ذهب الماضي وبقيت صورته؛ الصورة التي لم ييبس فيها نسغ الحياة، لم تيبس فيها المشاعر والأفكار. صورة ساكنة، لكن تنبجس من سكونها موسيقا ساخنة، موسيقا حالمة متمرِّدة... شيخ الكتاب، الشيخ جمعة، الشيخ الذي يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويُعلِّمنا، يُحفظّنا إيَّاه وبالعصا، عصاه الطويلة التي كانت تطال أبعد رأس وكأنَّ فيها روحاً من نار، عصاه وكأنَّ على طرفها أجهزة استشعار عن بعد، تكشفنا حين نفكُّ «صرَّة» الطعام، وفيها ما فيها من طعام لايشبه الطعام لنأكل فـ (تلطّنا)، تنقر رأسنا فتتحوَّل الطفولة فينا بهذه (اللطَّة) اللمسة، اللكزة إلى براءة اختراع، اختراع الرجولة.

فنكتشف رغم صغر سنِّنا كم بقينا، كم صرنا متحمِّسين إلى الحياة. حتى الكسالى تراهم قد استعاروا حماسةً وجموحاً حين كان الشيخ جمعة يشرح لنا بأنَّ اليوم يوافق ليلة القدر التي هي «خير من ألف شهر»، فلا ينامون عسى أن تطلع هذه الليلة عليهم:

«عثمان» سيرفع يديه بالدعاء إلى الله عسى أن يقصف عمر الشيخ جمعة حتى يخلص منه ومن كُتَّابه ومن عصاه. «كرمو» سيدعو الله أن يرزقه أموالاً لاعدَّ لها ولا حصر، فيشتري بيتاً ويطلع من عند أبيه حتى لا يسمع صوت ضحكات أمِّه في الليل عندما تكون مع أبيه في الفراش، ثمَّ يشتري سيارة ويشتري طقماً جديداً بدل هذا الثوب الذي لا يفارقه سوى ساعات عندما تغسله أمُّه وينتظره حتى ينشف فيلبسه ويذهب إلى الكُتَّاب.

صورٌ كثيرة كنا نرسمها ونتداولها، وقد صارت أكثر من شريط سينمائي تحسُّه رومانسياً وكأنَّ روحك بعد اغتراب طويل صارت تأتلف مع الطبيعة، صارت تستعيد كرامتها وقد قوي الوثاق ما بينها وبين الإله، وأصبح يشدُّك لتعيش الحياة. فتتلمَّظ شوقاً إلى ذاك الوهج، وهج النور الذي يصَّاعد من بين ثنايا الأحرف التي يتلفَّظ بها الشيخ جمعة: فتجيئك الألف مرفوعة الرأس، والقاف متبخترة، والراء تطلق صوت رقرقة وهي تتمايل، تتمطمط لتصير أعلى من ألف في أعلاها همزة كأنَّها نسر جارح «اقرأ» ولا تقرأ، تتلعثم.

وكأنَّ حُمىَّ أصابتك، وعصا الشيخ جمعة تنقر رأسك، وتتألَّم، وتتعذَّب، وتصير تنشج، وترتسم تلك التقطبات في جبينك وعلى وجنتيك. تنشج، تنشج، ثمَّ تبكي ولا تقرأ وتستعذبها «اقرأ» وهي تخرج من فمه كأنَّها نورٌ يَشِّع. وتكتشف فيما بعد أنَّه لولا هذا النور لما عرفتَ أنَّ قطرات المياه في جوف الأرض ما هي إلا دموع بشر مثلك عاشوا في أزمات سحيقة سحيقة وقريبة قريبة وكانوا ضحايا، كانوا قرابين مثلك.

وكانوا يذهبون كما كنت تذهب إلى «الكُتَّاب» على «الريق»، حتى من دون أن تشرب كأس شاي. إذ كانت أمُّك تقول لك: لا تذهب جوعان، بلَّ ريقك. اكسر الصفرة، وتذهب، تعاند، وكأنَّك تخاف أن تشرب الماء الذي هو دموع بشر مثلك. لكنَّك تتعلَّم «القراية». وتتعلِّم ، تتعذَّب في تعلُّم الكتابة وتتذكَّر كيف كان أبوك يباهي بك الحارة كل الحارة قائلاً: ابني يعرف «يقرأ ويكتب» وتمد يدك إلى صرَّةِ الطعام وتتلمَّس الزبيب والتين المجفَّف، ثمَّ البيضة المسلوقة، ثمَّ البصلة، ثمَّ رغيف خبز الصاج وتذكر تلك العصا ــ عصا الشيخ جمعة .

وهي تنقر رأسك أن لا تأكل البصل فأكله «مكروه» هو والثوم، وإذا اضطررت إلى أكله فلا مانع أن تأكله مطبوخاً أو مسلوقاً. ما أحلاها تلك الأيام التي ذوت كما الشمس الغاربة: بصل وبيض وحبة بندورة وخبز صاج أو تنور ودرة ملح وكأنَّ ـ كأنَّها أكلة أطيب من كل الأكل. وتتذكَّر وضحة ومريش وخدوج وهنَّ يحملن علب اللبن والحليب على رؤوسهن، يمشين ويحكين ويتمايلن ولا تقع علب اللبن ولا الحليب، وتذكر أنهن كنَّ يمشين حافيات لا ينتعلن «تاسومة» مثل النياق يمشين، يمشين قامات سامقات مثل شجرات النخيل ولا ينحنين ولو شِخن.

ولا يذهبن إلى «التختور» ولو مرضن. بل إنَّك تتذكَّر وتتذكَّر كيف كان المرضى.. تتذكَّر تلك المرأة من بين نساءٍ كثيراتٍ كُنَّ يجئْنَ إلى شيخ الكُتَّاب ليتطببن عنده بدل «التختور»، تتذكَّر عينيها اللتين ليستا كغابتي نخيل عند السحر كما يقول السياب، بل كعيني لبوة ثمَّ تتذكَّر أنَّها هي نفسها (ضاربة الودع ــ فتَّاحة الفال) التي قالت لأمِّك منذ ما يزيد على الشهر يوم جاءت بيتكم واجتمعت النسوة عندكم: «جوزك عشقان عليكي».. وردَّت عليها جدَّتك: «فال الله ولا فالك». ثمَّ زعلت أمُّك من أبيك، ثمَّ تمدَّد الزعل، سالَ، سالَ حتى وصل إلى الطلاق، وقلت أنت:

إلاَّ الطلاق. وتدخَّل الشيخ جمعة، وذكَّرِ أباك وكل الذين حضروا «الصلح» بأنَّ أبغض الحلال عند الله الطلاق ـ ولم يطلقها. لكنَّه حتى يبرئ نفسه من هذه التهمة أقسم يومها أنَّه لم يعشق امرأة من يوم ما تزوَّج أمَّك. بل إنَّه لا يعرف طعم العشق. فهو لم يكن من يوم ما خلقه الله إلى أن تزوَّج أكثر من حمار شغل. فكيف للحمار أن يعشق وأن يتمتَّع بهذه الملذَّات الفانية! وذكرَ ـ تذكَّر كيف كانت أمُّه تغزل طوال حياتها مع أبيه (جدك) الخيطان على النول اليدوي، وأنَّه لم يسمع مرَّة، ولو مرَّة واحدة، بأنَّ أباه غازل أمَّه مثل ذاك الغزل الذي يتغنىَّ به الشاعر على الربابة.

كانت تغزل ولا تغازل، ولا أحد «يا عيني» يتغزَّل بها، وكنت تقول: من أين نجيب اليوم مثل هؤلاء النساء أخوات الرجال؟ فهنَّ يصلحن للسيف وللضيف ولغدرات الزمن أكثر من رجال اليوم. نساء كُنَّ يحملن ويلدن. وكلَّما حملت الواحدة منهنَّ كانت ترتقي رتبة في سلَّم الحياة. نساء كُنَّ يفلحن ويزرعن ويحصدن. ولما يجيء الضيف في أوَّل النهار أو في آخر الليل لا تعرف كيف تمد الواحدة منهن (السفرة) له؛ وتقول : «ما شاء الله كان» من أين جاءت بكل هذا الطعام؟ وكانت تفرش له كي ينام ولا يخلص من (تهلالها وترحابها).. الضيف ـ ضيف الله، ولما يجيء الضيف يبعث الله رزقه معاه. الضيف لا يُخيف، مثل الحرب عندما يكون الحق معك ـ ما تخوِّف.

نساء؟.. أوه. لمَّا كُنَّ يذهبن إلى حمَّام السوق، وكُنَّ يأخذن معهن «الكبَّة النيَّة» التي يدققنها بالجرن، ولا حمَّام بدون هذه الكبَّة التي يَنْسِلْلنَ قدَّامها وبينها ووراءها، وهنَّ يأكلنها حكاياتٍ وحكاياتٍ عن خديجة التي زوَّجها أبوها من يحيى غصباً عنها؛ وأيضاً عن تلك التي عشقت، وفي الليل سمعها أخوها تردِّد اسم عشيقها وهي نائمة، فداسِ في بطنها، ثمَّ داسَ على رأسها، ثمَّ سَحلها.

واستيقظت الحارة على صوت صراخها ولا تعرف (ليش) أخوها يضربها ـ منام؟! في المنام ردَّدت اسم رضا الاسماعيل ؟ «وايش يطلع منها بتحبو اي بتحبو وهل العشق حرام؟». في المنام يا دحَّام صرت تحاسب أختك على الذي (تشوفو) في مناماتها. وهل العشق حرام؟؟؟..» تفو عليك يا دحام». نسيت حالك كيف كنت تتفرَّج على بريجيت باردو في (صندوق الدنيا) الذي كان يدور علينا فيه محمود البشير. ولما خلص دورك وما بقي معك نقود بعت سروالك من أجل أن تتفرَّج دوراً ثانياً وثالثاً. ثمَّ طردك هذا المحمود عندما «خلصت المصاري»،لأنَّ الفرجة ليست ببلاش.

وهل نسيت يا دحَّام كيف كنت تسرق النموُّرة والتفاح المغطِّس بالسكَّر من عند البياع زكريا الأبو نايف. وكان (يساوي حالو ما هو شايفك...) ليس خوفاً منك، فأنت تعرف أنه «قبضاي»، (وكسِّير) رأسك ورأس كل من لا يعذر الفقير إذا سرق. طبعاً هو ليس داعية ولا مصلحاً اجتماعياً، رغم أنَّ صلاح أبو شادي ورَّطه في الشغل بالسياسة، عندما أدخله إلى أحد الأحزاب وصار يأخذ الاشتراكات الحزبية منه، ويلعب فيها بالورق (السكنبيل). ولمَّا يأتي إلى البيت وجه الصباح بعد أن يخسر المصاري، كان يجد أمه في انتظاره، وهي بعد لم تنم. فيأكل منها بهدلة، امرأة ولا كل النساء.

امرأة لا تغفل عينها حتى ترى أولادها وقد ناموا. وكثيراً ما كانت تقوم بعد نومها وتعدهم، لأنَّ صلاح كان يجنِّنها، فبعد أن يدخل الفراش ينسلُّ منه ليذهب مع يحيى وأبو سليم ومحمد أبو أحمد وعلي وعدنان، ليفطروا الفول عند أبو عبده بالجديْدة.

 

امرأة ولا كل النساء، مثلها مثل أمينة العلي وأمينة الميرعي وأمينة المحمد وسميرة الديب والحاجة مريم السلوم، ومثلها مثل أم أسعد زوجة الحاج إسماعيل المختار، التي ربَّت أولادها على تقوى الله وطاعته. نساء ولا كل النساء ـ الله وحده يعلم كمْ هنَّ يقطرن نعومةً وأنوثةً لمَّا تقبل الدنيا وتجيب معها الفرح. وكمْ هنَّ قويات قادرات مثل الفولاذ في الصبر على عاديات الأيام، ينمن جائعات ولا يلوين رقابهن. نساء كالذهب الخالص ثمنُهنَّ فِيهنَّ. ولا يمكن بخسه. أين ـ أين تلك النساء من نساء هذه الأيام؟ وأينَ أنتَ يا شيخ جمعة، يا شيخَ الكُتَّاب الذي كان يقول:

اقرأ يا ولد. اقرأ. أنتَ من أمة اقرأ فكيف لا تقرأ؟!!