ما كان لأحد أن يتصور قبل عشرين أو ثلاثين عاما إمكانية الاستغناء عن الآلة الكاتبة التقليدية، والتوقف عن سماع ذلك الصوت الرنان، الذي يصدر عنها عند الضغط على أزرار لوحة المفاتيح فيه، أو حركة القطعة المعدنية العلوية منها، التي كانت تحتضن بدفء الورقة البيضاء مصحوبة بورقة كربونية أو أكثر.
ما كان لأحد أن يتخيل أن تدخل متحف التاريخ تلك الكلمات التي كتبها محمد الماغوط، ورددها دريد لحام في أحد مشاهد مسرحية (غربة)، الذي كان مسرحه ذلك الفندق الدمشقي المتواضع الذي كان يستقبل القرويين وهم في طريقهم إلى المنافي البعيدة، ويحتال عليهم، مدعيا أنه يكتب العرائض للمسؤولين، مستخدما الآلة الكاتبة، رغم أميته وعدم قدرته على القراءة أو الكتابة، مستغلا أمية أولئك القرويين المساكين، والمستوى الرفيع من الاحترام والتقدير والهيبة التي تتمتع به تلك الآلة الحديدية التي تحول بسحر ساحر الحرف المنطوق إلى حرف مكتوب.
ثم من ينسى مشهد المكاتب المتنقلة التي كانت تنتشر على نطاق واسع أمام المحاكم والدوائر الرسمية الحكومية وفي ساحاتها الخلفية وأروقتها الداخلية، والتي كانت تقدم خدمات الطباعة للناس الذين كانت تلك الدوائر تجبرهم على تقديم طلباتهم مطبوعة على الآلة الكاتبة وليس بخط اليد أو بمجرد الكلام.
مثلما كانوا يفعلون على مر العصور، ما خلق مهنة مبتكرة تماما فتحول جيش من العاطلين عن العمل والموظفين المتقاعدين إلى ممارسين لمهنة الطباعة على الآلة الكاتبة، فراحوا يصطفون أمام تلك الدوائر الحكومية وهم يحفظون عن ظهر قلب كليشيهات رسمية كان لابد لها أن تظهر احتراما فائقا للوظائف التي ستستقبل ما يكتبونه الناس من طلبات، والتي كانت تطغى في غالب الأحيان على ما تحتويه من مضامين تغص بمصالح الناس وشكاويهم ومظالمهم وطلباتهم التي لا حصر لها.
جزء من حياة الصفوة
لكن رقعة انتشار هذه الآلة، لم تقتصر على تقديم يد العون في ميدان المعاملات الرسمية والمنازعات القضائية والرسائل الحكومية فحسب، بل إنها اتسعت مستحوذة على اهتمام العديد من فئات المجتمع، ولا سيما فئة الصفوة منها، سواء كان المقصود بالصفوة من الناحية الطبقية أم من الناحية الفكرية والأدبية.
حيث راح الأدباء والفلاسفة والمفكرون يتخلون عن القلم ويستعيضون عنه بالآلة الكاتبة لإنجاز أعمالهم، رغم تعلق الكثير منهم بالقلم، على اعتبار أن حركة اليد وهي تمارس الكتابة باتت تشكل جزءا لا يتجزأ من دائرة التفكير لحظة ممارسة الكتاب، وأن الضغط على أزرار لوحة مفاتيح الآلة الكاتبة من شأنه أن يضيع تداعي الأفكار وتسلسلها في ذهن المؤلف.
إلا أن غالبية بيوت مشاهير الكتاب، التي تحولت إلى متاحف بعد رحيلهم عادة ما تحتوي على ركن أو حجرة فيها مكتب على سطحه تتربع آلة كاتبة تقف كشاهد عيان على كل حرف خطه هذه الكاتب أو ذلك، لا بل إن بعض قصص الكبار منهم تشي بوجود علاقة خاصة تنشأ بين الكاتب وآلته بالذات، وليس أي آلة أخرى رغم أنها جميعا تتشابه تماما من حيث ما تؤديه من مهام، لكن شيئا من الدفء كان يمد خيوطه ويجمع بين طرفي المعادلة في علاقة سرمدية تجعل الكاتب متمسكا بأول آلة اقتناها إلى ما لا نهاية.
علاقة حميمة بالكتاب
ومن الطرائف أن الكاتب الأميركي آرنست هيمنغواي أمضى سنوات طويلة من حياته وهو يطبع بأصبع واحدة، كتبه على الآلة الكاتبة القديمة التي لم تفارقه، خاصة في كوبا التي أمضى فيها اوقاتاً طويلة، حيث لا تزال تلك الآلة تقف بشموخ في صدر بيت هيمنغواي الذي تحول إلى متحف تحضنه مزرعة (فيخيا) الواقعة في ضواحي هافانا، حي أقام هيمنغواي لسنوات طويلة، وكتب فيها أفضل أعماله، ومن بينها (وداعا للسلاح)، لكن ولسبب ما لا أحد يعرفه ترك الكاتب الكبير آلاف الكتب المنتشرة في كل مكان، وحتى آلته الكاتبة التي اعتاد في أواخر أيامه الوقوف للكتابة عليها لم يفكر في اصطحابها معه وتركها في مكانها، حيث تنتصب هذه الأيام وكأن صاحبها لم يغادرها، أو كأنه عائد لمواصلة الكتاب عليها.
أما الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، صاحب نوبل في الآداب، فربما لم يكتب بخط يده طوال حياته، حيث أقر منذ زمن بعيد بأنه لا يستخدم القلم، وأنه يكتب مقالاته ورواياته باستخدام الآلة الكاتبة، ولا يحتاج لاستخدام الأقلام أبداً إلا في التوقيع.
رغم أن البعض يستهجن هذا السلوك، لكون الكتابة مرتبطة في اعتقاد البعض بالقلم وطقوس الكتابة على الورق مباشرة، لكن ما يفسر ارتباط مؤلف «مئة عام من العزلة» بالآلة الكاتبة ربما له علاقة بطريقة أو بأخرى بواقع الفقر المدقع، الذي كان يعيشه في شبابه، حين لم يكن يملك ثمن شراء أقلام وأوراق، الأمر الذي يعترف به ماركيز في مذكراته (أعيش لأرويها)، حيث يروي قصة طريفة بطلتها زوجته مرسيدس التي لا يعرف حتى اللحظة كيف كانت تؤمن له ما يلزمه من ورق أبيض للكتابة، لكنه يعلم أن مكتبه لم يخل يوما منه قط.
ماركيز وكاسترو والآلة الكاتبة
يحكي ماركيز وهو يسترجع بعض الذكريات (في تلك الليلة استرجعنا من خلال حواراتنا الصور المسجلة في الذاكرة: قتلوا غايتان، كانت تردد صرخات الناس في التاسع من أبريل في بوغوتا، التي كنا قد سافرنا إليها، ضمن مجموعة من الشباب الكوبيين لتنظيم مؤتمر لطلبة أميركا اللاتينية، وبينما كان محتارا ومعتقلا، سحب الناس القاتل عبر الشوارع، بينما كان حشد من الشبان يحرقون الأسواق والمكاتب ودور السينما ومباني الإيجار، وبين كل هذا الصخب، كان هناك رجل ينفس عن نفسه موجها ضرباته لآلة كاتبة، وكي أوفر عليه جهده العدائي ذاك، رميت بها إلى الأعلى وتطايرت إربا عند سقوطها على الأرض الاسمنتية.
وبينما كنت أتكلم، كان غابو يصغي وربما كان يؤكد يقينه بأنه في أميركا اللاتينية والكاريبي، كان يتعين على الكتاب الابتكار بجرعات قليلة جدا، لأن الواقع يتجاوز أي قصة متخيلة، وربما كانت مشكلتهم جعل ذلك الواقع قابلا للتصديق. وهنا أطلقت السؤال بفضول معاند وسألته: (وأنت ما الذي كنت تفعله في تلك الأحداث؟)، فرد متحصنا بخياله المذهل والفعال والاستثنائي باستعارات بليغة والابتسامة بادية على محياه: (فيديل، أنا كنت رجل الآلة الكاتبة ذاك).
الإبداع والوفاء للقلم
لكن ليس كل الكتاب والأدباء يناصرون الكتابة بالآلة الكاتبة، حيث يتساءل الدكتور عبد العزيز المقالح؛ هل صحيح حقا أن للأقلام دوراً ما في الكتابة؟ ولا أقصد هنا الدور الخارجي المتعلق برسم الكلمات، أو ما يمكن تسميته بتصوير المعنى، وإنما ما يقال من أنه - أي القلم - يساعد الكاتب في التقاط الأفكار وتوليدها. عدد من الكتاب الكبار يقولون ذلك، ويحاولون إثبات ما يقولونه من خلال تجاربهم الكتابية، فكرية كانت هذه الكتابة أو إبداعية أو سياسية أو فنية.
ويضيف (قبل أسابيع، كنت قد أشرت في هذه الزاوية إلى ما قيل عن رفض المفكر العربي الكبير الدكتور زكي نجيب محمود في أيامه الأخيرة إملاء مقالاته، التي كان ينشرها أسبوعيا في صحيفة الأهرام، أو تسجيلها صوتيا على أشرطة يتم تفريغها فيما بعد وإعدادها للنشر، اعتقادا منه أن الإمساك بالقلم يجعل الكلمات - وهي تنثال على الورق - تحمل شيئا أو أشياء من حرارة القلب ودم الوجدان.
ومنذ أيام قرأت في آخر حوار مع الكاتب الروائي الكبير نجيب محفوظ أنه يشارك الدكتور زكي فيما ذهب إليه عن أهمية الكتابة بالقلم، وليس بأية وسيلة أخرى كالآلة الكاتبة أو الكمبيوتر، أو غيرهما من الوسائل الحديثة التي يتلاحق ظهورها، ويسارع الناس في الشرق والغرب إلى التعامل معها بدرجة عالية من المتعة والإعجاب والدهشة).
في الحوار المشار إليه يطرح المحاور السؤال الآتي: هل جرب محفوظ الكتابة بالكمبيوتر مثلا أو التسجيل الصوتي ثم تفريغه عن طريق الأصدقاء، فيجيب نجيب محفوظ: من دون القلم لا تولد الأفكار، ولهذا أرفض عملية الإملاء، وحين تعرضت لحادث الاعتداء لم ألجأ إلى الآلة الكاتبة أو الكمبيوتر، لأن القلم هو حياتي وروحي، أفكر بالقلم ومن دونه تظل الصفحات أمامي بيضاء، بل إنني أعتبره اصبعا سادسا في يدي، إذا بتر هذا الإصبع عجزت عن الكتابة.
حتمية التحول إلى تحف
وإن كانت تتعدد الآراء حول الآلة الكاتبة بشكلها ووظيفتها التقليديتين القديمتين، فإن ثورة التكنولوجيا هي المنتصر الأكبر في هذه المعركة، حيث يبدو أن الآلات الكاتبة باتت تخطو آخر خطواتها في عملية حتمية للتحول إلى تحف تعرض في المتاحف فقط، بعيدا عن الاستعمالات اليومية. حيث أعلن آخر مصنع لإنتاج هذا الاختراع المدهش، الذي كان رمزا للمكتب الحديث (وأهم مؤهل للسكرتيرة)، خلال سنوات القرن العشرين، إغلاق أبوابه في مومباي الهندية، بعدما توقف عمليا عن الإنتاج. والمصنع المعني هو «غودريج آند بويس»، الذي يقول الآن إن بعض مئات قليلة من آخر الآلات الكاتبة «الجديدة» باقية في مخازنه، معظمها باللغة العربية، وذلك بعد أن بدأ الكمبيوتر يحتل الصدارة في استخدامات الناس الكتابية.
وقال مدير الشركة العام، ميليند دوكيل، لصحيفة «إنديا بيرنيس ستاندارد» إن قرار الإغلاق اتخذ بعدما اقترب الطلب من الصفر. وقال: (منذ نحو عام 2000 بدأ الكمبيوتر الشخصي يستولي على المساحات التي كانت تشغلها الآلة الكاتبة، ورغم أن المصانع الأخرى في العالم أغلقت أبوابها منذ زمن، فقد قررنا المضي الى نهاية الطريق الحقيقية.
وها نحن قد بلغناها). ومضى دوكيل موضحا: (كان إنتاجنا السنوي ما بين 10 آلاف إلى 12 ألف آلة كاتبة حتى العام 2009، وبعدها صار الطلب يأتي فقط من جهات معينة مثل بعض الوكالات الحكومية والمحاكم. لكن هذا نفسه بدأ بالانحسار).
وأضاف أن شركته تملك أقل من 300 آلة كاتبة، كما أهاب بعشاق هذا الاختراع لتلقفه، لأن هذه هي الفرصة الأخيرة. يذكر أن شركة «غودريج آند بويس» بدأت الإنتاج في الخمسينات، عندما وصف رئيس الوزراء الهندي وقتها، جواهر لال نهرو، الآلة الكاتبة بأنها «رمز للاستقلال الهندي الناشئ والدولة الصناعية».
وكانت الشركة تبيع نحو 50 ألف آلة في السنة حتى نهاية التسعينات، لكنها باعت أقل من 800 منها في العام الماضي. ويذكر أن العالم شهد إنتاج الآلة الكاتبة تجاريًا للمرة الأولى في العام 1867، قبل 144 سنة، في الولايات المتحدة.

