تمبكتو مدينة إفريقية ساحرة، تلتف بالأسرار والغموض والمغامرات والحكايات التي لا تنتهي عن التاريخ وكنوز المخطوطات والماضي الجميل الذي يتألق في الآفاق ويدعو أبناء المدينة إلى مد الجسور بين الحاضر الشائك والماضي المفقود.

 

ويبلغ سكان هذه المدينة التي تقع في وسط مالي حالياً حوالي ‬31 ألفا و‬925 نسمة، وهي قريبة من نهر النيجر وتربطها به سلسلة من القنوات، ويخدم الحياة الاقتصادية فيها ميناء كابارا النهري الصغير،.

 

وقد جعلت تجارة الملح والصناعات الحرفية من هذه المدينة ملتقى بالغ الأهمية لقبائل الصحراء البدوية. ويشير الخبراء إلى أن تمبكتو أسستها قبائل الطوارق في القرن الحادي عشر الميلادي كمخيم موسمي،.

 

وفي القرن الرابع عشر وعندما أصبحت جزءا من إمبراطورية مالي غدت أحد المراكز التجارية الكبرى في إقليم غربي السودان.

 

واشتهرت بتجارة الذهب التي أضفت عليها بريقاً ساحراً، وفي ظل إمبراطورية سونغاي التي ازدهرت في القرنين ‬15 و‬16 وتحولت المدينة إلى مركز إسلامي ثقافي عظيم،.

 

وامتدت تحت آفاقها أكثر من مئة جامعة ومدرسة إسلامية تتمحور حول المسجد الصنقوري.

 

ووصل إليها الجنود المغاربة في العام ‬1519، وحملوا الكثير من مكتباتها ومخطوطاتها وعلمائها إلى سلطان المغرب، وأدى ذلك إلى تفرق كبير لتراثها،.

 

حيث توزعت كنوز مخطوطاتها بين العائلات الكبيرة، وتتعدد القصص التي تروى حول إخفاء بعض المخطوطات في جدران المنازل ودفن البعض الآخر في الصحراء.

 

ويسجل تاريخ المدينة قدوم جيوش عديدة من المناطق المجاورة لها، إلى أن غزاها الفرنسيون في العام ‬1894.

 

وقد تعايش أبناء المدينة بشكل أو بآخر وبقدر هائل من البراعة مع الحكام الذين توالوا على مدينتهم من الماليين والسونغاي وقبائل الفولاني، والفرنسيين، ونهض من قلب هذا التعايش الصعب وفق الحكايات والقصص والأساطير التي تدور حول تبدد كنوز مكتبات تمبكتو،.

 

ولا يزال البعض حتى اليوم يمارس ما يعرف بهواية التنقيب عن المخطوطات سواء في الصحراء المجاورة للمدينة أو في جدران بيوتها القديمة التي يقال إن كنوز المخطوطات الثمينة قد أودعت فيها.

 

وعلى الرغم من السحر والغموض اللذين يحيطان بالمدينة فإنها لا تعد أجمل المدن، أو هذا هو على الأقل الرأي الذي قرره الأجانب الذين وصلوا إليها حاملين معهم أحلاماً وأساطير عن المدينة منذ العام ‬1828،.

 

وهو العام الذي أصبح فيه رينيه كييه أول أوروبي يزور المدينة، حيث قال في كتاباته عنها، إنه وجد: «كتلة من المباني سيئة المظهر، يهيمن عليها الصمت الأكثر عمقاً.

 

وإذا كان الأجانب يساورهم الفضول حيال تمبكتو، فإن المدينة تبادلهم فضولاً بفضول، فهي ترقب كل قادم إليها.

 

ومع مجيء كل سيارة تمر بها يتوقف الأطفال عن لعب كرة القدم، وتكف النسوة عن تغذية الأفران بالوقود من الحطب وغيره، ويتوقف الرجال في السوق عن تجاذب أطراف الحديث لينظروا بفضول من يركبون السيارة المقبلة،.

 

ومن المهم بالنسبة لهم من الذي أتى إلى المدينة، ذلك ان قدوم السياح وتجار الملح يعني فرصاً للصفقات، وأنشطة الأعمال، كما أن قدوم الغرباء يعني المتاعب أيضاً.

 

وكل من يهتم بكنوز المخطوطات التي تضمها مكتبات تمبكتو لابد له من أن يلتقي الباحث والاختصاصي في المخطوطات عبد القادر حيدرا الذي تمتلك أسرته أكبر مكتبة خاصة في المدينة، التي تضم ‬22 ألف مخطوطة تعود للقرن الحادي عشر، ومجلدات من كل نوع ولون مختلف.

 

وهناك في هذه المكتبة مذكرات ويوميات تحفل بالمغامرات والمؤمرات والمراسلات بين كبار المسؤولين ومعاونيهم،.

 

وهناك حشد هائل من الصفحات التي تمتلئ بجهود فكرية مدهشة في الفقه والرسائل حول الشريعة والأفكار العلمية، بما في ذلك رسائل وطروحات تدور حول علم الفلك، والطب والنحو العربي والشعر والأمثال.

 

وتضم هذه المكتبة المدهشة أشياء لا تخطر على البال، منها أوراق تضم سجلات متعلقة بالتجارة والسلع وقطعان الإبل والماشية، والبضائع التي تنقلها القوافل، ومعظمها مكتوبة باللغة العربية .

 

ولكن بعضها مكتوب بلغة السنغال، وبعضها مكتوب بلغة الطوارق التي تعرف باسم «التمشيق».

ويمكن للإنسان أن يمضي ساعات طويلة عاكفاً على أكوام من هذه المخطوطات، من دون أن يدري بمرور الوقت مُسرعاً.

 

وتصور المخطوطات في هذه المكتبة وغيرها من مكتبات المدينة بؤرة للثروة الطائلة التي راكمت بفعل الموقع المدهش للمدينة الذي يقع عند ملتقى شريانين تجاريين هامين، أولهمها طرق قوافل الصحراء، وثانيهما نهر النيجر.

 

وقد اعتاد التجار جلب الأقمشة والتوابل والملح من مناطق بعيدة تمتد إلى غرناطة والقاهرة ومكة ليتاجروا فيها، ويحصلوا مقابلها على الذهب والعاج وجلود الحيوانات من العمق الإفريقي.

 

ومع زيادة ثروة تمبكتو بادرت إلى بناء المساجد الكبرى التي اجتذبت العلماء والفقهاء الذين أنشئوا الجامعات والمدارس ومعاهد العلم واستوردوا الكتب من كل أرجاء العالم الإسلامي، ونتيجة لهذا، تجمعت كنوز هائلة من المصاحف وتفسير القرآن الكريم والأحاديث الشريقة من مكة.

 

وأجزاء من ألف ليلة وليلة، وقصائد الحب الأندلسية، جنباً إلى جنب مع المخطوطات التي تتحدث عن مؤمرات البلاط والمغامرات العسكرية في الممالك الإفريقية القوية.

 

وتدفقت على المدنية الكتب والمخطوطات، وقامت جيوش من النّساخ بإنجاز المخطوطات للمكتبات الخاصة للفقهاء المحليين ورعاتهم من التجار الأثرياء.

 

وقد دعت الأخبار التي دارت حول جهود الحفاظ على كنوز تمبكتو آغاخان إلى ترميم أحد المساجد التاريخية الشهيرة في المدينة.

 

كما بدأ الرئيس الليبي معمر القذافي بناء منتجع فخم يخصص لاستضافة المؤتمرات الأكاديمية المتعلقة بمخطوطات المدينة.

 

ورداً على سؤال عما إذا كانت المشكلات التي نجعل بها الصحراء المحيطة بالمدينة تعرقل نهضتها، قال حيدرا، إن المجرمين أو أياً كان من المتربصين بالمدينة في الصحراء المحيطة بها هم آخر من يثيروا قلقه، حيث ان النمل الأبيض هو أكبر عدو لمخطوطات تمبكتو.

 

ويقدر الخبراء أن هناك الألوف من المخطوطات الثمينة المدفونة في الصحراء القريبة من المدينة، أو المنسية في جدران المباني القديمة بعد أن أخفيت في جدرانها في أوقات الشدة وهي تتداعى ببطئ بفعل الحر والرطوبة والنمل الأبيض.

 

ويعبر عبد القادر حيدرا عن مشاعر أهل المدينة في هذا الصدد بقوله: «في أسوأ كوابيسي أرى نصاً قديماً لم يقدر لي أن أقرأه يعكف النمل الأبيض على التهامه».

 

ومن المشكلات التي تواجه المدينة تراجع صورتها الأمنية على امتداد العالم، الأمر الذي يجعل خبراء الحفاظ على المخطوطات يترددون في شد الرحال إليها لإنجاز مهامهم التي تحتاج إليها المدينة أشد الاحتياج.

 

ويقول الكاتب بيترجوبين ، الفائز بجائزة «بولتير» إنه خلال زيارته لتمبكتو ناشده الكثيرون من أبناء المدينة أن ينفي ما يتردد أن المدينة غير آمنة، وهابوا به أن يدعو السياح لزيارتها،.

 

وهو يشير إلى أن هذه الدعوة تتناقض مع إلحاح وزارات الخارجية في العديد من الدول الأوروبية وأميركا على مواطنيها بعدم زيارة المدينة وباقي شمال مالي بسبب الأخطار الغامضة من عصابات التهريب والجماعات المتمردة المتعددة في شمال مالي.

 

والتي انتهزت فرصة الأوضاع السائدة في الصحراء اختطاف بعض السياح الغربيين والمطالبة بالفدية مقابل إطلاق سراحهم.

 

على الرغم من كل متاعب المدينة، فإنها لا تزال قادرة على جذب الزوار الذين يطاردون أسرارها وخاصة كنوزها من المخطوطات التي يعرف أبناء المدينة قيمتها ولكنهم يعانون حقاً في الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.