على اختلاف طبقات البشر وأجناسهم وثقافتهم، لا بد أن يكون لهم علاقة يومية مع الصابون، لكون هذا المنتج يرتبط ارتباطاً مباشراً بحياتهم اليومية. وتعود صناعة الصابون إلى نحو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، واستخدم بديلاً لممارسات مختلفة، إذ كان القدماء يدهنون أجسامهم بزيت الزيتون، إضافة إلى عصارات بعض النباتات وأليافها، كما أنه أخذ على مر التاريخ، مسارات عدة.
أول صناعة كيميائية عرفها الإنسان وتعود إلى 3 آلاف سنة قبل الميلاد. يعرف الصابون كمنتج يستخدم مع الماء، للتقليل من التوتر السطحي، ومن ثم طرد الأجزاء غير المرغوبة، الموجودة على سطح البشرة، وبشكل خاص الدهون، وذلك من خلال خاصية كيمائية تعرف بالرغوة، لذلك يساعد في تنظيف الجسم، والوقاية من الجراثيم والحماية منها، ويعتبر هذا المنتج واحداً من المنتجات القليلة التي عرفها الإنسان قديماً ولا يزال يستخدمها في حياته اليومية.
وإن تطورت صناعته عبر التاريخ، لكنها بقيت محدودة التطور، وبقيت كما عرفت تستخدم الأغراض نفسها. أما تقديمه بأشكال وأنواع مختلفة في دورة التسويق المعاصرة، فهي تصيب الناس بالحيرة، حيث اعتمدوا على عناصر الجذب الظاهرية، والتي لا تعكس في المحصلة الميزات الجيدة، أو السيئة للصابون.
التنظيف عند القدماء
كان المصريون القدامى ينظفون أجسادهم بفركها بمعجون مكون من الرماد والصلصال و«النطرون»، وهو عبارة عن وحل موجود في البحيرات المصرية، بشكل طبيعي، ويحتوي على نسبة عالية من «بيكربونات الصوديوم». أما الرومان فقد استعملوا نوعاً من التراب الصلصالي الناتج عن تفتت الصخور البركانية، والذي ينتج رغوة عندما يخلط مع الماء. واستخدم اليونانيون لتنظيف الصوف والثياب، والأنسجة القطنية، والكتانية، نبتة تدعى «الصابونية»، وهي نبات من الفصيلة القرنفلية، تحتوي على مادة رغوية، ومنظفة.
وتعد صناعة الصابون أول صناعة كيمائية حققها الإنسان، مع أنه لم يكن يعرف الكيمياء، ولم يعرف أيضا على وجه التحديد من هم أول من صنع الصابون؛ هل هم الفراعنة، أم الرومان، أم السلتيين، لكن جميع المؤرخين أكدوا على أنها صناعة قديمة تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وتطورت ببطء شديد وتوارثتها الأجيال، واقتبستها الشعوب دون تغيير مهم في طرائق تصنيعها البدائية.
ويذكر التاريخ محطات في تطور هذه الصناعة، إذ شاعت في القرن الثاني عشر صناعة الصابون في إيطاليا وإسبانيا، بسبب وفرة المواد الأولية عندهم، وفي القرن الثالث عشر ازدهرت صناعته في فرنسا، وكانت المواد المستخدمة فيه هي دهن الماعز ورماد خشب الزان، وفي القرن السابع عشر طورته مرسيليا، بعد أن استبدلوا دهن الماعز بزيت الزيتون، وطوروا طريقة تصنعيه لتتلاءم مع هذه المادة الجديدة.
وفي العام 1688 صدر أول قانون ينظم صناعة الصابون في فرنسا، ونظرا إلى تاريخه كله لم تشهد صناعة الصابون تطورا إلا في العام 1791 عندما توصل الكيميائي نيكولاس ليبلنس إلى تصنيع الصودا الكاوية من ملح الطعام، ومنذ ذلك التاريخ أخذت صناعة الصابون منحى جديدا، وأصبحت صناعته تتم بطبخ زيت الزيتون بمحلول الصودا الكاوية، وفي العام 1950 ظهرت أساليب جديدة لإنتاج الصابون، تم الاعتماد فيها على مشتقات البترول، ومنذ العام 1960 وحتى الآن تطورت وتنوعت صناعة الصابون ومواد التنظيف بشكل مذهل.
مدن الصابون
اشتهرت في عصور مضت بعض المدن في صناعة الصابون مثل حلب ونابلس وطرابلس، وينسب الصابون إلى هذه المدن، كما وجد علماء الآثار بين خرائب مدينة بومبي معملاً صغيراً، لصنع الصابون يشبه كثيرا الصابون المستخدم في عصرنا، الذي تعرف عليه العالم قبل مائة عام فقط، ويعود الفضل لمصانع مرسيليا الفرنسية لتحسين صناعة صابون زيت الزيتون، وإنتاج أفخره، حتى إنه باتت تعرف مدينتهم به، وكان هذه البداية ما بين أواخر القرن الثامن عشر، ومطلع القرن التاسع عشر.
وفي المنطقة العربية عرفت صناعة الصابون في الساحل اللبناني، وهي كما يقولون قديمة قدم شجرة الزيتون، أما أهم مناطق الزيتون فهي طرابلس والكورة، وبعض مناطق الجنوب، وتختلف الروايات بين من يقول إن أول من صنع الصابون هم الكيميائيون اللبنانيون التقليديون في طرابلس، والذين كانوا يلقبون بالحكماء، وبين من يقول إنهم في نابلس في فلسطين، ولكن كان لطرابلس وحكمائها ميزة لم يسبقهم إليها أحد، وهي التفنن بصناعة الصابون العطري والعلاجي، وصابون الزينة المزخرف. وروى الرحالة والمؤرخون، أن أوروبا عرفت الصابون اللبناني منذ أكثر من ألف عام.
وذلك خلال الحروب الصليبية، وعلى مدى السنين أصبح الصابون اللبناني عادة لابد منها في السوق الأوروبية، واعتبر خان الصابون في بداية القرن الرابع عشر الميلادي، أول مركز تجاري عرفته المنطقة في ذلك الوقت، ومن خان الصابون كانت الانطلاقة الأولى إلى عالم التجارة العالمية، وبرزت في هذا المجال عائلة بدر حسون، التي لها تاريخ طويل مع هذه الصناعة، والتي تعود إلى 800 سنة، فكما هو معروف أن هذه حرفة قد تحولت أحيانا إلى أسرار عائلية توارثتها الأجيال.
متحف صيدا
من خلال متحف الصابون الموجود في مدينة صيدا في لبنان، يمكن للزوار التعرف على حرفة صناعة الصابون وطرقها، وتاريخها، والمتحف يعــود تاريخ بنائه إلى القرن السابع عشر، وهو عبارة عن مبنى تراثي شيده آل حمود، لكنه انتقل إلى أسرة عودة المعروفة بصناعة الصابون، خلال القرن التاسع عشر، ومن العام 2000 تم إعادة ترميمه، وتحويله إلى متحف صابون. وفي المتحف المؤلف من أزقة صغيرة، يعرض الصابون على الجدار، وفي قوارير زجاجية بطريقة جذابة.
كما توضــع في الطابــــق السفلي الأجران الحجرية التي توضع فيها الخلطة الأساسية لصناعة الصابون مثل «الزيت، والقطرون، والعطر، والغار» ثم تغلى في فرن حجري يعمل على الحطب. ولخص القائمون على المتحف في أكثر من مناسبة، بأن هدفهم من المتحف المحافظة على حرفة هذه الصناعة، إلى جانب تعريف الزوار عن فوائد الصابون وطريقة تصنيعـــه من مـــواد طبيعيـــة لا تــــؤذي الجلد، مثل صابون زيت الزيتون لعدم احتوائه على أي مواد كيماوية أو دهون حيوانية.
وفي إحدى أجنحة المتحف يبين المتحف طقوس الحمام الشرقي ومستلزماته، كما يبين المراحل المختلفة لصناعة الصابون الحرفي، انطلاقاً من زيت الزيتون في المنطقـــة الممتـــدة من مدينـــة حلب السورية، إلى مدينة نابلس الواقعـــة في الأراضـــي الفلسطينية، مروراً بطرابلس في شمال لبنـــان المشهـــورة أيضا بصناعـــة الصابون، وكل هذه الأشيــــاء تجعل عدد زوار المتحـــف يصـــل إلى 45 ألف زائر سنويا، منهم أربعة آلاف زائر من دول عربية.
