منذ القدم بدأ الإنسان بتدوين يومياته، فكان قبل اختراع الكتابة يرسم أحداث يومه على جدران الكهوف التي كان يعيش فيها، والتي من خلالها تعرفنا على طبيعة حياته وكل ما يرتبط بالحقبة التي عاشها، ومع اختراع الكتابة اتخذت اليوميات دوراً جديداً أكثر وضوحاً وشمولية لتكون بمثابة مرآة لعصرها.
كتابة اليوميات أشبه بحديث أو حوار يومي بين الكاتب ونفسه عبر الورق أو المدونة، وهي بمثابة بوح عن مكنونات النفس ولواعجها، أو تدوين الأفكار والقناعات التي يعتز بها سواء جاهر أو احتفظ بها لنفسه، إلى ما استخلصه من رؤى وتقييم لمجريات الأحداث الخاصة أو المحيطة به، وانعكاسها عليه.
ومنهم من يكتفي بتدوين أبرز الأحداث المستجدة في حياته في حين يحرص البعض على تدوين جميع تفاصيل يومه، أو الاكتفاء بأي حدث خارج روتينه اليومي.
وكان لليوميات حضور أكبر بين الناس في القرون الماضية وبالتحديد قبل اختراع المذياع والتلفاز، حيث كانت وسيلة لتمضية الوقت خاصة فترة المساء. وكانت تعتبر من أهم الخصوصيات التي يعني التلصص عليها من قبل أي إنسان حتى أقرب الأقرباء بمثابة انتهاك لحرمته الشخصية.
ويميل عدد كبير من المفكرين والأدباء والفنانين إلى تدوين يومياتهم في محاولة إما لأسر أو تجميد الزمن ومواجهته من خلال الوعي والإدراك لسيرورته، أو تدوين تجربة استثنائية مروا بها ويعجزون عن توصيفها، أو في محاولة لفهم أبعادها وانعكاساتها أو ببساطة توثيق مشاعرهم وانفعالاتهم سواء كانت مريرة أو سعيدة، ليستعيدوا كافة أجوائها لدى العودة إليها وإن بعد مضي زمن طويل.
تبقى اليوميات الصديق الأقرب والأوفى للإنسان، لكونها تحتفظ بذاكرته على عكس الأصدقاء والأقرباء الذين عندما يرحلون سواء إلى بلد آخر أو يفارقون الحياة، يأخذون معهم جزءاً من ذاكرته التي لن يستطيع مشاركتها مع أحد غيرهم سوى اليوميات التي تبقى بعد رحيله هو الآخر.
وتتميز كتابة اليوميات عن أي نمط كتابي آخر، بأسلوبها الحر في التعبير بعيداً عن قواعد وحواجز اللغة. كما أنها تساعد كاتبها على التواصل مع نفسه الداخلية أو عقله الباطن، فالتداعي في الكتابة الحرة لكل ما يخطر بالبال، يساعد على تهدئة النفس وتحرير ها من الأفكار الأولية التي تهيمن على العقل الواعي، لتستبدل تلك الأفكار بالتي تختزن في العقل الباطن، ولا يصل صاحب اليوميات إلى هذه المرحلة إلا بعد مضي مرحلة من الزمن.
وتختلف اليوميات عن المذكرات أو السيرة الذاتية، لكونها فعل كتابة يومي يوثق الحدث والحالة الآنية وما يرافقها من انفعالات ونتائج، بينما تعتمد المذكرات على سرد لماض بعيد وقريب مع استخلاص النتائج والانطباعات، وتعتبر اليوميات في هذا الإطار بمثابة مرجع دقيق لكتابة المذكرات أو السيرة الذاتية من قبل طرف آخر.
وقيمة اليوميات أكبر بكثير مما يعتقد البعض الذين يربطون بينها وبين مرحلة المراهقة والرومانسية، فاليوميات التي كتبها الأقدمون كانت مرجعا أساسياً للعديد من المؤرخين، في سبر الزمن الماضي وما فيه من أحداث بارزة، وعادات وقيم المجتمع.
وأكبر مثال على ذلك يوميات عضو البرلمان البريطاني صموئيل بيبيز (1633 - 1703)، التي تضم ستة مجلدات والتي كتبت بشفرة اختزال خاصة به، عثر على رموزها في مكتبته الضخمة. وتعد من أشهر اليوميات في التاريخ حتى يومنا هذا، وتتميز بمنحها الباحثين تصور كامل عن طبيعة الحياة وتفاصيلها خلال حياة كاتبها. وتقدم يومياته تفاصيلاً دقيقة عن الحياة في لندن في مرحلة 1660، وأكبر الأحداث فيها كوباء الطاعون الكبير عام 1665، وحريق لندن الكبير عام 1666، وكيف أثرت مثل هذه الأحداث على حياة الناس.
يوميات الأدباء
من أبرز الأدباء والكتاب الغربيين الذي داوموا على كتابة يومياتهم، البريطانية فيرجينيا وولف (1882 - 1941) التي بدأت بكتابة يومياتها عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها، في شهر يناير عام 1897، وكانت عائلتها تلقبها باسم (مؤرخة العائلة غير الرسمية)، وقد زودتنا يومياتها بطريقة تفكيرها ككاتبة جدلية، وأسلوب بناء شخصيات أعمالها ومشاعرها، والكآبة التي هيمنت عليها في المرحلة الأخيرية من عمرها. كما كانت اليوميات مصدر إلهام للعديد من الكتاب والأدباء، مثل عمل (يوميات رجل مجنون) للكاتب الروسي نيكولاي غوغول التي نشرها عام 1835، وهي قصة قصيرة على شكل يوميات موظف.
وتكشف يوميات الكاتب التشيكي(فرانز كافكا) التي تحمل عنوان (يوميات فرانز كافكا)، عن منابع إلهامه وطبيعة حياته ورحلاته وأفكاره حيث تمتد اليوميات على مدار ثلاث عشرة عاماً تقريباً، وقد شرع كافكا بكتابته عندما كان في السابعة والعشرين ثم توقف وهو على مشارف الأربعين.
وقد صدر مؤخراً كتاب جديد عن يوميات أنطون تشيخوف ويحمل عنوان (أنطون تشيخوف: دفاتر سرية)، ويضم مجموعة قصاصات قصاصات عثر عليها بين أوراق تشيخوف غير المنشورة داخل مغلف حمل كلمات موضوعات أفكار ملاحظات شذرات حيث كانت زوجة الكاتب الروسي الكبير أولغا ليوناردوفنا كنيبر تبحث عن مفكرته التي كان يدون فيها مداخل منفصلة تتعلق بأعماله المستقبلية وأحلامه والاقتباسات الأدبية التي كان يحبها.
وعلى صعيد الأدب العربي، كتبت اليوميات منذ القدم وأول مرجع متوفر لها من القرن الثاني عشر، لابن البنا وما كتبه مشابه لليوميات الحديثة، وكذلك (يوميات نائب في الأرياف) للأديب توفيق الحكيم (1898 - 1987)، ويسرد فيها مشاهداته من الحوادث والقصص التي عرضت عليه أثناء عمله في القضاء في أحد مناطق الريف المصري. وتدور أحداث الرواية حول معاناة هذا النائب القادم من القاهرة إلى الأرياف، وكيف يمضي وقته في محاربة البعوض والذباب والاصطدام مع المأمور وكاتب النيابة.
أما اليوميات التي تنشر في الصحف اليومية فمثال عليها، (يوميات فكرة) التي بدأها الكاتب المصري علي أمين (1914 - 1976) في صحيفة الأخبار اليومية، ثم واصل كتابتها شقيقه التوأم مصطفى أمين (1914 - 1997)، بعد وفاته، وكذلك يوميات أنيس منصور (1924) في صحيفة الأهرام اليومية تحت عنوان (مواقف).
يوميات الفن
تختلف يوميات الفنانين عن الكتاب والأدباء فهي تعتمد على الصورة البصرية أو رسومات الفنان اليومية التي تضم غالبا عدد من الكلمات والجمل، إضافة إلى بعض المواد الأخرى التي يلصقها الفنان على دفتره كفن الكولاج، وأغلب دفاتر يوميات الفنانين من الورق المقوى التي يرسمون عليها أفكار وتصورات مشاريعهم التي ينفذونها لاحقاً.
يوميات السياسة
ألِف العديد من القادة والمسؤولين السياسيين كتابة يومياتهم التي تعنى بدورهم الوطني، وأبرز من كتب في هذا الإطار الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر الذي نُشرت يومياته بعد وفاته، ويحمل الكتاب عنوان (يوميات جمال عبد الناصر فى حرب فلسطين) الذي صدر في بداية العام الجاري، للكاتب عبدالله السناوي.
وقد صاغ السناوي الكتاب من خلال الوثائق التي كتبت بخط يد الزعيم الراحل، والوثائق التي نشرها من خلال محمد حسنين هيكل في (آخر ساعة) عام 1955، تلك الأوراق التي أودعها ناصر كل انطباعاته وتعليقاته على ما دار في الكتيبة التي كان ضمن صفوفها، إلى جانب انتقاداته لقيادة الجيش في فلسطين، بل إنه يحكي واقعة مليئة بالكوميديا السوداء.
وأبرز اليوميات التي نشرت في الزمن المعاصر وتجمع بين السياسة والتاريخ والأدب، (يوميات خليل السكاكيني)، التي نشرت بعد مضي نحو القرن على بداية تدوينها، ومضي 50 عاما على وفاة صاحبها. ويغطي الجزء الأول منها الفترة ما بين 1907 و1912، ويتحدث فيه بالتفصيل عن رحلة السكاكيني من القدس إلى نيويورك في سنة 1907،.
وعن إقامته، طوال تسعة أشهر في الحي السوري في منهاتن. ويرصد فيها الكاتب حياة السوريين (فلسطين ولبنان وسوريا) في نيويورك وأحوالهم الاقتصادية وعلاقاتهم الإنسانية في بداية القرن العشرين. واللافت أن رسائله التي بعـث بها من نيـويورك إلى القدس (41 رسالة بقي منها 35 رسالة فقط) كانت موجهة، في معظمها، إلى حبيبته سلطانة عبده، بينما لم تجب هي إلاّ برسالة أو رسالتين فقط. ويفصح في هذه الرسائل- اليوميات السكاكيني عن وعي مبكر بخطر الصهيونية وتقسيم فلسطين ووعد بلفور، ويعيب على إنكلترا ظلمها للفلسطينيين الذي فاق مظالم الأتراك.
ويغطي في الجزء الثاني السنوات الأخيرة للعهد العثماني في المشرق العربي قبل أفول نجم هذا الحكم الذي امتد على أربعة قرون ونيف (1516 - 1918)، والذي على الرغم من طول مدته وأهميته، فإن الدراسات التاريخية التي نشرت بالعربية عنه وعن تاريخ فلسطين خلال الفترة العثمانية، قليلة. وقد صدر الجزء الثامن من يومياته عام 1002 بعنوان (الخروج من القطمون) من عام 1942 إلى
