حملت سنوات عمرها الخمسين فوق عاتقها، ورحلت إلى البعيد، إلى الشمال الجميل، إلى وسط أوروبا، حيث تعيش ابنتها وزوجها الدبلوماسي، وحفيد
في الطريق لعالمنا ليزيد بولادته سكان العالم». في خيالها رسمت له صورة جميلة، لم لا ووالداه يتسمان بالجمال، وهي أيضاً مازالت بقايا جمال هادئ تسيطر على ملامحها وتطل من بين تجاعيد بسيطة فقط حول العيون».
بعد عملية وضع دامت ساعات، خرج أعز الحبايب للعالم، جمال على جمال، وكعادة الأطباء في الغرب، لابد وأن يضعوا الوليد فور ولادته عارياً على جسد أمه لينفجر أعذب واطهر ينبوع حب عرفته البشرية، ثم تلقفته الجدة ذات الملامح الذكية، احتضنته وكأن العالم كله بين يديها وفي أحضانها، هي لحظة فارقة في عمر الإنسان خاصة الوالدين والأجداد، لحظة تعلن وبقوة عن إعجاز الخالق، ولا يسع الإنسان خلالها إلاّ التسبيح لله رب العالمين، والشكر له على كل نعمه التي لا تحصى ولا تعد.
إلى البيت عادت الأسرة ومعها ضيف جميل سيغير كل المفاهيم والعادات والتقاليد، فالنوم يقرره هو، ويعطل والدته عن العمل لتتفرغ لتربيته وتنشئته، فقراره نافذ.
الصغير ــ عمر ــ كما استقر والده على هذا الاسم، يقضي يومه مع جدته، تتأمل قسماته، وجه مستدير في لون الحليب الطازج الصافي، عيون فيروزية، وشعر أسود متهدل، فم كثمرة الفراولة التي قطفت من على غصنها لتوهها،أنفه نبقة صغيرة، لمحة حمار تعتلي وجنتيه كشروق شمس يوم جديد، نعم كل الأيام ستكون معه جديدة ومختلفة، فقط لأنه الحفيد.. «الأعز من الولد.. ولد الولد، أبدا لم تخطئ الأمثال يوماً، فلكل مثل حكاية حقيقية.
في لمح البصر لم تعد الجدة ذات الخمسين عاماً تنوء بثقل سنينها وحمل عمرها، بل أصبحت كالريشة في خفتها.
ترتيب وتنسيق رباني مْعْجِز، فعندما يشعر الإنسان بأنه أصبح مُسناً، لابد وان يرسل له الله سبحانه وتعالى من يجدد له أيامه، ويفتح قلبه لحب يدوم ويدوم، باختصار هي حكاية الحفيد بالنسبة للأجداد.
وجاء اليوم السابع للحفيد، وهو ما يحتفل به في اطار احتفالية مصرية، ربما تكون أيضاً في بعض الدول العربية الأخرى، وكانت الجدة قد أحضرت معها «المغات» والسمن البلدي والسمسم والمكسرات وعبوات الشوكولاته والملبس البمبي، والغربال والهون، منذ فجر اليوم السابع والجدة في حالة نشاط لترتيب احتفالية «السبوع» وكأنها أزاحت عمرها كله من على كتفيها وتوحدت مع حفيدها.
«حرجلاتك.. برجلاتك.. حلقة ذهب في وداناتك».. أغنية مصرية شعبية بدأت بها الاحتفالية والحفيد داخل الغربال والمدعوون من الجالية المصرية يلتفون حوله بالشموع وينثرون الملح.
ولابد من أن يؤذن الأب في أذن ابنه ثم يذبح العقيقة ليكون صغيرنا مباركاً يحفظه الله سالما غانماً، تحفه الملائكة من كل صوب، ويشب على الهدوء ولين الطبع.. أكواب المغات تأخذ دورتها على «المعازيم» أما الحفيد، خلد إلى نوم عميق كملاك لا يأبه بعالم الإنس حوله بنومه، كانت نهاية الحفل.
علاقة طبيعية من حب أبدي تربط فيما بين الحفيد وأجداده خاصة الجدة، ربما ليخفف عليهما الله سبحانه وتعالى وطأة التقدم في العمر، وتجديد أيامهما والدراسات قديمة أو حديثة اثبتت ان علاقة الحب هذه بين الأجداد والاحفاد، هي بالقوة ذاتها التي تربط الأحفاد بأجدادهم، فالصغار يستشعرون الحنان بطريقة فطرية خاصة ذلك الحنان الجارف بين أجيال صاعدة للحياة وأخرى ربما تلوح للحياة تلويحة وداع.
دراسة مصرية حديثة قامت بها مجموعة من علماء النفس والاجتماع من جامعة طنطا (إحدى محافظات مصر.. بأن للأجداد وخاصة الجدة حسبما أكدوا لهم دورا كبيرا وغير مباشر في توجيه الأحفاد بحب ولين طبع وهدوء نفسي، وهذا الأسلوب ربما الفطري وهو حب غير مشروط وبلا مقابل ولا أنانية كل ذلك وغيره الكثير يجعل الأحفاد يطيعون .
ويصدقون كل ما يوجهه إليهم الأجداد، وزادت الدراسة أن نسبة الشعور بالأمان لدى الاحفاد تصل لذروتها مع الاجداد، فهم يطيلون الجلوس معهم يستمعون لحكايات زمان «عقلة الإصبع»، و« حكايات سندباد» و«الشاطر حسن» و«الأميرة والاقزام السبعة» وغيرها من الحكايات التي تجذب الصغار لمدد طويلة بجوار أجدادهم وخاصة جدتهم ليستمعوا لمغامرات أبطال هذه الحكايات حول المدفأة شتاء، ويتناولون حبات «الكستناء» الدافئة وكوب الحليب المحلى بالعسل؛ وينتهي اليوم بحضن يختزل حب الدنيا فيه.
وتضيف الدراسة أن الأحفاد ينظرون للأجداد على أنهم منبع الحكمة والقول السديد، ويرجع ذلك إلى شدة قرب الصغار من جيل الرواد، وعندما يشّب الحفيد يكون الأجداد هم كاتمي أسراره بين يديهم يضيع مشاكله ويعرف جيداً أن الحل الأكيد عند جده أو جدته وغالباً ما يقوم الجد بدور الصديق للأحفاد خارج المنزل لأنه ربما يكون أكثر صحة وعافية عن الجدة، فيصطحب أحفاده للنادي والمتنزهات والسينما والمسرح، والجدة تشارك أحياناً ولكنها تفضل تحضير كل ما لذّ وطاب لأحفادها الذين بدورهم يطلبون قضاء إجازة نصف السنة ونهاية الأسبوع في بيت أجدادهم فيعيشون أحلى الأوقات.
ومن ناحية أخرى أوضحت الدراسة أنه كلما كبر الاحفاد تفهموا بوعي كبير الحالة الصحية التي يصعب مقاومة الزمن من أجل الشفاء التام، فيكون الاحفاد في هذه الحالة هم خير عون وسند لأجدادهم.
دراسة أخرى أطلقتها الجمعية الأميركية للمتقاعدين تؤكد على أن علاقة الأجداد بأحفادهم هي واحدة من أكثر العلاقات الأسرية قوة) برغم الاعتقاد السائد في العديد من بلدان العالم بأن روابط الأسرة المتعددة الأجيال، قد صفقت في العقود الأخيرة، وان الأسر ستؤول إلى زوال، وعللوا ذلك بالفجوة بين الأجيال. على الرغم من أن التواصل بين الأجيال يحتاجه الكبار والشباب معاً.
وتوضح الدراسات الأميركية على أن 88٪ من مشهد تواصل الأجيال يكون في صالح الطرفين صحياً ونفسياً، والأكثر مقاومة للأمراض التي تحتاج لجهاز مناعة قوي.
وتوجت الدراسة بنظرية مهمة بأن كلما كانت روابط الصلة والتقارب والحب بين الأجيال المتعاقبة ــ بين الاحفاد والاجداد يقف الاحفاد في كبر أجدادهم في أيامهم الأخيرة المرتبطة بأمراض عضال.
واهتم الأدباء في العالم العربي والغربي، بصلة الأحفاد وبأجدادهم وهي صلة قد تفوق صلة الترابط فيما بين الأبناء وأبويهما، وقد قدم نجيب محفوظ المصري العالمي الحاصل على نوبل في الآداب على تقديم نماذج حية من هذه العلاقة في رواياته والتي تحول معظمها لأفلام سينمائية، من أهمها رواية «حديث المساء والصباح» التي عرضت في مسلسل درامي من جزءين ناقش فيهما فكرة الأسر الممتدة وتعاقب الأجيال، والمسلسل البطولة المطلقة فيه لكل الأبطال المشاركين فيه وحتى الوجوه الجديدة المطلة على عالم الفن من خلال هذه الدراما.
عبلة كامل، توفيق عبدالحميد، إبراهيم يسري، مها أحمد، أحمد عيد، وعشرات من الفنانين، وناقش بنجاح الأسر الممتدة وأهميتها في المجتمع.
رواية «الاجيال من الجد إلى آخر الاحفاد» واحدة من روائع نجيب محفوظ، ركز فيها على الأجيال التي غطتها الثلاثية والتي تعد أول رواية أجيال في الأدب الحديث لإيمانه بأن تعاقب الأجيال والاسر الممتدة ونشوء أسر بعينها بأعداد كبيرة واهتمامها بالتبعية بالطبقة الوسطى لأنها هي الطبقة التي تعيش على هذا النهج في حياتها.
والمعروف عن رؤية نجيب محفوظ في هذه النوعية من الروايات التي تسمى في الأدب العالم «الرواية النهرية» بأن تجسيدا لدورة الزمن، واقتحامه بالزمن الخطي أو التاريخي، ومن هنا يأتي الصراع في روايات محفوظ الممتدة لتشمل أجيال الصراع فيما بين الثابت والمتحول أو التكرار والزوال.
وفي أحيان كثيرة يجنح النص إلى التركيز على الثبات كما في رواية «أولاد حارتنا»، حيث يرتبط رمز الثبات ببقاء الأوضاع السياسية والاجتماعية أيا كان نوعها، وان إحساس محفوظ بالزمن لم ينته حتى آخر رواياته «قشتمر»، وظلت الجدلية بين البشر والزمن قائمة في هذا العمل.
وماذا عن الحفيد في الأدب العالمي المتخصص للأطفال؟
فأشهر هذه الأعمال «رد رايدنج هود» والتي يعني اسمها «ذات القبعة الحمراء»، وهي قصة خرافية من نسج الخيال، تحكي حكاية فتاة طلبت منها أمها ان توصل طعاماً لجدتها وحذرتها بألا تكلم احدا في الطريق، ولكنها رأت ذئباً طلب منها أن تلعب معه، ولكنها اعتذرت لأنها ذاهبة لمنزل جدتها، فاقترح عليها أن تجمع الزهور وتقدمها هدية لجدتها المريضة، فضلت ذلك ولكن الذئب اقتحم بيت جدتها وجلس مكانها في السرير بعد ارتداء ملابسها، واختبأت الجدة في مكان آخر في المنزل، وعندما رأت الصغيرة الذئب استنجدت بالحطاب وقتل الذئب وأنقذت جدتها التي كانت تحبها. والقصة رمز للوفاء من الأحفاد للأجداد، وهي من تأليف الكاتب الفرنسي «شارل بيرو».
ومن أكثر الروايات الموجهة للأطفال تأثيرا لبعدها الإنساني قصة «الرجل العجوز وحفيده» للأخوين جريم، وهما من أشهر من كتب للأطفال وترجمت أعمالهما من الألمانية لكل لغات العالم تقريبا.
