لم يكن موضوع الاتحاد الأوروبي جديدا في جوهره، ذلك أن عددا كبيرا من المفكرين والأدباء والكتاب والعلماء حلموا بأوروبا الموحدة أمثال: سان سيمون، فيكتور هيغو، دريو لاروشيل، جوليان بوندا، إيمانويل بيرل، ديني روجمون وغيرهم. حيث حاول أولئك كلهم الهرب من السقوط في النظرة القومية الضيقة.
ما يجمع الكتاب والأدباء والمفكرين الأوروبيين هو الماضي، ولكن هذا الماضي ليس مقدسا وهذه التقاليد ليست في لوح محفوظ، فالماضي والتقاليد يتغذيان على حداثة لا حدود لها في الوقت الحاضر. فبعد أن كانت المراجع الثقافية والأدبية والفنية تجد جذورها في روما وباريس ومدريد وفينا بدأت تجدها في نيويورك ولوس أنجلس وطوكيو، والآن في دول أوروبا الشرقية بعد انضمامها مؤخرا للاتحاد الأوروبي.
وإذا ما عدنا بالتاريخ إلى الوراء، فلابد لنا أن نتذكر مؤتمر السلام، الذي انعقد في 21 من أغسطس عام 1849، وعلى الخصوص خطاب الافتتاح الذي ألقاه فكتور هيغو، وأضفى الشعر على الهوية الأوروبية عندما قال «يأتي يوم تحل الأصوات الانتخابية محل المدافع والقنابل، وسيحكم مجلس الشيوخ عموم أوروبا». ودعا ولأول مرة إلى إنشاء الولايات المتحدة لأوروبا، قائلاً «سيأتي يوم نرى فيه الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا تلتقيان وجها لوجه ويبسطان اليد فوق البحار».
تساؤلات حول الهوية
لكن السؤال الذي لايزال يؤرق الباحثين هو كيفية الحفاظ على الهوية في ظل الحداثة، وهل الانترنت وقرارات تكنوقراط بروكسل وبنوك فرانكفورت قادرة على إلغاء الهوية الأوروبية؟ وهو شاغل من شواغل الكثير من الدوائر العلمية في أوروبا، فالكوليج دي فرانس، وهي من أعرق الأكاديميات، احتضنت أخيرا مؤتمر «الهوية الأدبية لأوروبا»، ساهم في إحيائه عدد من الكتاب والمفكرين والشعراء أبرزهم: مارك فيمارولي، ميشيل زنك، غيف بونفوا، وهارالد وينريش، من أجل تعريف الهوية الأدبية لأوروبا وتحديدها.
ويعتقد بعض المفكرين والفلاسفة أنه كلما ازداد الاتحاد الأوروبي اتساعا ازدادت خطورته. ويواجه الاتحاد الأوروبي خياران: خيار التقوقع في ماضي أوروبا كوحدة جغرافية، أو خيار الانفتاح على الآخر، ويعني الخيار الأول موت أوروبا واحتضارها أما الخيار الثاني، فله من المخاطر ما لا يمكن حصره في نقاط معينة. كما أن أوروبا حققت البعد الكمي ولكن البعد الكمي يجب أن يعقبه بعد نوعي. لذا لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يستقبل المهاجرين من كل مكان، وخاصة غير الماهرين منهم، والمنحدرين من أعراق وأجناس وأديان أخرى.
بينما يقول البعض الآخر إن قوة الولايات المتحدة الأميركية تعززت بفتح أبوابها منذ نشأتها وإلى اليوم -في وجه الوافدين عليها من مختلف أرجاء العالم- ودمجهم في نسيجها الاجتماعي فأفادوا وطنهم الجديد من خبراتهم، وعُصارات أفكارهم، وجهد عضلاتهم. وهي تخصص كل سنة حصة عددية (كوتا) للأقطار العالمية النامية أو السائرة في طريق النمو، ليلتحق منها مواطنوها بالولايات المتحدة ويصبحوا مواطنين أميركيين كاملي المواطنة يلتفون على وحدة المواطنة، لهم حقوق وعليهم واجبات متساوية. وهذا ما غير موجود في بلدان الاتحاد الأوروبي.
فهل أدى هذا الطموح بالنتيجة إلى تأسيس قطب قوي في مواجهة العالم الأنجلو ـــ سكسوني؟ وهل أدى ذلك أيضا إلى مواجهة القيم التجارية لأميركا ودينها الوحداني في الربح؟ وهل حاولت أوروبا أن تستوحي قيما تتفق مع تراث القيم المسيحية؟ تساؤلات أخرى تطرح نفسها بإلحاح بعد توسع الاتحاد الأوروبي إلى 27 دولة، في وقت يشير فيه مفكرون إلى افتقاد القومية الأوروبية مقوماتها الأساسية من وحدة اللغة، أو وحدة الدين، أو وحدة العرق، حيث من هذه الوحدات تتشكل الهُوية.
كما أن أوروبا التي تشكلت في صيغة الاتحاد الأوروبي تفقد هذه الهوية لأنها قارة متعددة اللغات والأعراق والديانات. وهذا يعني أن الاتحاد الأوربي يفتقد الهُوية الجامعة التي كانت معتمدة إلى بداية هذا القرن. وربما يشكل انضمام تركيا نموذجاً لهذا التفكير، ومن المرجح أن التجربة الأوروبية، كما تسير مجريات الأمور، ستقررها الوحدة الاقتصادية التي تؤدي بالتالي إلى الوحدة السياسية، المحكومة بالتغيير الجذري لمفهوم الهوية في عالم العولمة التي تمضي قدما لتصبح النظام العالمي الوحيد السائد.
أسس المخيلة الأوروبية
وحول الهوية الثقافية والميراث المشترك والمحافظة عليها في ظل التكنولوجيا الجديدة، لم يخمن أي مفكر منهم بأن هذه الهوية مهددة بالانقراض. فعلى سبيل المثال تخلى فلاديمير نابوكوف عن لغته الروسية، وابتدع لغة إنكليزية مذهلة، وكذلك فعل جوزيف كونراد، وجوزيف برودسكي.
هؤلاء الكتاب والأدباء يتشكلون من جزء روسي، وجزء إنكليزي، وجزء من المخيلة. ويذكر رومان بيترو سيتاني، أحد الذين شاركوا في ندوة (الكوليج دي فرانس) قائلا : «أليس فيرجيل وأوفيد هما من أبناء العولمة لعصرهما»، بينما ذهب آخر إلى القول وهو هارولد وينريش: ليس الأوروبي هو من يولد في أوروبا بل هو الذي يصبح أوروبيا ويحب التنوع الثقافي. فالهوية الأوروبية هنا تتجسد في النظر إلى الآخر كأجنبي، غني بتاريخه وتنوعه الثقافي، فيما يذهب آخرون إلى أن العولمة عبارة عن تحد لأوروبا. ومهما يكن، فإن الهوية الأوروبية انبثقت ككتلة اقتصادية جديدة ونظام مالي رصين، وهي الوعاء الذي يحافظ على ديمومة هذه الأمم.
لكن كل شيء يبدأ بالأدب وينتهي بالسياسة، حيث تقدم كل تلك الطروحات تساؤلا حول موقع العرب في ظل تلك التكتلات والأقطاب الجديدة التي تظهر في العالم، حيث في وقت هم فيه في أمس الحاجة إلى أخذ العبر والدروس من ولادة الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يشكل ثقلا كبيرا في لعبة التوازنات الكونية.
