يتجاوز العسل كونه غذاءً في الثقافات العالمية، بل كثيراً ما يستخدم كتعويذة ورمزا للحلاوة. منذ أكثر من عشرة آلاف سنة، بدأ الإنسان يبحث عن العسل، وهذا ما تثبته الأبحاث في لوحة كهف في فالنسيا في إسبانيا، وهذه اللوحة هي صخرة الميزوليتي، التي تعرض صيادين محملين بسلال، وأنثى العسل، وعش النحل البري، في رحلة صيد من أجل الوصول إلى عش البرية.
في مصر القديمة، كان يستخدم العسل لتحلية الحلويات، كما كان يستخدم في استخدامات أخرى كثيرة، كتحنيط الموتى. وورد فن تربية النحل في مصادر تاريخية تحدثت عن الصين القديمة، كما أنه في أميركا الجنوبية، يستخدم لأغراض الطهي. وتعتقد بعض الثقافات أنه يستخدم كمرهم للحروق والطفح الجلدي، وللمساعدة في تهدئة التهاب الحلق. ويعتبره الهندوس أكسير الخلود.
أما في التقاليد اليهودية، فيعتبر العسل رمزاً للعام الجديد. ويحتوي الكتاب المقدس على العديد من المراجع العبرية للإشارة إلى العسل، ويصف سفر الخروج أرض الميعاد بأنها «أرض تفيض لبناً وعسلاً»، وفي العهد الجديد المسيحي، يقال: إنه في عهد يوحنا المعمدان عاشت الناس لفترة طويلة في البرية على نظام غذائي يتكون من الجراد والعسل البري. كما تحتفل البوذية بالعسل، ويلعب دوراً مهماً في مهرجان بورنيما مادو في الهند وبنغلاديش.
شفاء للناس
بدأ العلم يكتشف ما ذكر في القرآن الكريم بشأن منافع العسل ودوره في شفاء أمراض كثيرة، وأصبح العلماء يهتمون أكثر بمنافع هذه المادة ودورها الشفائي؛ لما تحتوي عليه من مكونات عرفها أجدادنا وجربوها بالفطرة ليؤكدها العلماء بالعلم والمختبر. ولعل سورة (النحل) خير دليل على ذلك، حيث ورد في الآية 68 و69 (وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ؟.
ويقال: إن ملعقة عسل تشفي الحنجرة، وأخرى تجلب الطاقة الكافية للجسم المتعب، وتلحم جروح وندوب الجلد. إنها بالفعل صيدلية متجولة لا يمكن تجاهل منافعها المتعددة، ولا عجب في ذلك، فالعسل يأتي من الخلية التي تعتبر مكاناً نقياً وطاهراً، إذ ان الخلية معقمة ولا تحتوي على جرثومة واحدة وكأنها غرفة عمليات في مستشفى عصري.
وكل ما في الخلية من مواد ومن عسل ومن عصيدة العسل المخثر، غذاء الملكة ومن حبات اللقاح كلها مواد نقية وخالية من الجراثيم، وبالتالي هي مواد شافية لأمراض كثيرة يأمل الأطباء أن يوظفونها كدواء لمحاربة الأمراض المستعصية، وخاصة مرض السرطان المنتشر في الوقت الحاضر.
الصيدلية الزاخرة
العسل مضاد حيوي في الدرجة الأولى، ويعتبر مانعاً للعفونة والالتهاب في الحفاظ على البيئة، وتعتبر نبتة مثل دوار الشمس وأشجار الفواكه مهمة جدا؛ لأنها تلبي جزءاً من الحاجة الأساسية للطعام؛ لأن دور الحشرات الملقحة لهذه النباتات مهم للغاية. ففي فرنسا ثلاثة أرباع من خلايا النحل لم تتمكن من الصمود أمام فصل شتاء، والسبب في ذلك قلة الأكل المتنوع وزيادة الطفيليات.
وكذلك كثرة مبيدات الحشرات والإشعاعات الصادرة من مراكز بث الهواتف اللاسلكية! وهكذا أكد البروفسور جوشين كوهن من جامعة (لوندو) الألمانية، الذي توصل إلى أن الهواتف المتنقلة تتسبب في تشويش نظام الملاحة والتنقل عند النحلة العاملة، وهو ما يتمثل في نوبة خوف تتعرض إليها النحل وبالتالي تضطر لهجر النحلة الملكة في الخلية.
بعد أن تجمع حبات اللقاح من الزهور تضع النحلة سائل الخميرة اللبنية على تلك الحبات كي ترطبها، وفي هذه المرحلة يعتبر هذا الخليط مثل شريحة لحم نباتية، حيث يحتوي مائة غرام منه على نفس كمية البروتين، التي توجد في سبع بيضات أو ما يحتويه 004 غرام من لحم البقر، كما أثبته البروفيسور روش دو ميريغو، صاحب كتاب (الشفاء عن طريق خلايا النحل).
أما عن حبات اللقاح التي يتم جمعها من المحيط الأطلسي فلها خصوصيات جد متميزة في محاربة التهاب الأمعاء، حسب ما توصلت إليه الأبحاث العلمية للبروفيسور باتريس بيرسي، الذي أثبتت تجاربه ثلاثة أرباع من فئران المختبر التي تغذت على حبات اللقاح لم تتعرض لالتهاب الأمـــعاء، الذي أخضعت إليه عمدا في المختبر. أما عن (غذاء الملكــــة) فإنه يحتــــوي على خصوصيات مفيدة جداً أهمها مقاومة الإرهـــاق، وفتـــح الشهية.
كما يحتوي على 50 بالمائة من (البروتين) و(الحمـــض الأمينــــي)، إضافة إلى كونه غنياً بمواد مضاد للأكسدة، مما يساعد على رفع مقاومة الجسم أمام الميكروبات التي قد تهدده. كما اكتشف البروفيسور ماسـاكس كمــاكورا من المعهــــــد الياباني «بــــولا» دور (غذاء الملكة) في محاربــــة التعب في عام 2001، عندما أخضع مجموعتين من الفئران لمسابقــــة في السباحة، المجموعة الأولى تغذت على (غذاء الملكــــة)، والمجموعــــــة الأخرى لم تتناول نفس الغذاء، واتضـــح جليــــاً أن الفرقــة الأولى سبحت لمدة أطـــول بكثير من الفرقـــــــة الثانيـــة، التي تعبـــت بسرعة.
الملوك والعسل
أما التاريخ فينقل لنا أن الملك شارلمان وإيفان الرهيب كانا يتعمدان وخز كفيهما وساقيهما بالنحل لعلاج داء المفاصل «النقرس». وهذه طريقة للعلاج معروفة في آسيا منذ أكثر من 2000 سنة، حيث كان الأطباء يقومون بوخز مرضاهم بالنحل في أماكن معينة من أجل العلاج من بعض الأمراض. ولايزال ممارسو الطب الطبيعي يقومون بنفس التقنية في كل من أوروبا، ويقولون انهم خففوا من حدة أمراض مستعصية مثل داء تصلب الأنسجة، ويجزمون أن بعض مرضاهم كانوا لا يقوون على المشي أو الحركة وبعد العلاج بوخز النحل استعادوا نشاطهم خلال أقل من سنة.
كما يحتوي سم النحل نفسه على بروتينات وأنزيمات وحمضيات تؤثر ايجاباً على الجهاز العصبي، لكن يجب التحوط من هذه العملية؛ لأن بعض الناس قد يموتون بسبب حساسية مفرطة لسم النحلة فتكون اللسعة قاتلة! ويقال إنه في مصر القديمة استعمل كدهن للموتى من أجل الحفاظ على الجلد، كما اكتشفت البروفيسورة الكرواتية ندى أورسوليك أن للعسل دور مهم في الحد من انتشار السرطان في الجسم، كما أوضحت ذلك التجارب على فئران المختبر.
أما بالنسبة للبروفيسور برنار دسكوت في منطقة ليموج الفرنسية فهو يستعمل عسل «الزعتر» تحديداً (وهو أحد أنواع العسل الذي يملك خصوصيات مطهرة أكثر) في علاج الجروح العميقة والمستعصية والتقرحات الجلدية، وذلك بفضل السكر الذي يحتوي عليه هذا العسل والأنزيمات التي يزخر بها.
زينة الحياة والنساء
يدخل العسل في ثقافة التجميل عند النساء، وخصوصاً بعد أن فقدت العقاقير هيبتها وسحرها، وما تسببت فيه من آثار سلبية جانبية؛ لذلك حدث تحوّل جذري في التوجه نحو الغذاء والأعشاب، والعسل مادة أساسية بينها، وهي على عكس العقاقير الكيماوية. هذا هو التحول الثقافي الذي حصل في مسيرة العصر. بعد اكتشاف ان للعسل تأثير خاص في منع زحف الشيخوخة والتجاعيد، ويقدم خبراء التجميل وصفة سهلة وبسيطة للباحثات عن نضارة الوجه، بخلط ملعقة من العسل بقطرات من عصير الليمون، يدهن بها الوجه والرقبة.
حيث تم اثبات أن غالبية مستحضرات التجميل التي تستعملها المرأة لها أضرار بالغة على البشرة، وتسبب في أحيان كثيرة أنواعا من الأورام والأمراض الجلدية المستعصية، وهي إن استطاعت منح المرأة بعض الجمال المؤقت الزائف فقد تسلبها نضارتها وجمالها الطبيعي وتشوه جلدها إلى الأبد. وقد كان القدماء أكثر خبرة في هذه الناحية أيضاً عندما عرفوا العسل كمصدر من مصادر الجمال، ففي الصين واليابان كانت المرأة تستعمل العسل في محاليل أو عجائن وأقنعة من مسحوق اللوز وبذور الخوخ والمشمش لتنعيم بشرة الأيدي، كما استعمل العسل أيضاً كقناع للوجه والرقبة لتنعيم البشرة وإزالة التجاعيد منها.
وقد أثبتت البحوث المخبرية احتواء هذه المادة في نصفها على مادة صمغية لزجة، وأكثر من 300 مادة حيوية تؤِخر عملية شيخوخة خلايا الجسم. ويسعى علماء وأطباء كثيرون إلى تعميق الأبحاث حول مادة العسل، للاستفادة منه في شفاء العديد من الأمراض، خصوصاً أنه يقال: إن هناك نوعاً من العسل من نيوزلندا يعتبر من أقوى أنواع العسل فائدة.
