في أحشائه الدر كامن، تسرح أطيافه الزرقاء منذ الأبد، تحوم كمراكب، وكأسراب نوارس، تشي حكاياته بالرهبة والسحر والأسطورة، متمنع في البوح، لا تحدث عنه سوى عرائسه ونجومه وأعشابه، ورمل الشواطئ والمحار والأصداف، وحش غامض روضه الإنسان منذ الأزل فمخر بسفنه عبابه، لكنه ظل قادراً دائماً أن يحرك بموجه الهادر مشاعر ومهجة هذا الإنسان قديماً وحديثاً.
يقول الإنثربولوجيون وخبراء علم نفس الشعوب والمجتمعات إن سكان السواحل أكثر انفتاحاً دائماً من سكان البراري والسهوب غير المفتوحة على البحر، ويرجعون ذلك لرسو السفن والناس والأفكار على شواطئهم، لذلك عبر الإنسان البحر إلى مسافات قريبة أو بعيدة لأغراض عدة،.
واكتشف وسائل مختلفة لتطويع هذا المارد الأزرق، فصنع زوارق ومراكب وسفناً وبواخر وعبارات وغواصات في وقت لاحق، فقامت على تلك العلاقة بين البشرية والبحر دول وحضارات ومدن وصناعات واستراحات وفنادق.
أساطير المارد
ظل البحر مستعصياً وملتبساً دائماً في فهم ومخيلة الإنسان القديم ومدارك خبراته، لا يمكن فهمه أو السيطرة عليه، فشكلت تلك الهواجس مصدراً لمعتقداته، وأساطيره ومروياته.
في تراثنا العربي لا تتوقف رحلات «السندباد»، المغامر الذي يجوب البحر، متحدياً أقسى زوابعه، وفي الألواح الإغريقية نقلت عبارة تعود للقرن الخامس قبل الميلاد منسوبة للشاعر أركيبوس تقول، «كم هو رائع أن ترقب البحر من البر.
ولكن إياك والإبحار في السفن»، وتشي تلك العبارة بقدر غير قليل من الحذر والرهبة والتوجس، لكنهم رغم ذلك عايشوه وساكنوه كرمز يقدم أوجه عدة لثنائيات الحياة والموت والخير والشر، وتحكي المرويات الفينيقية والكنعانية، عن صراع بين الإله «يهوه» الكنعاني وبين «يام» الإله الفينيقي وعصبتيهما من وحوش البحر.
مظلة للبوح..
احتفظ الشعراء والكتاب والفنانون بصداقة دائمة مع البحر، حيث وصفه ماركيز بإله الكلمات، فصوت موجه يحرك خيالاتهم، وصفاء زرقته يدفعهم للتأمل والكتابة، واتساع الأفق في رحابه مظلة للبوح لهم، فلجأ الرومانسيون من الشعراء إليه فشكوا وذرفوا الدمع.
كما فعل خليل مطران حين شكى اضطراب خواطره فأجابه البحر برياحه الهوجاء، ومن أعظم الروايات في الأدب العالمي التي كتبت عن البحر، رائعة الروائي أرنست هيمنغواي «الشيخ والبحر».
حيث يصارع بطلها المدى في رحلة سيزيفية، فالعجوز سانتياغو يجسد ملحمة الصيادين الأبدية وعلاقتهم مع البحر، فهذا الشيخ الطاعن في السن يمضي أكثر من ثمانين يوماً يكابد أهوال البحر حتى يظفر بصيد، رفقة فتى صغير مساعد له.
لكنه يغنم في نهاية ملحمته بسمكة أكبر من زورقه، فتنازعه إياها أسماك قرش مفترسة، لتنتصر أسماك القرش على الشيخ، فيعود إلى الشاطئ، بعد ثمانين يوماً من الكفاح والأهوال، جسد فيها هيمنغواي - في سرد مذهل - تراجيديا بحرية تحمل خبرات أهل البحر ومكابداتهم.
ترفيه وشواطئ
على صخر شواطئه وعلى حبات الرمل، مرت أقدام الناس منذ الأزل، يذهبون إليه كلما ضاقت النفس، فتغسل موجاته همومهم، ويعزف صوت هديرها موسيقى للروح، نصب الإنسان الحديث مقاهيه واستراحاته وفتح شرفات تطل عليه، إنه البحث الدائم عن تأكيد حكاية القصة الزرقاء مع النفس، وتوق الإنسان لتأكيد متعه مع الطبيعة، فنصب استراحاته ومسطحاته وتصاميمه العمرانية الخاصة بالواجهات البحرية.
وأنشئت لذلك الكثير من الجمعيات الخاصة والمؤسسات كالمنظمة العالمية للمدن الساحلية، التي تتخصص في التنسيق بين المعماريين والجهات المختلفة في تصميم المباني الملائمة للبيئة البحرية، وتقوم باعتماد الاعتبارات والمحددات الإنسانية والطبيعية في تصميم هذه الواجهات.
كما نصبت مشافي بحرية خاصة، تقدم خدمات العلاج بمائه وأملاحه ورمله وأشعة شمسه، وتؤكد أن للجلوس على شواطئه فوائد جمة جسمية ونفسية، فهو ينشط مسام الجسم، ويحرك الدورة الدموية، ويريح الطبقات الجلدية، كما يخفف من حدة الإجهاد والاكتئاب، والأرق والتوتر، كما لموجاته الصوتية، التي تحدثها كائناته ومخلوقاته العديدة وحركة مياهه مفعولها الخاص في الإنسان.
ومع احتفاء الإنسان المعاصر بالبحر، فقد شوهه من جهة أخرى، إذ شكل البحر في كثير من الأحيان مكباً كبيرا لمخلفات التقانة، تصرف إليه نفاياتها، رغم المحاولات الكثيرة في سبيل التخفيف من هذا الهدر، وخلق إنسان متصالح مع بيئته.
