ربط الفيلسوف وعالم النفس السويسري جان بياجه اللعب عند الأطفال بطرق التعلم الأولى، وأسس نظريته على قاعدة أن اللعب يسهم بشكل فاعل في نمو الإدراك وعمليات التخيل، وجاء من بعده علماء نفس تربويون ليعطوا للعب أهمية كبيرة في ترسيخ قيم ومعلومات المناهج الدراسية، وأصروا على أهمية اللعب في حياة الأطفال وسنواتهم الأولى، واليوم تؤسس دروس وفصول في المدارس الأكثر حداثة لاعتماد اللعب كأسلوب تعليم وتعلم مثاليين.
حينما كنا أطفالا كان ما حولنا يشبه حلم اليقظة الذي نعيش تفاصيله، ويصبح سعينا الدؤوب هو اكتشاف الغرف المغلقة في هذا الخيال، لهذا حينما نعود اليوم إلى أمكنة كنا قد عشنا ولعبنا فيها، ندرك كم هي صغيرة في المساحة، وكم كان خيالنا يفتحها ويوسعها لتدعو عالما وكونا كبيرين.
وحينما ندقق أكثر في تفاصيل تلك الأمكنة التي احتوت طفولتنا، نصطدم بحقيقة أنها لم تكن مليئة بالتفاصيل أصلاً، ولكن خيالنا اليافع والجامح والمتنامي في تلك المراحل العمرية الأولى، كان يملؤها بالتداعيات اللا متناهية.
بين الواحات والشطآن
اللعب والألعاب يشكلان الأساس في تكوين تلك الصور الخيالية، وهما اللذان يحفزان المخيلة لتجعل من الأشياء البسيطة، كالحصى والطين والماء وأغصان الأشجار، بيوتا وسيوفا وطائرات وجبالا وتلالا، ويجعلان من قطعة خشبية، أو قطعة مليئة بالقطن، دمية رجل أو امرأة نجلس لساعات أمامها نخاطبها وننسج قصصا في أحاديث أحادية الجانب.
وما بين حياة أطفال الوديان والواحات والشطآن، الأطفال الذين كانوا يستلهمون من بقايا الحياة ألعابا يبتكرونها ويخترعون لها نظما وقوانين ومسميات يتعارفون عليها، وما بين أطفالنا اليوم الذين يتربعون أمام شاشات البلازما والكمبيوترات صغيرة الحجم، ويدخلون إلى عالم ألعاب الفيديو الحديثة ذات الأبعاد الثلاثة والمؤثرات الصوتية عالية التقنية، فاتحين خيالاتهم على عوالم افتراضية جانحة الخيال.. ما بين ذلك الطفل الفطري وهذا الطفل العصري، لا يوجد فارق سوى اختلاف الأساليب.
واشتعال الإدراك هو ذاته الذي تحدث عنه السويسري بياجيه قبل هذا الزمان. ومع أننا نلوم العاب اليوم باعتبارها تتكئ على أفكار الحرب وتؤسس ألعابا دموية يتعلم منها الأطفال كيف يستخدمون احدث أسلحة الدمار الشامل لقتل الفريق المنافس، ويعيشون عبر مؤثرات بصرية عالية التقنية مواجهة تفتت جمجمة جندي مهاجم يتطاير منها الدم ويصطبغ بشاشة المشاهدة، لكن يبقى اللعب هو اللعب، يثمر في الأدمغة والمخيلات الصغيرة ويؤثر في النفس، سلبا وإيجابا.
البيئة سيدة الموقف
يلعب الطفل فاتحا نافذة الخيال نحو عوالم افتراضية تؤسس لعقليات مختلفة، وهي عقليات علماء وشعراء وعسكر وجبناء، وعقليات مترددة وأخرى مغامرة.. والبيئة سيدة الموقف في منح هذه الفرص، فالذين يعيشون وسط الأحراش، وفي حضور نهر جار، تنعطف الابتكارات لديهم بشكل مختلف عن أولئك الذين يعيشون في بيئة جبلية مثلا، ومثلهم أولئك الذين يعشون في الواحات الصحراوية وأمام شطآن البحر.
هناك مهتمون وباحثون كثر في الإمارات، تصدوا في دراسات وأبحاث متنوعة لهذه القضية، سعيا لتسجيل وتوثيق الألعاب الشعبية، ومنهم الباحث التراثي عبيد صندل، الذي تجاوز البحث ليؤسس فرقا خاصة تعيد الألعاب القديمة إلى الحياة، ويشارك صندل بفريقه المكون من الصبية، في العديد من المناسبات الرسمية والاحتفالات. وكذا الباحثة بدرية الشامسي، فهي الأخرى من بين الذين شعروا بأهمية توثيق وتدوين الألعاب الشعبية لدى الصبية والفتيات، وأيضا استنتاج ما تمد به هذه الألعاب الأطفال الصغار من مهارات متنوعة.
وتقول الشامسي في بحثها: «ان اللعب لا يقل أهمية وقيمة عن الرعاية، فعن طريق اللعب يجرب الأطفال المتعة والتسلية. ويطورون شخصياتهم ويدركون نجاح خبراتهم وقدراتهم. ويفتتح اللعب أبواب الإبداع والخيال. كما يساهم في تعلم معنى العلاقات والمهارات الاجتماعية وقيمة القيم والأخلاق. واللعب هو غذاء العقل والروح، وأكثر خبرات اللعب واقعية وجاذبية هي تلك التي يبادر الطفل فيها ويختارها بحرية مطلقة».
سفينة الحبار
لم تكن البيئة ثرية جدا في منطقة الخليج لأولئك الذين عاشوا في زمن الكفاف، من الأطفال الصغار، حيث كان حضور البحر يشكل مناسبة للعطايا والهدايا التي تلقي بها الأمواج على الشطآن. فحينما كنا صغارا كانت القواقع التي تموت عنها حيواناتها ترمى بواسطة الموج كهدايا في يد الأطفال، ذكورا وإناثا، ومن بينها كانت سفن بيضاء صغيرة كلسية، وهي عبارة عن الهيكل الجيري الذي يحمي حيوان الحبار ويغطي ظهره، وهذه القطعة الكلسية تشبه السفينة تماما في تكوينها، فهي تأخذ شكلها تماما، ولها إمكانية الطفو فوق سطح الماء ولها مقدمة كمقدمة السفينة ومؤخرتها أيضا..
كثيرا ما قلب الأطفال هذه القطعة الخفيفة بين أيديهم، فاهدتوا إلى شكل السفينة.. وكان الإدراك والخيال وحب التقليد والتجربة واكتشاف المكان، من سمات هذا الخيال الطفولي، طالما قلب الطفل ظهر الحبار الكلسي ليراه يطفو فوق الماء، وأراد له أن يسير كما تسير السفينة، فجاء بخرقة بالية وقطعة خشبية من فروع نخلة، فتكونت السارية وتكون الشراع.. هذه اللعبة يلعبها الأطفال فوق الشواطئ، وخصوصا حين تهب الرياح العاتية وتلقي بالماء إلى بحيرات صغيرة فوق اليابسة، ومن بقايا الريح تتشكل قوة الدفع. وكان الصبية يبدؤون سباقا بمراكب الحبار البيضاء الناصعة.
تقول بدرية الشامسي إن البيئة هي التي تفرز هذه الألعاب وتشكلها وتعطيها نكهتها الخاصة المميزة. وشعب الإمارات، مثل بقية الشعوب الأخرى، له تراثه الشعبي، وهناك ما يميزه ويعطيه خصوصيته الثقافية بهذا الصدد. والألعاب الشعبية جزء من هذا التراث وشكل من أشكال الأدب الشعبي، والذي من خلاله تتضح خصوصية هذا التراث بتميز ألعابه.
حصان النخلة
في الواحات يشكل وجود النخلة حضورا طاغيا، وفي كل جزء من أجزائها مدى للخيال الطفولي. فقد كانت سعفات النخلة تحرض بتقوسها، على دفعها من طرفها إلى الأمام لتصبح شبيهة بالخيل أو الناقة، لكنها اقرب إلى الخيل، خصوصا حينما تجرد من كامل خصوصها ويترك القليل منه عند الطرف الأضعف والأدق، فهذا الشكل يدلل على ذيل الحصان ذي الشعر المنسدل والكثيف عند نهاية الذيل. وقد ذهب خيال الطفل إلى هذا الغصن الملقى تحت جذع النخلة، بعد أن تم التخلص منه بعد تنظيفها.
وذلك حينما تكون جففت أشعة الشمس ذلك الغصن الأخضر، فيتحول لونه إلى اللون البني ويصير صلبا في شكل تقوسه، ومعها ربط الطفل الذكي خيطا من بداية القوس إلى نهايته، واخذ يدفعه فوق الرمل الأبيض لينساب انسيابا ممتعا. ومن هذا بدأ الصغار سباقاتهم بخيول السعف في الواحات وساحات الأحياء. وتطورت اللعبة حينما بدأ الأطفال يفكرون وهم في مجموعات يتراكضون بخيولهم إلى إدارة حرب بالسيوف، تشبه حرب داحس والغبراء، أو حرب البسوس. فكانوا يتفرقون في مجاميع، وتبدأ الحرب من فوق ظهور تلك الخيول المصطنعة.
ألعاب البحر
تذكر الباحثة بدرية في بحثها، ان البحر لم يكن مصدرا للرزق فقط، بل كان البحر ذا أهمية كبرى بالنسبة للصبية والفتيات الذين عاشوا في البيئة الساحلية، وتقول في هذا الصدد: «..ففي مياه البحر لعب الصبية لعبة (ديك ودياية) ومن أصدافه وقواقعه لعبت الفتيات: (ليفيرة)، (صاقف لاقف). وعلى شاطئه لعب الصبية أيضا: (كرة السيطان)، (سبيت حي لوميت)، (عظيم السري). كما لعبت الفتيات لعبة (الجحيف) و(الحبيل)، وفي هوائه كان الأطفال يمارسون لعبة الطيار».
وعن البيئة الزراعية تقول الباحثة الشامسي: كانت المزارع، وخاصة مزارع النخيل، تعني لطفل الإمارات شيئا آخر، أثرت من خلالها على الألعاب الشعبية، ففي أحواض المزارع كان الصبية والفتيات يلعبون لعبة (حسن ديك). ومن أغصان النخيل صنعوا عرباتهم (عرباناتهم). ومن (كرب) النخيل صنعوا جمالهم.
حينما كنا صغارا وشيئا من ملامح شخصياتنا وصفاتها بدأت تتشكل وترسخ لتقول من نحن، أو ترسل للآخرين عناوين عنا وعن توجهاتنا، كانت الألعاب البسيطة، تفرزنا واحدا عن الآخر، فقد تجد من بين الأطفال من يعتزل لعبة معينة ويشارك في أخرى، وقد تجد صبية يتجادلون بحدة وهم يختلفون على اختيار لعبة توافق هواهم جميعا. إن اللعبة رحلة لها قواعدها وشروطها والدخول إليها يعني عيشها كحياة وتحمل ردات فعلها.
وحين نتحدث عن العاب زمان، تلك التي تنتجها الأمكنة والبيئات، فإن تفاصيلها تغدو لا خيارات عديدة فيها، مثلما تفعل اليوم الكمبيوترات الحديثة والعاب الفيديو، فالتكنولوجيا فتحت الأفق أمام خيال الأطفال، وأصبحوا مشاركين فعليين في تشكيل ملامح اللعبة ومفاصلها.
وتطور الأمر مع دخول الشبكة العنكبوتية لتربط العالم بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، ويشكل العالم الاجتماعي الذي تكون بفضل المواقع الالكترونية، قرية صغيرة فعلية للعالم.. فألعاب اليوم تجمع لاعبين من جميع أنحاء العالم، وتمكنك من اختيار رفقائك وأعدائك، لتبدأ رحلة المشاركة والتحدي، وهذا يجعل من مساحات التعارف فرصة للربط الاجتماعي.
كما انها، وكما يقول علماء الاجتماع والتربويون، تعزل في الوقت ذاته اللاعب عن محيطه الواقعي ليعيش الافتراضي منه، وهذا التعويض يساعد كثيرا في توطين العزلة في حياة الأطفال.. فطفل اليوم وحيد في ركن ما في غرفة ما يتوحد ويتفرد بالعالم الافتراضي الذي يعيشه في داخل اللعبة.
وتبقى المقاربة بين الألعاب البيئية والألعاب التي تصنعها التكنولوجيا عديمة الفائدة، ذلك طالما ان الإنسان، أو الطفل في أي زمان ومكان، هو مرتبط بمعطيات واقعه.. فلا طفل البارحة خاسر ولا طفل اليوم، لكن الفرق في نسبة الربح.
فإذا كانت العاب البيئة البسيطة، وكما تقول الباحثة الشامسي، تنمي العديد من القيم والأطر المثالية لدى الأطفال، فإن العاب الفيديو الحديثة تدفعنا إلى مهارات فريدة أيضا، ولكن تختلف فقط في مدى السلب والإيجاب.
الألعاب الشعبية إبداع ومواهب
تستنج الباحثة الشامسي، عبر دراستها لعدد من الألعاب الشعبية، انه برغم الظروف البسيطة التي كان يعيشها طفل الإمارات في السابق، ولعدم وجود أية وسائل للتسلية أو الترفيه، فكر ابن الإمارات واخترع ألعاباً من المواد الأولية المتاحة له، مثل (العلب الفارغة، الأشجار والأغصان، أصداف البحر وقواقعه).
فصنع نماذج للمراكب الراسية على شاطئ البحر، وصنع (المواتر): (السيارات) ذات النماذج التي تبهر عقل طفل اليوم. كما صنع الهواتف من العلب الفارغة، والمراوح (القرقعانة) من خوص النخيل، بل لم يقف عند ذلك فأخذ يضيف إلى ما صنعه بالامس ويطوره، ويصنع كل ما يقع تحت يديه، فمن علبة يجرها خلفه، إلى علبة تسير عليها، إلى سيارة مجسمة كالنموذج الذي يراه اليوم: (أسلاك، إطارات، تصميم مقدمة ومؤخرة...الخ) بل ابتدع أبناء وبنات الإمارات، ألعابا تعتمد على الذكاء والفطنة وقدرة التحمل، مثل العاب:
«الصبة»، «سبت حي وإلا ميت»، وأخرى تعتمد على التوازن، كلعبة «القراحيف والكرابي». كما أن ثقافة طفل الإمارات في الماضي، وبالرغم من محدودية الاتصال الحضاري بالعالم، لا تبتعد كثيرا عن الثقافة العالمية والتحضر الفكري والتطور الذهني، بالرغم من الظروف المحيطة بثقافة هذا الطفل، فنجد أن هناك ألعابا متشابهة مع تلك الألعاب التي تمارس من قبل صبية وفتيات أوروبا وأميركا، إضافة إلى العالم العربي، وان اختلفت التسميات، إلا أن التشابه واضح من حيث طبيعة ومضمون بعض هذه الألعاب.





