تردد في العقد الأخير مصطلح (ثقافة العيش) أو (نمط الحياة)، فماذا يعني هذا المصطلح وما صلته بالواقع؟ وهل هو مرتبط بثقافات وحضارات الشعوب، أم بالفرد، أم أنه يتعلق بالحياة المعاصرة وما أضفته من ظلال؟ مجموعة من التساؤلات تساعد على الاقتراب من هذا المفهوم، الذي لا يمكن حصره بمعايير محددة.

 

يتجلى هذا المفهوم في مجموعة من السلوكيات، لدى الفرد أو المجموعة في مكان وزمن ما، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية ومفهوم الاستهلاك، ومعايير رفاهية الحياة والأزياء، فيما تنحصر السلوكيات وممارستها في إطار ثقافة العيش، وفق مزيج من العادات والتقاليد لمنظومة تحدد هوية فردية مستقلة.

 

الهوية الفردية

يعكس مفهوم ثقافة العيش مواقف الفرد وقيمه ورؤيته العامة للعالم، لذلك فإن هذا المصطلح معني باستمرارية الحياة وصيرورتها وبالنفس، وبالمفاهيم الجديدة للثقافة التي تتماشى مع هوية الفرد، طبقا لمنظومة المجتمع والتوجهات المفروضة، التي تحد من خيارات الفرد في طريقة العيش، وبالتالي ما يستطيع تبنيه ليكون انعكاساً لشخصه في المحيط.

وتندرج هذه الثقافة حسب الرؤية العامة للحياة، والإطار العام الذي يرى الفرد أو المجتمع من خلاله العالم، كما ترتبط هذه الرؤية غالبا بالوجود وجوهره، وبالمسلمات والقيم والمشاعر والأخلاق.

كما أن الخطوط التي تربط بين هوية الفرد وإيقاع الحياة اليومية التي تعتبر مؤشراً على طبيعة ثقافة حياتية، أصبحت ضبابية المعالم في المجتمعات الحديثة، ويعتقد البعض أن المحور الرئيسي لثقافة الحياة المعاصرة هو الاستهلاك وما يرتبط به من سلوكيات، والتي تخلق احتمالات جديدة غير واقعية عن مفهوم الهوية عبر التفرد من خلال اقتناء منتجات مختلفة تمنحه نمطاً من الاختلاف في طريقة العيش.

 كما ترتبط ثقافة العيش غالباً إما بالتوجه الديني أو السياسي أو الاقتصادي، وبنهضة المعارف والعلوم والفنون، وبزمن السلم والحرب، فما يُرفض من سلوك ومسار وفكر في زمن السلم، يصبح وضعا مقبولاً في الزمن الصعب، لينتج مظهراً جديداً من ثقافة العيش بعد انتهاء الحروب.

وكمثال على ذلك توجب على المرأة بعد الحرب العالمية الثانية (‬1939 ؟ ‬1945)، أن تنزل إلى ميدان الحياة وتعمل في المصانع والأرض وكافة المجالات، مما منحها استقلالية مادية ومعنوية، وبذا تحول مفهوم حياة المرأة بعد انتهاء الحرب، وسرعان ما بات حضورها أكثر قوة وفعالية على صعيد العمل والأسرة.

 

السعادة وفن العيش

مما لا شك فيه أن الوعي بثقافة العيش بات أعلى وأشمل عند الجميع، كما أصبح العديد من الأفراد والأسر والمجتمعات، يحرصون على الارتقاء بنمط حياتهم، ابتداء بالجانب الصحي والغذائي الذي بات محور العديد من الجلسات والنقاشات بين الأصدقاء، وفي الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع، وانتهاء بالبيئة وسلامتها وإن كان بدرجات أقل.

كما بدأت المجتمعات تدرك ضرورة الالتفات إلى نمط العيش الذي يكون في بعض الأحيان عاملاً مباشرا في فقدان روح التفاؤل والاستغراق في حياة رتيبة كئيبة، كازدحام المرور الخانق الذي يحد من طاقة الإنسان، أو العمل لساعات طويلة بما فيها الإجازات الأسبوعية، فبات الأطباء ينصحون بمراقبة الأفراد لنمط عيشهم للتعرف على أسباب معاناتهم وأمراضهم، ابتداء ببعض المنتجات الغذائية التي لا تتوافق مع أجسامهم، إلى ضجيج وصخب الأمكنة التي يقيمون فيها أو يرتادونها.

حيث تواجه حياة الإنسان عدة إشكالات مرتبطة بالمحيط الخارجي كالعمل والعلاقات مع الآخرين، والمشاعر والغريزة، ومحاولات التكيف، وعندما يعيش المرء طفولة غير مستقرة، فإن مشاعر الإحباط تتراكم لديه، مما يدفعه إلى الهروب من مواجهة المشاكل ويتسم سلوكه بالعصبية، مثل القلق والوسواس والمخاوف، والتي تشكل بالمجمل نمطاً من الهروب. وما يساعد الإنسان في التغلب على ظروفه التي غالبا ما يتحكم بها اللاشعور عنده، إعادة النظر في القيم والمدارك والدوافع، ليخرج من وطأة الشعور بالدونية أمام نفسه أو الآخرين.

 

تكريس للمفهوم

في الاقتصاد والتجارة، أخذ هذا المصطلح مفهوماً مغايراً لدى المعلنين والمسوقين، حيث تحول إلى هدف بحد ذاته يقابله المنتج والمستهلك، وليقوم هؤلاء إما بالتقديم لمنتج يضيف إلى ثقافة المستهلك في العيش، والارتقاء بثقافة عيش المستهلك إلى مصاف المنتج. وتطلب هذا المفهوم قيام المعلنين والمثقفين، بالعديد من البحوث والدراسات حول عادات وسلوكيات وأذواق ومعايير القيم والمستوى الاقتصادي للمجتمع، لتحديد الفئة المستهدفة.

كما استطاع القائمون على هذا الصناعة ولزمن طويل خاصة في العقد الأخير من التحكم بمفاهيم ومعايير المجتمعات بما يتوافق ومصالحهم المادية، ابتداء بالمنتجات الإلكترونية إلى مفهوم الجمال، خاصة عند المرأة، الذي تحول إلى صناعة متكاملة بدأت من دور الأزياء التي باتت المصدر الذي يحدد معايير الجمال الذي ارتبط بصناعة الأغذية والأدوية والعمليات التجميلية، كما ازدهرت هذه الصناعات بصورة تفوق الخيال في العقدين الأخيرين.

واستطاعت أن تتغلغل إلى العقل الباطن لكل فتاة وامرأة ورجل وشاب، لتتحكم برؤيتهم ونظرتهم للحياة، فأية امرأة أو شابة لم يتبادر إلى ذهنها صورتها بعد إجراء بعد العمليات التجميلية أو استخدام الحقن التي تخفي التجاعيد أو تزيل الدهون، أو تبالغ في حجم الشفاه، أو في مفهوم القروض المرتبط بتحقيق حلم اللحظة في بناء حياة سعيدة مستقرة، أساسها الكماليات من السيارة إلى الأثاث والثياب والسفريات.

وكمثال على ذلك في إطار الأزياء، باتت شركة (آبيركرومبي وفيتش) الأميركية التي تصنع ملابس للمراهقين ما بين ‬19 و‬22، أشبه بظاهرة، وكذلك الشركة الرياضية (نايك) التي كانت في البداية تصنع الأحذية الرياضية، لتصبح منتجاتها لاحقا جزءاً من نمط حياة الرياضيين المشهورين.

كما برز بعد حادثة ‬11 سبتمبر مفهوم جديد لثقافة العيش، وهي ثقافة الحوار بين الحضارات والتعايش السلمي بين الشعوب، ومد جسور التواصل، والتعرف على حضارات الآخرين بهدف تحقيق الفهم المتبادل والتسامح والسلام. وكتب العديد عن مفهوم ثقافة العيش، وخصصت جوائز لأفضل الكتب والدراسات في هذا المجال، كجائزة كتاب العيش الوطني في الولايات المتحدة.

كما استخدم مصطلح ثقافة العيش في السياسة، من باب توصيل فكرة تقبل المجتمع لأنماط متنوعة ومختلفة من الحياة، من منظور أن الاختلاف هو جزء من طرق الحياة السطحية، البعيدة عن المفهوم الوجودي. ويساء في بعض الأحيان استخدام هذا المصطلح من خلال التعبير عن طرق الحياة غير المألوفة التي يختارها البعض بغية لفت الانتباه والتميز.