حَمَلٌ وديع يمرح في الوادي، قطعان من الغزلان ذات القدّ الممشوق تحاور الصيادين في خفة وذكاء، وثعلب ماكر يتخذ من أشجار الغابات ملجأ له بعيداً عن القناصة الطامعين في فرائه الذي لا يقدر بثمن، حيوان «المَنْكْ» الذي يتخذ من سيبريا موطنا له،.

 

ولا يدري بأنه يحمل ثروة طائلة على امتداد جسمه الصغير وهو حيوان مشاغب يدخل في صراع سلمي غير متطابق في ما بينه وبين دب قطبي عملاق مستيقظ لتوه من بيات شتوي، خال الذهن تماماً بأن تجار الفراء في انتظاره.

 

 

إنها قصة سيطرة الإنسان على حيوانات نادرة الجلود والفراء، يغتالونها للاتجار بجلودها وفرائها الثمين الذي يدخل في إطار صناعات غاية في التعقيد، لا لشيء سوى أن تظهر سيدات الطبقة المخملية تحت الأضواء بفراء «الرينار».

 

Renard وهو الأغلى والذي يؤخذ من فراء الثعالب البرية، وجاكيت من «المنك» الذي من أجل أناقتها أغتيل العديد من حيوانات المنك الصغير الحجم. جلد الغزال والحملان والماعز المعروفة باسم «شيفرد» hevreaud جلد ناعم أملس يتنافس في نعومته مع بشرة حواء المعتنى بها.

 

حكاية النقش على الجلود، هي حكاية فنون يتنافس فيها كبار المتخصصين في فن النحت والنقش على الجلود، وتصميم الفراء النادر الثمين على شكل معاطف للسهرات والحفلات وقبعات رجالية غالية الثمن من فراء «المنك».

 

فما هي تفاصيل الحكاية وأسرار هذه الصنعة الدقيقة التي لم تندثر بعد، حيث يظل أصحابها يتوارثونها على امتداد العالم بأنامل رشيقة تسيطر على الجلود والفراء بكل مهنية وفن عال الجودة.

 

«كوكو شانيل» مصممة الأزياء العالمية الفرنسية وصاحبة سلسلة عملاقة من محلات الأزياء وأخرى للعطور والإكسسوارات هي أول من خصصت له فراء الثعالب البرية وحيوانات المنك وجلود الماعز البرية التي تعرف باسم «chevraud» «شيفرد»، خضعت لمصميمها من الطراز الأول على مستوى العالم وتحت أضواء منصات العروض العالمية.

 

والعديد من الماركات العالمية الإيطالية والألمانية والروسية والبريطانية أخضعت الجلود والفراء لتصاميم عالمية ربما استنفرت بصورة أو بأخرى خبراء البيئة الذين وضعوا قوانين لحماية الحيوانات التي تصطاد للانتفاع من جلودها وفرائها، خوفاً عليها من الانقراض،.

 

ولكن يبدو أن الأناقة «فوق كل القوانين» تفرض المنطق الأقوى، إلاّ في حالات استثنائية بسيطة، فستظل هذه الحيوانات تلهث إلى الأدغال والجحور خوفاً من طلقات الصيادين والقناصة الطائشة التي تضع حداً لحياة حيوانات كانت يوماً تتعلق بالحياة، ولكن الأناقة فوق كل اعتبار من وجهة نظر القائمين عليها.

 

قطعة جلد ناعمة ملساء هي المادة الخامسة التي يتعامل معها الفنان المتخصص في النحت والرسم والنقش على الجلود بإبرة خاصة جداً ونادرة في أيامنا هذه.

 

هنري مجدي واحد من أشهر الفنانين في النقش على الجلود وزخارفها، يستخدم فقط الجلود الملساء لتبدأ أنامله بالنقش عليها مستخدماً إبرة حادة تأخذ الشكل المستقيم أو شكل رقم «‬7».

 

وهي الأداة التي تعطي عمقاً وإحداث أخاديد وقنوات زخرفية ضيقة وعميقة في آن واحد وهناك أداة أخرى على شكل حرف «V» بالضغط عليها تعطي دوائر عميقة واسعة القنوات.

 

وهذه الآلات يدوية الصنع تسخن عن طريق النار أو توصيلها بطريقة خاصة بالكهرباء، فالسخونة تخضع الجلود بكل أنواعها للحفر والنقش عليها.

 

ويبدأ الفنان المتخصص في النقش على الجلود بقص الجلد إلى قطع يسهل السيطرة عليها وإحداث ثقوب حسب الموديل في حالة عمل ملابس جلدية مزركشة أو مفارش أو إكسسوارات التي يدخل في صناعتها السلاسل والأحجار الكريمة.

 

ويستعمل أداة تعرف باسم «المخراز» تحدد أماكن النقش على الجلد لتعليم خطوط التصميم، ويمكن استعماله لإبداع تصميمات ذات تفاصيل وخطوط رفيعة ودقيقة.

 

وتتميز هذه الأداة بسن مدبب حاد، يسخن على الغاز أو الكهرباء لتسهيل استخدامه، وعلى سبيل المثال، لعمل منظر طبيعي يعكس الزهور يستخدم «المخراز» لرسم الفروع والعروق الدقيقة وتوضع قطعة الجلد أثناء حفرها وزركشتها ونحتها على جسم صلب لزيادة التحكم فيها.

 

ولابد وأن يكون الجسم الصلب أملس ناعماً. وهناك أيضاً أسلوب الزخرفة على الجلد عن طريق الحرق .وهو يشابه إلى حد كبير النحت على الخشب عن طريق الحرق أيضاً، إلاّ أنه أثبت أنه وسيلة ناجحة أكثر على الجلد منها على الخشب. التطعيم على الجلد أيضاً فن من الفنون.

 

وإذا عدنا إلى الماضي وقت الزمن الجميل بكل مفرداته، نجد أن الفنان التشكيلي والمتخصص أيضاً في النقش على الجلود عاشقاً لكل ما هو قديم وأصيل، نجد الفنان عماد أبو صقر، اختار أن يهرب من كل ما هو جديد متحدياً صعوبة الرجوع إلى الماضي،.

 

ومصمماً على أن يكون المميز في هذا الفن الذي يعكس بطريقة مختلفة، فاتخذ أصعب أنواع الفنون لتكون مهنته: النقش والحفر والكتابة والرسم على جلد طبيعي نادر في العالم.

 

وقد قام صقر بأبحاث عديدة ودراسات للتحري عن تاريخ هذا الفن العريق، وأعاد للحياة حضارة هذه الفنون التي اشتهرت أولاً لدى الفراعنة والإغريق،.

 

ووصل في أبحاثه إلى أنه بعد النقش العميق على الجلد الطبيعي الأملس يدفن في رمال ساخنة عام لتزيد النقوشات صلابة لا تفنيها أنواع التعرية المناخية والرطوبة والأمطار والثلوج، ومن هنا كان تميز صقر في هذا الفن الذي خرج من تحت عباءة حضارات عريقة، أخضعها الفنان صقر للدراسة والبحث،.

 

وفي رأيه أن الرسم على الجلد يخلد الفنان والرسم معاً لأنه لا يبلى أبداً بل يزداد عراقة وأصالة مع السنين، واشتهر صقر بعمل جداريات عملاقة من الجلد تعكس جوانب من الحضارة الفرعونية والحضارات العريقة الأخرى.وقام صقر بإنشاء مدرسة وورشة عمل لتعليم الأجيال الجديدة هذا الفن الخالد بطريقة علمية بحثية وفنية أيضاً.

 

ويأتي الفن الثاني الذي عشقه أبو صقر، وهو فن النحت على الصخور، ويوضح بأن الصخر الذي يتم استخراجه من منطقة البحر الميت هو الأفضل على الإطلاق، ينقشه بطريقة عريقة تضرب في عمق التاريخ، مستخدماً أدوات حفر يرجع تاريخها للعصر الحجري لتواكب النهج نفسه في هذا الفن القديم.

 

ويستخدم أبو صقر الجلود المنقوشة ليطعم بها الصخر البركاني والبازلتي وهما يتصفان بصفات خاصة معينة تخلد العمل الفني لهما وللفنان معاً.وأدوات الحفر على الجلود والصخر التي يستخدمها أبو صقر في النقش والرسم تبلغ ‬165 أداة متنوعة أعاد تصنيفها من جديد لتشبه الأدوات التي استخدمت في العصور القديمة.

 

وهي مصنعة من الألومونيوم والحديد والنحاس والبلاتين والفولاذ، فضلاً عن ‬550 لوناً يستخدمه أبو صقر في الرسم والزركشة على الجلد.ويستعد أبو صقر لافتتاح معرضه في شهر أبريل المقبل لعرض أندر مجموعة من منتجاته الجلدية والصخرية التي تتحدث عن المدينة الوردية في معرض خاص تحت اسم «البتراء لؤلؤة العالم».

 

وقد أبدع أبو صقر في عملية تذهيب فن النقش على الجلود الطبيعية الملساء، ويعتبر الأول علي العالم في هذا الفن الذي يطعمه بالذهب عيار ‬14 ــ ‬18.ويستخدم فيه تكنيك الرسم على الجلد بماء الذهب سواء المنمنمات منه أو الجداريات وحقائب اليد، وسروج الخيل، وهو بذلك يحاكي الصيديرية الجلدية المطرزة بالذهب الخالص والتي كانت ترتديها الملكة نفرتيتي فوق ملابسها الحريرية الطبيعية.

 

وإذا كان فن النقش على الجلود والصخور مزدهرا في عصرنا الحالي، إلاّ أنه خرج من تحت العباءة الفرعونية وامتد هذا الفن في الحضارة الفرعونية ليتخصص فيه كبار الفنانين الذين أبدعوا فيه.

 

والنقوشات الموجودة حتى الآن على المسلات والشكمجيات المطعمة بالنقش على الجلود بالذهب الخالص والفيروز، جميعها تطل على العالم لتزيد من دهشته حيال هذه الحضارة التي لم يستطع أحد حتى الآن من فك رموزها وأسرارها، ربما يكون نهر النيل الشاهر على كل العصور يطوي في مائه المتدفق أحد أسرار هذه الحضارة التي اتخذت منه شرياناً نابضاً لحياتها منذ سبعة آلاف سنة من التشييد والفنون والجمال والحكمة.