ليس هناك أسهل من تصيد البشاعة البصريّة في مدننا العربيّة. بل لعلنا أخطأنا هنا باستخدام عبارة (تصيد) التي تعني فيما تعنيه، البحث والانتظار وبذل الجهد للفوز بهذه البشاعة، فهي متوفرة،.
وبكثرة لافتة، في شوارع وساحات ومداخل مدننا وبلداتنا، تساهم فيها، العمارة الهجينة الملفقة، والآرمات المرتجلة والمتناقضة، والإعلانات العشوائيّة، والكتابات التقريعيّة الشاتمة والمنبهة والمحذرة. وعبارات الحب والهيام، وأسلاك الهاتف والكهرباء، وهوائيات التلفزيون، وصحون الدش، وخزانات الماء، وغيرها من الأشياء الموجودة فوق الأسطحة، وفي البلكونات.
بمعنى آخر: البشاعة البصريّة، متوفرة بكثرة في شوارع وأبنيّة مدننا العربيّة. ونراها أين التفتنا ونظرنا وخطونا: على الأرض، وفوق البناء، وفي الشارع، والساحة، والحديقة، وفي السماء المزدحمة بأسلاك متداخلة كخيوط العنكبوت. وهي متوفرة أيضاً، في الحافلة والسوق والبيت والمؤسسة.
وفي التزيينات المرتجلة بالمناسبات المختلفة، وكذلك الديكورات الفجة وغير المدروسة للمطاعم والمحال التجاريّة ومرافق الحياة اليوميّة المختلفة، وحتى في الأشياء التي من المفترض أن تكون جميلة (كالمنحوتات واللوحات الجدارية ولوحات الإعلان)، حيث نجد البشاعة البصريّة متغلفة فيها، وساطية عليها!!
الاستعمار الجديد
غريب أمر البشاعة البصريّة في مدننا، فمع أننا لا نحبها ولا نريدها وتكافحها الجهات المعنية في هذه المدن، تراها تستعمرها بالقوة، والأمل في إمكانية التحرر منها(كما يبدو)، ضعيف جداً في المدى المنظور!! والبشاعة هذه هي متجسدة في عدة أشكال وأنواع وطرز. إذ إنها هي سافرة الوجه، بغيضة ومقيتة، ومقنعة، وبين بين.
وهي قوية وضعيفة وبين بين أيضاً. أما البشاعة موضوع معالجتنا هذه، فهي من النوع السافر والقوي والطريف في آنٍ معاً. أي أشبه بالسيل الجارف والهادر، في شوارع غالبية مدننا العربيّة، منذ عقود طويلة، دون أن تتمكن الجهات المعنيّة، من السيطرة عليه بشكل حاسم وواضح وجذري، ذلك لأن البشاعة البصريّة، لا زالت موجودة، تأخذ أكثر من شكل مقنع أو خادع. وقد لا يدركها الإنسان العادي، ولكنها للمتمتع بذائقة بصريّة جماليّة، تظهر بشكل جلي، بيسر وسهولة.
الإعلانات العشوائيّة
إلى جانب العمارة الهجينة، الملفقة، والآرمات المتباينة والمتناقضة والفجة، تأتي (الإعلانات العشوائيّة) المتعددة الأهداف والوظائف والغايات، والمتمثلة بلوحات الإعلان غير المدروسة ، شكلاً ومكاناً، وفوضى اللصق التي تطول كل مل تقع عليه يد المُلّصق، جداراً كان أم عموداً، ومثل ذلك باب محل مغلق وسيارة ما، أو خزان كهرباء وجذع شجرة، وحتى لوحات الإعلان والآرمات المختلفة. فهي جميعها لا تنجو من هذه الملصقات التي يصعب بعد أن تستقر فوقها.
وكذلك إزالتها أو التخفيف من آثارها التي قد تعدل من المعنى أو الاسم الذي تحمله، وذلك عندما تغطي حرفاً أو أكثر، أو تستقر على جزء من وجه أو جسد موجود في الإعلان، خالقةً بذلك معنى جديداً، فيه الكثير من المفارقة والطرافة والإدهاش. ويتكرس الأذى للملصقات والكتابات العشوائيّة التي تتواجد خارج الأمكنة المخصصة لها، عندما تُستعمل في تثبيتها مواد لاصقة لا يمكن إزالتها بسهولة، أو تُنفذ بالدهان على الجدران الإسمنتيّة والحجريّة والرخاميّة والمعدنيّة والزجاجيّة.
مفارقات وطرائف
لا يوجد ناظم للملصقات والإعلانات التي تعج بها شوارع مدننا. فهي بالألوان، وبالأبيض والأسود. ومنها المقتصرة على النص، ومنها المدعومة بالصور. كما من بينها البسيط الذي صممه ونفذه عامل المطبعة وفق ما تعود عليه، ومنها المبتكر الذي وضعه متخصص دارس لفنون الإعلان. ومنها أيضاً، الذي خطته يد عابثة، بالفرشاة أو بالرش بوساطة البخاخ، على جدار، أو عمود، أو باب محل تجاري، أو خزان كهرباء، أو جذع شجرة، أو صخرة مركونة في إحدى الزوايا.
وهذه الإعلانات والملصقات العشوائيّة، في شكلها وطرزها ومكان توضعها، لا تغيب عن شوارعنا إلا لتعود إليها بشكل أو بآخر، متكدسة فوق بعضها البعض، بحيث يبلى ويهترئ الجيل الأول منها، ويهرم الثاني، ويبلى الثالث، ويبهت الرابع، ويصفر الخامس، وهكذا دواليك، ويأتي الجيل السادس، والسابع، والثامن، والتاسع، والعاشر. ومعهما تبقى الجدران في مدننا والعضائد والدعامات والزوايا والأسيجة، وأيضا أعمدة الهاتف والكهرباء، والجسور، ومواقف الحافلات، والحافلات نفسها... تبقى جميع هذه العناصر والأشياء، مزدهرة دوماً، باحتضان هذه الأجيال المتعاقبة من الإعلانات والعبارات والملصقات المتعددة الجنسيات والتواريخ والأحقاب والمضامين!!
واللافت، أن الأيدي الخفيفة، الرشيقة والسريعة المختصة بلصق الإعلانات، تؤدي عملها في كل الظروف والأوقات والمناسبات، بهمة عالية، ونشاط منقطع النظير، دون أن توفر مكاناً أو شيئاً في عملية اللصق هذه، سواء كان خاصاً، أو عاماً، متواضعاً أو فخماً، مناسباً أو غير مناسب، فالمهم أن تشغل كل ما تطاله بهذه الملصقات الوسيمة وغير الوسيمة:
حجراً كان أم رخاماً، أم خشباً، أم معدناً أم طينة أم زجاجاً، لكن حتى تاريخه، لم يصلنا ما يشير إلى أن هذه الأيدي الخفيفة الرشيقة، أخطأت وألصقت إعلاناً ما، على جدار من اللحم الإنساني الحي، تواجد بالمصادفة، أمام المدى المجدي لأصابعها اللطيفة الخفيفة، كما يدعي بعض رسامي الكاريكاتير في رسومهم!! ولكي تزداد الصورة سورياليّة وإدهاشاً، تتموضع صور المغنين إلى جانب مرشحي الإدارة المحليّة والبرلمانات ومجالس الأمة.
والإعلان السياحي أو الإنمائي أو الثقافي أو السياسي، إلى جانب الإعلان عن أربعينيّة متوفي، وهكذا يدخل عباس على دباس، والحابل بالنابل، وحلها إذا كنت قادراً!!. والأطرف من ذلك كله، إذا ما (نبق) جزء من إعلان قديم، وشكل مفارقة مع إعلان جديد، كأن ترصع عبارة (نعوة فاضلة) صورة لفنانة ترقص وتغني في هذا المربع الليلي أو ذاك. أو عبارة:(قاطعوا البضائع الأميركيّة) وقد أخذت طريقها عن طريق الصدفة، إلى صورة مرشح.
اجتهادات وابتكارات
من أجل ضمان بقاء العبارة الإعلانيّة الإعلاميّة، أو التحذيريّة التوبيخيّة، وإبعادها عن الأيدي، لجأ المعلن إلى الكتابة بالدهان بشكل مباشر، سواء على الجدران أو العواميد أو أسقف الجسور أو لوحات الإعلان أو أبواب المحال التجاريّة وهي مغلقة، أو حتى الآرمات التي بالإمكان الوصول إليها، الرسمية منها والخاصة، وكل ما يمكن أن يتسع لعبارة غزل.
أو ذكرى، أو تحذير، أو إعلام، أو الحرف الأول من اسم كاتب العبارة، واسم حبيبته وإشارة الزائد التي تجمع بين الحرفين لتفضي إلى عبارة (حب) أو (قلب). ومن المفارقات الطريفة، أن تجد أمكنة ومطارح كُتب عليها بالخط العريض: (ممنوع لصق الإعلانات تحت طائلة المسؤوليّة). ومع ذلك، تراها وقد غصت بالإعلانات والملصقات والعبارات، وكأن في الأمر تحدياً ونكايات، بين (المانع) و(المُعلِن).
ومن المفارقات الأخرى العجيبة الغريبة، أن تجد مكاناً خُصص للصق الإعلانات نظيفاً وخالياً منها، بينما تناثرت الملصقات حوله، من كل شكل ولون.
لوحات الإعلان
مُنذ عُرف الإعلان الطرقي، أو الشوارعي، دأب المسؤولون عن المدن والبلدات، لتوفير أمكنة خاصة للصق الإعلانات المختلفة، عُرفت بـ (لوحات الإعلان)، وهي مختلفة الأشكال، متعددة المهام والوظائف. فمنها اللوحات الخاصة بمؤسسة أو شركة، يتم استئجارها لمدة زمنيّة محددة، من أجل الإعلان عن دعاية لمنتج اقتصادي أو ثقافي أو سياسي، وهي ثابتة ومتحركة، مُضاءة وبدون إضاءة. ومنها لوحات خُصصت للمواطنين من أجل وضع إعلاناتهم فيها، وهي بأشكال مختلفة، ولغايات وأهداف متنوعة أيضاً.
وقد تكون هذه اللوحات مسطحة على شكل مربع أو مستطيل أو دائرة. على جدار، أو تنهض على قوائم في المفارق والأمكنة التي يرتادها الناس راجلين، ليتمكنوا من الوقوف أمامها وقراءة ما تحمل من ملصقات. وقد تأخذ شكل عواميد مستديرة يمكن للمواطن القيام بعملية لف حولها، والاطلاع على ما تحمل من أخبار ونعوات، بيسر وسهولة.
ودون أن يشكل توقفه أمامها، أي عائق للسابلة العابرين إلى جواره. ومن هنا، يجب دراسة شكل هذه اللوحات ومكان تموضعها، بحيث تكون في متناول الناس، وتالياً لا تؤدي إلى إرباك حركة الآخرين الذين لم تسترعِ انتباههم هذه اللوحات، ولا يريدون التوقف عندها.
وأما أشكال لوحات الإعلانات وحجومها، فيفرضه الفراغ والطراز المعماري، وكذلك العناصر المتواجدة إلى جوارها، بحيث يوضع الشكل المنسجم والمتكامل مع محيطه، لكي لا يُشكّل نشازاً، وكي لا يربك، لا بصرياً ولا حركياً، الناس المارين إلى جوار هذه اللوحات، أو الذين يقصدونها للاطلاع على ما تحمل من معلومات.
إن محاولة التوفيق بين جمال هذه اللوحات ووسائل الإعلان، وانسجامها مع ما حولها، وبين مهامها الأساسيّة في احتضان الإعلانات والملصقات وتقديمها بيسر وسهولة لأعين الناس، ليست مطلوبة فحسب، بل واجبة وضروريّة، كي لا يستشري التلوث البصري في حياتنا، وتتكرس البشاعة، على حساب الجمال والأناقة والحضارة. وبالمقابل، لابد من تفعيل وتطبيق القوانين والنواظم الخاصة بضرورة التزام الناس بوضع الملصقات في المكان المخصص لها.
وعدم المهادنة في هذا الأمر، ومهما كانت صفة المعلن، أو نوع الإعلان، أو الجهة المعنيّة به، والتي يمكن الوصول إليها بسهولة من خلال عائديّة هذا الملصق أو الإعلان ومقاضاتها، في حال خالفت أو اعتدت على جماليّة الشارع، وأساءت إلى المرفق العام الذي هو ملك الناس وحقهم، قبل أن يكون ملك مجالس المدن والبلدات ومشرعي القوانين والنظم المعنيّة بتنظيم وترتيب وتجميل فضاءات المدن وعمارتها.
