي أن أدفع لك خمسة أعشار وزنة من الفضة لا علاقة لها بالخمسة السابقة، وإني أتنازل لك عن ثلث ما أكسبه من الآن بمعونتك من متاع وعقار.
أما الأطفال الذين تلدينهم فيؤول إليهم كل ما أملك الآن وما أملك في المستقبل من متاع وعقار. كما وتكشف الوثيقة عن قائمة الأشياء التي يحملها العريس إلى بيته ويقدمها لعروسه من ذهب وفضة وثياب وأنها تنتهي إليها بالتأكيد مادامت الزوجة في كنف زوجها، وإن خرجت من المنزل تخرج هذه الأشياء معها. وتنتهي الوثيقة بتوقيع العروسين والشهود.
مشاريع علمية
وتوفر هذه الوثائق للباحثين في شأن منطقة الخليج ودول مجلس التعاون الخليجي ودولة الإمارات العربية المتحدة فرصة لتطوير أبحاثهم ودراساتهم، ولا سيما أن مجموعة منها كان الباحثون يضطرون للسفر من أجلها إلى الغرب، بينما جعلتها الدارة في متناول أيديهم مباشرة، علما أن هذه الجهود الحميدة آخذة بالتكامل والتوافق في المستقبل القريب مع مشاريع علمية وأكاديمية لمراكز البحوث المختلفة.
بما يحقق قراءة جديدة للتاريخ ولشعوب المنطقة وبخاصة في فترة الاستعمار القديم ومرحلة الاستقلال والسيادة الوطنية، وذلك بعيدا عن القراءات الاستشراقية وصورة العربي فيها في محاولة لخلق صورة مستقلة وحقيقية للإنسان العربي عن الصورة التي رسمها الغرب لنا.
وثيقة أول هدنة في التاريخ
التقى فرعون رمسيس الثاني بعد معركة قديش مع ملك الحيثيين موتلي عام 1274 قبل الميلاد عند الجبال التي تحيط بمنبع نهر العاصي ، في شهر مايو. قام فرعون بتسجيل أسماء قادة الحيثيين الذين كانوا ضده . فقد قام (مُوَتَلّي) بالتحالف مع حاكم منطقة حلب في سوريا بالإضافة لعدد من حكام المناطق والقبائل. وأعد كميناً مُحكَماً، فوضع قواته وراء تلةٍ في مدينة قديش ، منتظراً فرعون.
وكان فرعون يعتقد أنهم في حلب ، فاطمأن ولم يعلم ما خُبّئ له ، ولما قبض المصريون على اثنين من جنود (مُوَتَلّي) ، علم فرعون بالكمين وأرسل يستحث بقية جيشه ، تحديداً فرقة (تاه) و (سيت)، ولكن (مُوَتَلّي) علم أن كمينه قد اكتُشِف ، و لم يمهل فرعون ليصل بقية جيشه، فعجّل بالهجوم.
انتهت المعركة أخيراً، ولكنها لم تنته بنصرٍ أو هزيمة، فقد كان كلا الطرفين بالغ القوة ومُحكم التنسيق والتخطيط، فعقد فرعون ومُوَتَلّي صلحاً وعادا أدراجهما، ولكن مدينة قديش نفسها ظلت في يد الحيثيين، وبدأ مُوَتَلّي في التوسع وغزو الشمال ، بل واستولى على مدينة أمورو التي كانت مركز شعب الأموريين.عقد السلام هذا نَقَشه الطرفان على صفيحةٍ من الفضة وصنعوا منهانسخةً طينية. أما الصفيحة فضاعت واختفت، وأما النسخة الطينية فلا زالت موجودة إلى اليوم، و هي مُعلّقة في مقر الأمم المتحدة (مركز الظلم والإجرام) كإحدى أول الهُدَن المعروفة، وتوجد نسخة في مصر على شكل بردية.
مصادر قيمة
وانطلاقاً من هذا المنظور التاريخي، كان من الطبيعي أن تتراكم المجلّدات التي تضمّ المراسلات التجارية والسياسية لتلك الدول الأربع بتأسيسها في الخليج. وتغطّي هذه الوثائق مع المواد المستقاة من المصادر الرسمية من ألمانيا والهند واليابان وإيران وروسيا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية والفاتيكان حيّزاً كبيراً من المواضيع المتعلّقة بالمنطقة خلال فترة خمسة قرون.
كما أنّها توفّر مصادر فريدة وقيّمة لدراسة تاريخ منطقة الخليج بأكملها. وفيما يلي بعض اللمحات المختصرة عن مختلف الأرشيفات التي يحتضنها مركز الوثائق والبحوث بالإضافة إلى طبيعة ومجالات محتوياتها.أما أرشيف الصور التابع للمركز، فقد تم إنشاؤه عام 1974 بغرض الحفاظ على الصور التي تشكل أهمية كبرى وثروة حقيقة، لأنها توثق لتاريخ الإمارات. يحتوي هذا الأرشيف على مجموعة كبيرة من الصور مختلفة الأحجام، بالإضافة إلى النجاتيف الخاص بها، ويقدر عددها بالآلاف.
وتتنوع المواضيع من حيث الصور الخاصة بدولة الإمارات والمناسبات المختلفة، لكن صور المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، لها النصيب الأكبر من هذه الصور، التي تلخص كل مراحل قيادته لدولة الإمارات.
وجدير بالذكر أن أقدم صورة موجودة في الأرشيف تعود لعام 1904 وهي صورة قصر الحصن، حيث يجلس الشيخ زايد بن خليفة الأول في مجلسه المقام في الهواء الطلق، مع الشيوخ والمواطنين والتي التقطها المصور الألماني بيرخارت أثناء زيارته للخليج العربي ولأبوظبي في يناير 1904.



