«الدخول بالملابس الرسمية»، «ممنوع اصطحاب الأطفال»، «ممنوع التصوير»، جُمل ثلاث لابد من الالتزام بها عند الذهاب إلى معارض ومتاحف الجداريات في عالمنا العربي والغربي، ليس تعنتاً من القائمين على هذه الأماكن التي تعتبر ثروة قومية للبلاد التي توجد فيها، وإنما فقط تقديراً وحفاظاً على تراث وتاريخ الأمم المختلفة.

 

حراسات مشددة على تحف عالمية وعربية، من كل صوب إليها يأتي السواح فقط للتعرف على الأشكال والمذاهب الفنية لجداريات دخلت التاريخ والحاضر معاً. فكانت بحق مزاراً لكل محبي الفنون الجميلة، من المثقفين وعشاق الفنون جميعهم يقرؤون هذه التحف، كل بطريقته.

 

ولا تقتصر الحراسات المشددة على هذه الجداريات سواء العملاقة منها أو المتوسطة، لا تقتصر على تواجد أمني مسلح بسلاح أبيض وأجهزة إنذار مبكر متصلة بفرقة مراقبة على أعلى مستوى، وإنما هناك أيضاً تكنولوجيات حديثة تحفظ هذه الفنون الضاربة في عمر التاريخ أو الحديثة منها من السرقات أو التصوير للاستنساخ.

 

وتتلخص هذه الحراسات ذات التقنية العالية في الغرب بأشعة «الليزر» التي تحيط بمكان وجود عرض الجداريات في المتاحف والمعارض وصالات المزادات الكبرى، مثل صالة كريستي وثوسبي اللندنيتين، وأشعة الليزر هذه عبارة عن اشعاعات ملونة تحوم في شكل جمالي حول المعروض من الجداريات واللوحات ضارة بكل من تسول له نفسه للاقتراب المفرط من المعروضات الفنية.

 

وهي تعكس الأمان المطلق للحفاظ على الثروة التراثية من هذه الفنون، أما أنواع الحراسات الأخرى التي ترتقي لنوع آخر من التكنولوجيا هي نوع من الإشعاع ذات التركيبة المغناطيسية يوضع في ظهر اللوحة بحيث لا يمكن نزعها من مكانها من قبل لصوص التحف والجداريات،.

 

وهذه التقنية تحدث رنينا عالياً يدوي في المكان لمجرد لمس اللوحة، هذه الابتكارات وتقنية الحراسات العالية هي في واقع الأمر بالإضافة لحراسة اللوحات والجداريات، هي حفاظ على تراث وثقافة أمة بأكملها،.

 

فإذا غاب هذا البعد تراجعت إلى حد كبير هوية الأمة والشعوب معاً.والتراث والروح الثقافية المصرية اللذان يطلان من اللوحات والجداريات العملاقة لأكبر وأشهر فنان مصر، هما ببساطة تاريخ وحاضر واطلالة على المستقبل بريشة فنان.

 

الدكتور طه القرني صاحب أضخم الجداريات المصرية، والتي من أهمها جدارية سوق الجمعة والسوق، وكلاهما سجل ارقاماً قياسية من حيث الحبكة الفنية المجسدة والتي تعكس للوهلة الأولى حركة الناس في الأسواق، ويلعب اللون وحركة الشخوص دوراً هاماً، ويعتبر كل منهما تاريخا للأسواق المصرية، دخلت جدارية «السوق» كتاب غينس للأرقام القياسية.

 

«المولد»

ويعتبر دكتور طه القرني الرائد على مستوى العالم العربي والغربي في حجم لوحاته، وتميزها بالمحلية المصرية المفرطة، وأيضاً استشعار المتفرج أو القارئ للوحاته بأنها تمتاز بالحركة واللون والشخوص التي تمتاز بالملامح المصرية الصحيحة.

 

والتي اشتهر بها د. القرني من خلال جولاته التي تمتد لسنوات يدرس فيها المجتمع المصري، وخاصة الشريحة البسيطة فيه، ومن جاءت لوحاته متفردة لها طابع خاص جداً.

 

«المولد» جدارية حديثة للفنان طه القرني، تؤرخ لتراث وثقافة مصر، تمتد باتساع ‬32 متراً عرضاً و‬1,4 متر ارتفاعاً لتتجاوز لوحته البانورامية «سوق الجمعة» التي دخل بها موسوعة غينس للأرقام القياسية كأكبر جدارية في العالم، ويعكس د. طه القرني في لوحته العالمية «المولد»، تاريخ الموالد في مصر والذي يرجع للعصر الفاطمي.

 

وتعتبر لوحته هذه الأكثر حيوية وحركة وعالماً لأنها من الشخوص والمظاهر الاحتفالية والحسية التي يعيشها المحتفلون بالموالد الشعبية في مصر على اختلاف طبقاتهم، حينما تتساوى في حلقات الذكر الهامات وتقترب النفوس في نقطة واحدة من الإشراق الروحي، فنرى الدراويش وحاملي البخور والمنشدين والباعة المتجولين.

 

منهج

ونفى الفنان الدكتور طه القرني في حديث تلفزيوني في القاهرة، انه عندما يرسم أي لوحة يقوم بدراسة ميدانية لموضوع اللوحة تمتد لقرابة السبع سنوات في أحيان كثيرة ليتابع ويتعايش بطريقة واقعية للموضوع الذي اختاره للوحاته،.

 

ونفى قطعياً هاجس الدخول في سجلات موسوعة غينس للأرقام القياسية، والذي لم يكن أصلا في مخيلته، ولوحة «المولد» تطل منها بإبداع متفرد أكثر من ‬363 طريقة تحتفل بموالد مشايخها في روعة وإتقان لم يسبق لهما مثيل.

 

يطلق على طه القرني «فنان الشعب»، لأن وجدانه مرتبط بالناس البسطاء الكادحين بحثا عن لقمة العيش ومأوى بسيط، ويتميز فن القرني بأن وجوه شخوصه الكادحة، كل منها يحمل تعبيره الخاص بأسلوب أكاديمي بسيط دقيق ومعبر وخلفية تطل منها القلعة من بعيد.

 

وتعتبر لوحات وجداريات الفنان عبدالهادي الجزار من الأعمال التي تروق لكل عشاق الفنون التشكيلية، لتناغم اللون والحركة والهدير، وايضاً الصمت، وهو المعنى المعبر عن الحالة المتجسدة في اللوحة كما يسميها الفنان عز الدين نجيب.

 

ونجح عبدالهادي الجزار في إتاحة مساحات مشتركة من التلقي للتاريخ والمأثور والمزاج والمعتقد، تلك التي تساهم في تشكيل الهوية لأي شعب، ولا شأن لذلك بنوع الدراسة أو الاتجاه الفني الذي يمارس من خلاله الفنان عمله، وإنما يرتبط الأمر بما نسميه الوجدان الجمعي والإدراك الكلي لدى المتلقي.

 

وتعتبر جدارية «السد العالي» للفنان عبدالهادي الجزار من أشهر لوحاته، مزج فيها بين البنيان وهدير الماء المتدفق، فكان كل التميز بين العنصرين.

 

ولوحات صلاح طاهر تتميز أيضاً، بالحس الشعبي المحلي في مصر، فالإفراط في المحلية في أي عمل فني مبتكر هو الطريق للعالمية، وتعتبر لوحة «مراكب على شاطئ بولاق» من الجداريات المميزة لصلاح طاهر، فالمزج بين المراكب الشراعية في منطقة بولاق وبين خلفية الحس الشعبي كان لهما الأثر الكبير في الاقبال الجماهيري عليهما.

 

وماذا عن الفن التشكيلي سواء ذلك الذي يأخذ شكل لوحة أو جدارية عملاقة؟.. الفن الغربي هو معرض مفتوح يتمكن كل عابر أن يرمق جماليات التشكيل سواء في الشارع، حيث تتميز وسط أوروبا بعروض اعمال الفنانين في شوارع العواصم والمطارات والموانئ.

 

ففي إيطاليا عاصمة الفنون، تناول الفنان «جينو سفرني» الذي تأثر ببيكاسو، وتوجد له جدارية هي الأشهر ضمن أعماله المتعددة تسمى الفنون الثلاثة، أو كما يطلق الجمهور عليها «قصر الفنون».

 

أما جدارية «حمام السباحة في روما» والتي قام بإنجازها الفنان الإيطالي، «انجلو كانيفاري» والتي تتميز ببعد فني خاص وهو إيجاد العلاقة المتبادلة فيما بين ما هو حقيقي «العمارة» والوهم، وهو التصوير الذي يحتل جزءا كبير من اللوحة، جنباً إلى جنب مع الريشة والألوان بالأزرق بكل تدرجاته.

 

وتعتبر جدارية الفنان النمساوي «أوتو واجز» شكلاً جديداً لمفهوم الفن التشكيلي النمساوي، حيث عشق الاشكال الهندسية بالرسوم التقليدية ومزج الألوان بالبلور الملون، وأسماها «جداريتي» وهو بذلك أوجد وأدخل ايضاً نظرية وتطبيق ما يعرف باسم البارز والمسطح.

 

من أهم الجداريات في سويسرا تلك التي أبدعها الفنان «جوزيف اجار» في ممر مركز المدينة الترفيهي والذي نلاحظ فيه العلاقة بين الجدارية والأسطح المعمارية والوظيفية من خلال الشكل الهندسي المعماري والتكوين الجداري.

 

وتعتبر هذه الجدارية المعروفة باسم «المثلث» من رموز الفن التشكيلي في العالم كله وتعتبر جدارية يوهان فيرميه «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي واحدة من أشهر اللوحات في العالم واغلاها ثمنا، حيث رسمها الفنان من واقع حياته الخاصة في امستردام مسقط رأسه.

 

ومن جداريات يوهان فيرميه ايضا، جدارية «الخادمة في المطبخ» تعكس فتاة هولندية بالزي الهولندي التقليدي المعروف، تقوم بطهي الأرز بالحليب.

 

وماذا عن لوحة «الموناليز» هي كل الجمال الذي جسده في غموض حيّر العالم كله الفنان ليوناردو دافنشي، الذي وقف العالم كله أمام لوحته ليفك أحد أسرارها ولم ينجح أحد.

 

رائعة فان غوخ «عباد الشمس» التي تعكس زهور عباد الشمس فائقة الجمال، وتعتبر اللوحة الأكثر جدلاً من النقاد لأن الناظر إليها يتهيأ له نوع من التجسيد لهذه الزهور التي تدير قرصها الذهبي للشمس، تعرضت اللوحة لمحاولات سرقة كان آخرها سرقتها بالفعل من متحف مختار بالقاهرة، ومازالت التحقيقات مستمرة، ومن هنا فإنها تحظى بسحر الجدارية.

 

الجداريات تعكس مفردات أزمنة عشقت الجمال، وأناسا يقدرون رسالة الفن بحق،.وبالفعل يرتادون المتاحف وقاعات العرض بالملابس الرسمية وعدم اصطحاب الاطفال، لأن الفنون تحترم عقول وعيون عشاقها، وفي المقابل يأتي إليها الجميع بكل الاحترام الذي يليق برسالة الفن وتقدير الجداريات.. ترى هل مازالت الملابس الرسمية متواجدة حالياً للحضور بها في مناسبات زمن جميل.. ربما.!