إن عهد الإنسان بالجوارح عهد قديم، ليس من السهل التنبؤ به، فقد كانت متوحشة لا تألف الناس فاستطاع بما أودعه الله فيه من فطنة أن يقتنيها ويروضها حتى استكانت له، فاتخذها وسيلة طبيعية في حله وترحاله وفي سلمه وحربه، من هنا جاء متحف الصقور، حيث تسعى دبي جاهدة لاستغلال البيوت التاريخية القديمة في إنشاء متاحف نوعية لتكون نواة لثقافة بصرية تجمع بين الماضي والحاضر.

 

 

من بعيد يلوح لك متحف الصقور بحلته المتميزة معلماً باهراً يشد ناظرك إليه، ويأسرك نمطه كصرح تراثي بديع، يضاف إلى صروح تراثية أخرى، حيث أقامت دبي ستة متاحف هي؛ متحف العمارة التقليدية، متحف الهجن، متحف الخيل، متحف المسكوكات، ومتحف بلدية دبي، وتتوزع هذه المتاحف على مناطق البستكية والشندغة وديرة وند الشبا، ثم متحف الصقور الذي اختارت له إدارة التراث العمراني مكاناً جديداً في منطقة ند الشبا.

 وما إن تدخل المتحف وتسير بك الخطى من بوابته الواسعة حتى يستقبلك المرشد ليطوف بك في جوانب قاعاته الأربع، يدلك على عالم الصقر العجيب الذي قد يجهله الكثيرون؛ لأنه عالم يعود إلى عصر غير عصرنا الحديث. وها هو الصقر تراه أمامك بهي الطلعة بشموخه وكبريائه، جميل المنظر بألوان ريشه، بديعاً في التفاتاته ونظرات عينيه الثاقبة. نرى هنا الصقور بأنواعها، ويبدو الصقر واثقاً من نفسه، أبياً في خصائصه وصفاته، شامخاً في وقوفه على وكره، شجاعاً في انقضاضه على فرائسه.

 

توثيق واهتمام

إن التجوال في قاعات المتحف يعطيك صورة واضحة عن الصقر، فأول ما تدخل من جهة المتحف اليمنى، تستقبلك قاعة الصقور رقم ‬4، لتتعرف على أنواعها المشهورة وهي: الشاهين والوكري والحر والجير كما تعرفك تاريخها واهتمام العرب قديماً وحديثاً، واهتمام دولة الإمارات بها على وجه الخصوص، وما رسخه المغفور له، الشيخ زايد، من أسباب تجسيد هذه الرياضة وإعطائها المكانة اللائقة بها. تليها القاعة رقم ‬5 لتحدثك عن جسم الصقر، عن جناحه وقوائمه، وعن مخلبه ومنقاره.

وعن رأسه وعينيه، وعن ريشه وألوانه. أما القاعة ‬6 فتتكلم عن القنص ومواسمه، وطرق تدريب الصقر على الصيد والطرائد المستخدمة في تدريبه، وأدوات الصقار من قفازات (دسوس) وتلواح ومخلاة، ولوازم الصقر من برقع ووكر وربط وما إلى ذلك. أما القاعة ‬7 فتتحدث عن الصقر في الشعر العربي بنوعيه الفصيح والعامي، وأبرز المؤلفات عن حياة الصقر، كما تتحدث عن ثقافة القنص عالمياً ومحلياً وترصد بيئة التكاثر التي تتواجد فيها أنواع الصقور.

يتسم المتحف بالطراز التقليدي القديم الذي يستخدم في بنائه المواد المعمارية السائدة في منطقة ند الشبا، ومنها: الأحجار الطبيعية والأخشاب وسعف النخيل والجندل، إضافة إلى أحدث التقنيات وأجهزة العرض الخاصة بالمتاحف. ولذلك، فإن المتحف يتبوأ موقعه الطبيعي في أرض مفتوحة لاصطياد الصقور وتدريبها ومن ثم القنص بها. ويضم المركز نحو ‬15 محلا تجاريا متخصصا ببيع الصقور، وأدوات الصيد، إضافة إلى محال أخرى لبيع مستلزمات الخيول. كما يضم صالة بها عيادة بيطرية متخصصة بأمراض الصقور وكيفية علاجها والأدوية المناسبة لها.

ويوفر المتحف شاشة عرض على شكل صقر يفرد أجنحته يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار وعرضها سبعة أمتار، كما يوجد في السقف صقور معلقة أسفلها نوعية معينة من الإضاءة توحي للزائر بأن الصقر ينقض على فريسته الحبارى في الطرف المقابل. وتوجد معدات الصيد المستخدمة، منها البنادق والسيارات والأجهزة الالكترونية الخاصة بالصقور، وقفازات وخيم صيد وغيرها. وتحتوي الصالة الأخيرة على صالة سينما تتسع لسبعين شخصاً، ستعرض فيها أفلاما خاصة عن الصقور.

 

تصاميم تستدعي التراث

المهندس رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني، قال: إن إدارة التراث العمراني تمكنت في فترة قياسية أن تشيد هذا المتحف على أسس هندسية سليمة، وتلبي حاجيات الزائرين على أتم وجه، كما أن المتحف يأتي مكملاً للمتاحف الأخرى التي أسستها إدارة التراث العمراني، وفي مجملها تشكل نواة لثقافة واحدة تسبر أغوار تراث الإمارات.

وأضاف رشاد: «إنني أتوقع أن يكون لهذا المتحف صدى طيباً؛ لأن الصقور والصيد بها هي من الرياضات التي يعترف بها العالم أجمع، لها مقتنياتها ولوازمها الخاصة وكذلك علومها وأمراضها وأشكال العناية بها».

كما أوضح أن هنالك متاحف جديدة أخرى تسعى إدارة التراث إلى تأسيسها مثل متحف السوق، ومتحف عن تاريخ دبي، كما يعكفون على تحويل الكتاب الذي تم إصداره بعنوان «دبي موجز وتاريخ ـ وقائع وأحداث» إلى متحف ملموس وواقعي، يستعرض تاريخ دبي منذ نشوئها حتى الوقت الحاضر، من خلال المجسمات والصور والوثائق والشهادات، وتعتمد أغلب تصاميم هذه المتاحف على خبرات مهندسينا التابعين لإدارة التراث العمراني، وقلما تتم الاستعانة بالخبرات الأجنبية».

كما أكد المهندس محمد حسن العلي، رئيس قسم تصاميم المشاريع في البلدية أن ثقافة الصقور متجذرة في تراث أجدادنا، التي تهددها مخاطر عدة تستوجب المحافظة عليها، إضافة إلى أن ثقافة الصقور ليست غريبة علينا، فلاتزال هذه الرياضة تشغل مساحة من تفكير أبنائنا، وعلينا تطويرها وتنميتها في نفوس الأجيال المقبلة».

 

تاريخ الصقور في المتحف

يسرد المتحف تاريخ الصقور وعلاقة العرب والمسلمين بها، فرياضة الصيد بالصقور رياضة عربية أصيلة مارسها العرب منذ القدم، حيث كان العرب هم أول من قنص وربى الصقور فحولوها من طيور شرسة إلى طيور أليفة، كما مارسوا رياضة الصيد بالصقور قبل الإسلام بكثير، إذ إن الحارث بن معاوية بن كندة هو أول من تمكن من قنص وتدريب الصقر.

وقد توارث رياضة الصيد بالصقور الآباء عن الأجداد. وفي فجر الإسلام كان حمزة بن عبدالمطلب عم الرسول صلى الله علية وسلم، مغرما بممارسة رياضة الصيد بالصقور وتقول بعض الروايات: إنه أعلن إسلامه، وفي يده صقر، وفي فجر الإسلام لم يعرف رأي الدين من حيث تحليل تحريم الصيد بالصقور حتى انزل الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).

 

رياضة الصيد بالصقور

رياضة الصيد بالصقور يمارسها الملوك والأغنياء والفقراء على حد سواء. فمنهم من أخذها كوسيلة من وسائل التسلية والترويج عن النفـس، ومنهم من أخذها مصدرا من مصادر الكسب والرزق.

وتستعين هذه الرياضة بصقور الشاهين والصقور السوداء وفي بعض الأحيان النسور أو صقور الباز في ألعاب الصيد، وهي رياضة قديمة كانت تُمارس منذ عصور الجاهلية، رغم اعتبارها من الرياضات النادرة، إلا أنها تُمارس على نحو واسع في جميع أرجاء العالم. وفي هذه الرياضة يتحكم مدرب يُطلق عليه «صياد الصقور» في قدرة الطائر الطبيعية على الصيد.

ويجب توافر علاقة شراكة جيدة بين الصقر ومدرب الصقور حتى يتمكنا من الصيد بنجاح. وتشتهر رياضة الصيد بالصقور في منطقة الخليج العربي في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وتحتوي الإمارات على أعداد ضخمة من الصقور مما يرمز إلى تراث الأمة الوطني؛ وفي الواقع من الممكن ملاحظة الصقور على العديد من الشعارات الرسمية.

وكان الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خبيراً برياضة الصيد بالصقور شخصياً، وقام بتأسيس برنامج إطلاق سراح الصقور السنوي في سبيل الحفاظ على مجموعات الصقور ولاستحضار تقليد تم نسيانه منذ فترة. وقد سجل التاريخ إطلاق الشيخ زايد نفسه صقوره التي تُقدر بمئات الآلاف من الدولارات، وقد أسهم البرنامج منذ نشأته في إطلاق سراح ما يزيد عن ‬900 صقر خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية. وكان الشيخ زايد من أشد المؤيدين لهذه الرياضة الفريدة حتى وفاته في عام ‬2004.

وتنقسم الصقور إلى حوالي ‬60 نوعاً مختلفاً، مقسمة إلى ثلاث مجموعات رئيسة هي العوسق والشويهين والصقور. وتعتبر طيور العوسق طيورا صغيرة الحجم ممتلئة الجسم، تصطاد الحشرات والزواحف والقوارض الصغيرة، ويقوم هذا النوع من الصقور بالتحليق فوق فريسته أثناء الريح المعاكسة الضعيفة، أما الشويهين فهو عبارة عن طيور أكبر حجماً وأكثر تأنقاً وتصطاد فرائسها في الهواء.

كما تقوم بحركات بهلوانية هوائية في الهواء وتصل براعتها إلى حد المناورات الخاطفة وابتلاع فرائسها. أما الصقور فهي أكبر وأقوى الطيور في فصيلة الصقريات حيث تصطاد الطيور الأخرى التي غالبا ما تكون أكبر حجماً من الصقور نفسها. ويفضل الصيادون نوعية هذه الصقور، نظراً لسرعتها وقوتها الفائقة.