نتاج العقل، تصرف عاقل، بلا عقل، والكثير الكثير من المصطلحات التي تدل على العقل وأهميته، خاصة وأنه يعتبر في نظر عامة الناس، بمثابة ملكة تميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى.
وعلى هذا الأساس يتم التمييز بين الإنسان العاقل، والفاقد للعقل، أو مختله، أو حين يفقد الإنسان صوابه عندما يخضع للغرائز أو يلجأ لممارسة العنف، أو ينخرط في الخرافة والسحر والشعوذة. كما يوصف العقل بأنه مصطلح يستعمل لوصف الوظائف العليا للدماغ البشري، خاصة تلك التي يكون فيها الإنسان واعيا، بشكل شخصي مثل الشخصية، التفكير، الجدل، الذاكرة، الذكاء، وحتى الانفعال العاطفي الذي يعده البعض ضمن وظائف العقل.
متى يكون التحول من العقل إلى اللاعقل، وهل يمكن اعتبار هذه الحدود من صنع العقل نفسه، وهل يعتبر العقل فطريا طبيعيا أم ثقافيا مكتسبا؟ وهل العقل وحده كاف لإنتاج وبلوغ المعرفة، أم أن عملية المعرفة تقتضي تدخل كل من التجربة والحواس للوصول إلى الكثير من النتائج، التي يحكمها العقل في المحصلة.
بين الفلسفات القديمة والحديثة:
عرف (لالاند) العقل على أنه ملكة للمعرفة تميز الإنسان عن الحيوان، كما أن العقل في نظره يمكن أن يكون موصلا للمعرفة، ومن ثم يمكن القول انه ذاتي وموضوعي متعدد الأشكال كليا وكونيا وضروريا، في مقابل الخيال والوهم نسبيا، ومحدودا في مقابل المعرفة الإلهية المطلقة.
وكان العقل في الفلسفة اليونانية قد تأسس باعتباره كليا كونيا، وهو أساس النظام والانسجام في هذا العالم، يقابله عقل إنساني ناقص لكنه يسعى إلى تجاوز هذا النقص عن طريق التأمل والتحرر من الجسد وغرائزه وأهوائه، إذ تأسس العقل عن طريق التأمل بعد أن انتقل الفكر اليوناني من الاعتماد على ما هو شفوي، إلى ما هو مكتوب، لأن الأدب المكتوب عموما يخضع لمجموعة من القواعد التي تجعله أكثر تنظيما ودقة من الحكاية الشفوية إضافة إلى الدقة في الاستدلال وتقديم الحجج والبراهين.
ولكن هذه النظرية الكلية والموضوعية للعقل تم تجاوزها مع تأسيس الفلسفة الحديثة مع ديكارت، وأصبح العقل ذا مفهوم ذاتي ضيق العقل (ملكة) ويفكر الناس ويحكمون أن تكون عاقلا معناه أن تعرف كيف تستخدم ذكاءك، وهكذا يصبح العقل أداة لمعرفة مختلف الظواهر الكونية، وتسخيرها لصالح الإنسان لكن يبقى السؤال ما طبيعة هذه الملكة طبيعية فطرية، أم مكتسبة وهل العقل وحده هو الأداة التي تمكننا من إنتاج المعرفة، أم أن المعرفة عملية مركبة، أم لكل من العقل والحواس دور في إنتاجها.
وبهذا الخصوص هناك تصوران الأول عند ديكارت والثاني عند الفلاسفة التجربيين "دافيد هيوم، وجان لوك" وفي الأول يركز ديكارت على اعتبار العقل ذا طبيعة فطرية، فكل الناس يولدون وهم مزودون بهذه الملكة ولهذا يعتبر ديكارت أن العقل هو أعدل قيمة بين الناس جميعا، وانهم يتساوون فيه بالفطرة، ولكن يختلفون في طريقة استخدامه.
لكن ما يقصده ديكارت من فطرية هو القدرة على ممارسة مختلف العمليات الذهنية، أو العقلية بسيطة كانت أم معقدة، وهذه المبادئ هي مبدأ الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع، السببية والحتمية. إن ديكارت يعتبر أن الوظيفة الأساسية للعقل هي إنتاج المعرفة من خلال ممارسة التأمل العقلي، بل يعتبره المصدر الوحيد للمعرفة الحقة، أما الحواس فلا دور لها في عملية المعرفة لأنها خادعة، ضد هذا التصور العقلاني الذي يجعل المعرفة من إنتاج العقل.
بينما يمثل التصور الثاني الفلاسفة التجريبيون، الذين يعتبرون أن لا وجود لشيء اسمه العقل بمعزل عن الحواس أو التجربة الحسية، فكل معارفنا تبدأ بالحواس، بما في ذلك ما اعتبره ديكارت مبادئ فطرية، وعلى هذا الأساس يصبح العقل متغيرا من شخص لآخر على اعتبار أن تجاربه تخلف الشيء الذي ينتج عنه إمكانية تغير العقل من مجتمع لآخر ومن مرحلة تاريخية لأخرى، ووجد موقفا ثالثا يمثله كانط الذي حاول التوفيق بين التصورين العقلاني والتجريبي.
بينما يتفق كانط مع التجريبيين في كون كل معارفنا تبتدئ بالحواس، ولكنها تنتهي عند المفاهيم العقلية الشيء الذي يعطي لموقفه طابعا توفيقيا، ويميز كانط بين نوعين من العقل، العقل العملي، والعقل النظري، فالأول يمكن أن ينتج معرفة يقينية، لأنه يستند إلى التجربة بمفهومها الواسع حسية وعميلة وأخلاقية، أما العقل النظري أو العقل الخالص فهو العقل المنقطع عن التجربة، فله موضوعات من نوع خاص، وبالعودة إلى تاريخ الفلسفة نرى أن العقل النظري قد أنتج حقائق متناقضة بشأنها ولهذا اعتبر كانط أن العقل عندما لا يسند الى التجربة يصبح عقلا جداليا سجاليا، ولهذا فإن المجال الوحيد الذي يمكن للعقل أن يقدم فيه معرفة يقينية هو ذلك المرتبط بمجال التجربة العملية.
نظريات العقل:
تعود النظريات التي تبحث في العقل إلى عهد أفلاطون وأرسطو وغيرهما من الفلاسفة الإغريق، أما النظريات ما قبل العلمية، فوجدت جذورها في اللاهوت والفكر الديني عموما، وركزت على العلاقة بين العقل والروح أو الجوهر الإلهي المفترض للذات الإنسانية، أما النظريات العلمية الحديثة فهي تعتبر العقل ظاهرة تتعلق بعلم النفس.
وغالبا ما يستخدم هذا المصطلح بترادف مع مصطلح الوعي، والسؤال عن أي جزء أو صفو من الإنسان يساهم في تكوين العقل لا يزال محل خلاف، فهناك من يرى أن الوظائف العليا فقط "التفكير والذاكرة بشكل خاص" وحدها هي التي تكون العقل.
بينما الوظائف الأخرى مثل الحب والكره والفرح تكون بدائية وشخصية، وبالتالي لا تكون العقل، بينما يرفض آخرون هذا الطرح، ويرون أن الجوانب العقلانية والعاطفية من الشخصية الإنسانية لا يمكن فصلها بسهولة، وانها يجب أن تؤخذ كوحدة واحدة في الاستعمال الشعبي الشائع، ويخلط عادة مع التفكير، وعادة ما يكون العقل حوارا داخليا مع النفس.
بين العقل واللاعقل
يعرف الإنسان على أنه كائن عاقل، ويبقى هذا التعريف عاما ومجردا، وهو ما ينطبق على الإنسان كنوع من أنواع الكائنات الحية، لكن التجربة الحياتية، تبين أن أفعال الناس وسلوكياتهم يتقاسمها العقل واللاعقل، وقد حاول فريدريك نيتشه أن يبين أن العقل ليس سوى قوة نوظفها لحفظ الحياة.
ومن ثم فإن المعرفة ينتجها العقل تشكل جزءا من الحياة ذاتها، من غير أن ننشئ وهم أن العقل معارض للحياة وأنه منتج للمعرفة والحقيقة والقيم الأخلاقية المعارضة للأهواء والغرائز، في حين أن العقل لا ينتج حقائق بقدر ما ينتج أوهاما وأخطاء ثبت نفعها في معركة الصراع من أجل البقاء، فالوهم ناتج عن مصدرين أساسيين هما الاعتماد بإمكانية إنتاج الحقيقة من خلال الاعتماد على اللغة ثانيهما الرغبة في العيش في أمن وسلام، لهذا فالإنسان لا يوظف عقله من أجل قول الحقيقة وكشفها بل إنه يعمل على إخفائها رغبة في تفادي الصراع مع الآخرين.
وحاولت مدرسة التحليل النفسي مع سيغوند فرويد الذي تبين أن العقل ليس سوى جزء منفصل عن اللاعقل أي منطقة اللاشعور، حيث تجري مختلف العمليات اللاشعورية التي تكشف نفسها في صور وأشكال تبدو لا عقلية كالأحلام والهذيانات، ولكن التحليل النفسي يظل وحيا للعقل من خلال محاولته كشف المعقولية وراء لا معقولية الأحلام.
فالمختل عقليا حسب تصور فرويد ليس ذاك الإنسان غير العاقل بل إنه شخص فقد مبدأ السببية والتمييز بين الممكن والمستحيل والمناسب وغير مناسب، إن الأهواء والرغبات لا تقصي العقل بل إنها توظفه بشكل مفرط في الدقة والذكاء، وهذا ما تدل عليه مختلف الإبداعات الفنية سواء في مجال الشعر أو الروايات الأدبية.
إن العقل يوظف الخيال في إعادة رسم خريطة الواقع وإعادة تشكيله في صور تفسح المجال أمام ترحيب الممكن، فالروايات الأدبية توظف الخيال بصورة مفرطة في الذكاء، فالعقل يمتزج بالعاطفة والوجدان فينتج روائع أدبية إبداعية، لا تقل قيمة عن إبداعات العقل المنطقي ولكن العقل قد يساء استخدامه حينما يتم تحويله إلى قوة قمعية.
عمل العقل
هناك جدل قائم حول كيفية عمل العقل يتمحور حول اتجاهين، اتجاه يدعي أن العقل حسابي، واتجاه يدعي أن العقل غير حسابي، بالنسبة إلى الاتجاه الأول توجد قوانين تحكم العقل، بحيث تكون نتائجه محددة، والاتجاه الثاني يرفض القول السابق ويعلن أن العقل غير حسابي ومن أدلته عندما يعتقد الفرد أن القيام بأمر معين جيد.
ولا يوجد ما يمنعه عن فعل هذا الأمر لكنه لا يقوم بهذا الفعل بل يفعل نقيضه، فلو كان العقل حسابيا ومحكوما بقوانين لما تم هذا، كما نعتمد في أحيان كثيرة على استنتاج التفسير الأفضل بالنسبة إلى هذا الاستنتاج أن البشر غير عقلانيين، لكي نفسر نشوب الحرب علما بأنه كان من الممكن أن نستنتج أن المصالح تتضارب لكي نفسر نشوب الحروب، ومن هنا فاستنتاج التفسير الأفضل ليس باستنتاج حسابي وليس محكوما بقوانين.
إلى جانب هذه الظاهرة هناك ما يسمى بالعقل الثنائي وهو العقل الازدواجي الذي لا يدرك العالم إلا بثنائية، فإما الخير وإما الشر، إما الله وإما الشيطان، إما الانتماء وإما الخيانة، إما الإيمان وإما الكفر.
وهو عقل اجتماعي سائد وخطير وسبب من أسباب الإرهاب الديني، وقتل المكفرين، واتهام الآخرين بالخيانة الوطنية عند الاختلاف في الرأي، وهو أحد أسباب الاستبداد، هذا العقل بدائي سواء أكان دينيا أو مدعيا للعقلانية، كما أنه عقل ينصب نفسه حاكما على الفلسفة والفكر، فهو غير قادر على استيعاب تعقيدات الفكر، لا يقبل بتأجيل الأحكام أو عدم إطلاقها على الأشياء، كالكثير من رجال الدين.
لذلك يعد صاحب العقل المتعدد في ظنهم شكوكيا ضالا فهم يرون صاحب الأجوبة هو المدرك، ويظنون العلوم العقلانية تيها، لأنها قائمة على البحث والتنقيب، ولأنهم أدركوا كل شيء وفق معرفة مسبقة ومطلقة. ولا يستوعب صاحب العقل الثنائي علوما، فهو لا يستوعب وجود قانونيين، اقتصاديين، سياسيين، نفسانيين، اجتماعيين، وإن كان يعلم فهو يمارس رعويته في معظم الأحيان، ولا يقبل بالتعدد العقلي وإن كان مسقطا. ولهذا فهو غير قادر على البناء، ولا يساهم في تقدم البشرية، ولا يملك القدرة في السيطرة على الطبيعة.
العقل في الدين
ورد ذكر العقل في القرآن الكريم في أكثر من آية، وخص الله في كتابه الكريم أصحاب العقول بالمعرفة لمقاصد العبادة والوقوف على بعض حكم التشريع، فقال سبحانه بعد أن ذكر جملة أحكام الحج "واتقوا يا أولي الألباب" كما ذم الله عز وجل المقلدين لآبائهم، وذلك حين ألغوا عقولهم وتنكروا لأحكامها رضا بما كان يصنع الآباء والأجداد قال عز وجل: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون".
كما شدد الإسلام في النهي عن تعاطي ما تنكره العقول وتنفر منه كالتطير والتشاؤم، واعتقاد التأثير في العدوى، والأنواء وغيرها.
خريطة العقل
وضع (توني بوزان) كتاب خارطة العقل والتي اعتبرها أداة تفكير بإبداع شائعة وتعلم بشكل بصري تقنية الأفكار وترابطهم، ويمكن أن تستعمل لترتيب بعض المفاهيم الأساسية المرتبطة بشكل تخطيطي أو ترتيب الموضوع بمفاهيم أخرى أو القضايا من خلال تخطيطات مشابهة للشجرة، مما يسمح بالابتكار، الاقتناص، التنظيم، والاتصال بسهولة بفهم وتفاعل بصري عال جدا، يعبر عن الأفكار المعقدة، والمعلومات والبيانات.
وتبدأ خريطة العقل بجزء من المشكلة، أو القضية التي كانت موضوعة في المركز، وتحتوي الكلمات والعبارات القصيرة والصور المتصلة بالقضية المركزية بواسطة خطوط. وغالبية الناس تتوجه للرؤية باستعمال التركيب والكلمات واللون والصور والوصلات، والأصوات لإحضار مفاهيمهم إلى الحياة، وصلات خريطة العقل مفهوم مركزي أو تصور متعلق بالمفاهيم أو القضايا، بخلاف أساليب التفكير الخطي، كونه يحث التخيل والإبداع، ويربط تفكير العقل الأيمن مع الأيسر، وبالتالي وكما هو معتقد يستخدم المدى الكامل من المهارات التحليلية والمبدعة.
