تكاد تكون الدائرة من أكثر الأشكال المستخدمة في الحياة اليومية، نظراً لما تتمتع به من ميزات لا تتوافر في الأشكال الأخرى. فالدائرة مركز حقيقي لعدة قضايا إنسانية، تحيلنا أحيانا إلى دلالات تشكيلية وجودية، محاصرين داخلها، وقد نسعى للخروج منها، وقد نكون مركزا لمحيطها، وبنظرة سريعة حولنا، نستطيع أن نرى عددا هائلا من الدوائر، تشي بأكثر من معنى.
تسكن الدائرة السماء من خلال قرص الشمس، أو القمر عندما يكون بدراً، أو عندما تتواصل مع الأرض من خلال المطر، الذي يستقر بشكل دائري ومتلاحق، على الأرض، حتى تتلاشى دوائره الكثيرة حين يكون المطر غزيرا.
إذا فالدائرة حكاية الأرض والسماء، المخيلة والإبداع، والواقع بكل ما يستخدم فيه من خامات ومواد تُصنع منها الدائرة. إنها التصاق أيضاً بما نرتديه، فالغزل والخيوط، وكل ما يُلبس من أنسجة تدخل فيها الألياف أو الخيوط الأسطوانية الشكل، الدائرية المقطع، وحتى الإبر التي تستخدم في الحياكة مقطعها دائري أيضاً.
نحو محاولة التأصيل
في اللغة ورد ذكر الدائرة في المعاجم بأنه ما أحاط بالشيء من جميع النواحي بأبعاد متساوية عن المركز، وتصنف الدائرة على أنها شكل هندسي بسيط يتكون من مجموعة من النقاط، التي تبعد بعدا ثابتا عن نقطة تسمى المركز،.
كما تعتبر الدائرة قطاعاً مخروطياً ينتج من مخروط دوراني بمستوى مواز لقاعدته، وهي المحل الهندسي لنقطة تتحرك بحيث تظل المسافة بينهما وبين النقطة ثابتة تسمى «المركز»، وهي أيضاً مجموعة من النقاط تبعد بعداً ثابتاً «نصف القطر» عن نقطة ثابتة «المركز».
أما قطر الدائرة فهو الخط المار في مركز الدائرة، ويصل بين نقطتين مقابلتين على محيط الدائرة، بينما يعتبر وتر الدائرة الخط الذي يصل بين نقطتين تقعان على محيط الدائرة، وليس بالضرورة في المركز، فكل قطر وتر، وليس كل وتر قطر.
وتحسب مساحة الدائرة بالمنطقة المحصورة ضمن محيط الدائرة وتساوي حاصل ضرب نصف قطر الدائرة مضروب في نفسه أي في النسبة الثابتة. من مبدأ الدائرة جاءت فكرة الدائرة الكهربائية والتي سميت بهذه التسمية، لأن التيار الكهربائي لا يسري في الدارة إلا إذا كانت مغلفة مثل الدائرة.
في إطار العلوم أيضاً، ما يسمى بالدورة الدموية الكبرى، والصغرى، والدورة مشتقة من الدوران، ومن ثم الدائرة، وكذلك الأمر بالنسبة لكرات الدم الحمراء والبيضاء، والمشتقة من لفظ الكرة.
والكرة بدورها مقطعها دائري، وفي جسم الإنسان نجد أن الأوعية الدموية والشرايين، والأوردة، والأمعاء، عبارة عن أنابيب مختلفة الأحجام، لكن نجد في النهاية أن مقطعها دائري، حتى إن خصلة الشعر في الإنسان أو الحيوان تظهر تحت المجهر بشكلها.
وهناك ما يسمى بالدائرة القطبية الشمالية، وهي خط وهمي يجري خلال الأجزاء الشمالية لكندا، وآلاسكا، وشمال روسيا الاتحادية، وإسكندنافيا، وكل النقاط التي تقع على خط الدائرة القطبية الشمالية تقع على خط عرض 30 ؟ 66 شمالا أي حوالي 2623 كم من القطب الشمالي الجغرافي.
ويحد الدائرة القطبية الشمالية، طرف منطقة تمكث فيها الشمس فوق الأفق ليوم، أو أكثر كل عام، ولا تغيب مطلقا في يوم هو أطول أيام الصيف، وذلك في حوالي 21 يونيو، كما لا تشرق الشمس هناك مطلقا في أقصر يوم في الشتاء في 21 ديسمبر في القطب الشمالي ذاته.
وبالنسبة للفلك يقال إن الأوائل جزأوا الفلك دائرة الفلك بثلاثمئة وستين جزءا، واحتجوا في ذلك بأكثر من حجة منها، قرب عدد هذه الأجزاء من أيام السنة التي تكمل بمجاز الشمس، على نقطة غير متحركة من الفلك، إلى أن تعود إليها.
قوالب التشكيل
استخدم الفنانون الدائرة منذ قرون، لما تتمتع به من بساطة، ودفع ذلك بعضهم لرســـــم دوائر عددية، مستفيديـــن من عدم وجود بداية أو نهايــــة لها، بينمـــا استفاد البعض الآخر من كــــثرة خطوط التناظــــــر فيهــــــا لينتــج بصريــــات مرئية، كما اكتشفت بعض التقنيات المستخدمة خلال العصور الماضية لإنتاج الفـــن الدائري، عندما استخدم الفنانون الدائـــرة كأفضـــل طريقـــة للوصــــول إلى أهدافهــــــم في التزيين.
ويقال إنه، حينما أعلن عن مسابقة لاختيار فنان يقوم بالرسم على سقف كنيسة السكستين، في الفاتيكان، خلال القرون الوسطى، حضر فنان النهضة مايكل أنجلو ورسم دائرة محكمة الإغلاق والاستــــدارة، وهو ما كان سببا في اختياره لرسم السقف الذي لم يخلُ أيضاً من الدوائر، في وقت كان يعتمد فيه الفنانون في الرسم على سطح مربع أو مستطيل.
وبعيدا عن استخدامات الفن وجد الفنان ليوناردو دافنشي خلال دارسته المختلفة في التشريح، والتي بقيت إلى هذا العصر، موزعة على العديد من المخطوطــات، أن الإنسان حين يقف بشكل ضرب، فهو يشكل مركز لدائرة صحيحة،.
كما استخدمها الفنانون كعنصر هام من عناصر الزخرفة، سواء استخدمت كما هي، أو استخدمت بشكل مغاير، توضح للمتلقي أن الفنان رسم زخارفه بشكل دائري، كما اقترب فنانو الخط من الدائرة وحصروا عباراتهم التي كتبوها ضمن دائرة وهمية.
وبالنسبة للفنون التطبيقية، فمنذ الأزل جسدت الحضارات القديمة مثل الفينيقية والأشورية، والإغريقية وغيرها فنونها معتمدة على الدوائر في تصميم الأطباق الخزفية التي صنعت بهدف الاستخدامات اليومية.
محاطون بالدوائر
في الاستخدامات الشخصية هناك ما لا يعد ويحصى للأشياء التي تستخدم وتعتمد على التصميم الدائري النظارات، الساعة، الخاتم، القلادة، الأقراط، وفي الملابس لا يكاد توجد قطعة منها خالية من الأزرار التي تعتمـــد على الشكــــل الدائري.
أو ربما ترسم الدائرة على الأقمشة بألوان وأحجام مختلفة، وفي الأثاث والديكور العصري والقديم استخدمت الدائرة كشكل أساسي، في تصميم الطاولــــة، أو في زخرفة وسط السقف، حتى الطعــــام الذي يتنـاولـــــه الإنســـــان في طعامه ربما يقطع إلى دوائر، أو يخبر دوائر، وأولها الخبر، أو الكعك.
وبعيدا عن هذا كثيراً ما تطلق كلمة الدائرة على العديد من المؤسسات والمؤتمرات وغيرها حتى أنها تشمل مع بعضها أحيانا بعبارة الدوائر الحكومية، فهناك دائرة القضاء، أو الدائرة الاقتصادية، وغيرها الكثير، أو مؤتمر الطاولة المستديرة.
وغير ذلك، وربما جاء ذلك بالاستناد إلى معناها اللغوي، بأن الدائرة هي الإحاطة بالشيء من كل جوانبه. وهو ما يؤدي للاستنتاج أن الدوائر تتجسد بالكـــثير الكثير مما يحيط البشر.
وإن لم تكن دائرية بشكل معنوي غير ملموس واقعيا، أو تكون دائرية بشكلها المسطح، ستكون كروية، أي مقطعها دائري، وبنظرة تحليلية أكثر يمكن مشاهد أن العالم مرسوم من حولنا بخطوط منحنية أكثر منها مستقيمة، والانحناء ميزة الدائرة التي لم تكتمل بعد.
في سياق الدين
وردت كلمة الدائرة بأكثر من معنى في الدين، إذ قال الله تعالى في القرآن الكريم في سورة «التوبة» أي 98، (ومن الإعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء).
وهناك شيء هام يتعلق بالعقيدة الإسلامية، تحديدا بأداء فريضة الحج، أو سنة العمرة، إذ يعد من الشروط أو الأركان الأساسية للحج، أو العمرة، أولا الطواف، وبشكل دائري، أي من الدائرة، حول الكعبة المشرفة، من اليسار إلى اليمين، ويختتم المسلم أيضاً فريضة الحج أو العمرة، بعد تأديته المناسك كلها، بما يسمى بطواف الإفاضة، أو طواف الوداع، وهو أيضاً الدوران «من الدائرة» حول الكعبة الشريفة.
