كان جالسا يحتضن عصاه بحميمية فريدة، تعكس مدى قربه منها والتصاقه بها. وفي صورته تلك، بدت ملامح آثار سنواته الطويلة الشاقة، على قسمات وجهه، بمثابة كنز إيحاءات، تترجم أجزاءها دلالات تأمله لعصاه (عكازه)، فتتجسد بمشهدية بوح من نوع نادر، يخبرنا عن مخزون عبرٍ وقصص غنية، مجسدة بأبجدية رمزية تتناغم فيها إشارات وحكايات أيام خلت، مع وقع نغمات رتيبة متَزنة، تصدرها نقرات عصاه.

في كثير من الحالات والمشاهد حولنا، نجد انه لا يظهر العكاز (العصا) حياديا، لدى العديد من الأفراد الذين يستخدمونه، بحيث يقتصر على تلبيته حاجة غرض محدد وفقط. إذ إننا نراه في أيدي كثير من المسنين، وكأنه أصبح قطعة من جسدهم التصقت بهم بعمق .

وهم في آخر فصول حياتهم، فلم يعد بهذا، تلك الأداة المقصورة على استعمالها للاتكاء عليها والاستعانة بها خلال المشي، بل بات جزءا من الطقوس الخاصة، التي تؤنس جلساتهم وأيامهم، وتوفر فسحة للتنفيس عن شيء ما، من خلال إشارات تتشكل بتحريك هذا العكاز لغرض التعبير عن شيء ما. وكما انه رسخ لديهم كحاجة لا تنفصل عن جزئيات ومتطلبات الهيبة والوقار. ولكن ماذا عن تنويعات ادوار العكاز (العصا) الأخرى، وما هو تاريخه. وكيف كانت بدايات استعماله وتوظيفاته؟

 

من البداية

لم تكن وجهة ارتباط الإنسان بالعصا، منذ فجر التاريخ، محكومة بنماذج ومتطلبات أغراض الاستخدام العصرية التي نراها في محيطنا، سواء للمشي او لأغراض طبية أو غير ذلك. فقد كانت العصا مع الحجارة، بمثابة الركائز الأساسية لدى الإنسان في عملية الدفاع عن نفسه من الوحوش والمخاطر المتنوعة في الغابات والكهوف. ومثلت العصا أداة رئيسة في عمليات الصيد وتامين الغذاء وعدة استخدامات حياتية مفصلية، كاستخدامها في أعمال الطهي وحمل الحاجيات المتنوعة. إلى جانب مجموعة استخدامات أخرى متفرعة. وبطبيعة الحال، فإن هذا المعيار لم يبق ساكنا وثابتا، إذ تماشت العصا في أغراض استعمالها، مع كافة مناحي وأجندة التطور في حياة الإنسان.

ولكن الثابت هو ان الوثائق التاريخية، تكشف لنا بجلاء الاستعمال الواضح والصريح للعصا منذ أقدم العصور، ويتبدى لنا هذا بوضوح لدى الفراعنة، حيث كانت رائجة لديهم كأداة للدفاع والقتال، وأيضا كملمح وعنوان من عناوين الزعامة والتدليل على علية القوم. وبذا اكتسبت مع هذه المكانة والتنويعات في أهمية حضورها ودورها، ملامح رونق تزويق وتشذيب وتحسن جمالي في نماذج صنعها ومظهرها وزخرفتها. فأدخلت عليها تطعيمات وأطر ونحت رفيعة المستوى. وبلغ الأمر حد انه كانت ترسل العصا إلى المدفن مع صاحبها، حين وفاته.

 

وجه آخر

تتابعت أنماط تطور استخدامات وادوار العصا في حياة المجتمعات، فتجسد ذلك بأشكال متمايزة. وشهدت، المجتمعات الأوروبية، ضمن هذا الإطار، بروز وجه آخر لشعبية العصا لدى الأفراد فيها، خلال القرون الوسطى، تمثل بشكل الصولجان، وذلك كامتداد لأغراض ودلالات استعمال العصا بوجهتها السيادية والمعبرة عن القوة.

واعتمدت العملية كعرف مهم، على جملة اشتراطات وقواعد محددة. فمثلا كان الإمبراطور الوحيد الذي يمكنه إمساك الصولجان باليد اليمنى، بينما الأشخاص الأقل منزلة منه، متاح لهم ان يمسكوا الصولجان باليد اليسرى.

وساد في أوروبا، أيضاً، في القرن ال ‬18، استخدام العصا (عصا الخيزران)، كدلالة على تكامل زي الشخصية الاعتبارية ذات الوقار والمكانة.

وهكذا توضعت كنمط مظهري حيوي في تمييز الوجهاء والإشارة إلى المهمين من أبناء المجتمع. وطبعا لم تكن هذه المعاني والاعتبارات ببعيدة عن واقع الحال، آنذاك، وقبل قرون أيضاً، في الصين والهند ودول شرق آسيا. اذ مثلت العصا نوعا من الدلالة على الهيبة والوقار، فكانت ملتصقة بزي الملوك والأباطرة.

والأشخاص البارزين في تلك المجتمعات. كما وضح استخدام العصا في المجتمعات العربية، وفق هذا المنوال، في فترات عديدة، ولكنها برزت أكثر كرمز من رموز التعبير عن المكانة الاجتماعية أحياناً، وخاصة في المجتمعات البدوية في دول عديدة، مثل: سوريا ومصر والسودان وغيرها.

 

استعمالات وتطور

شهدت استعمالات العصا، تطورا مهما في أوجه استخدامها ووظائفها، حيث أصبحت أداة أساسية بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة. وهي تجسدت في استعمالات أغراض تقليدية عديدة متنوعة، اشتهرت في الماضي ولاتزال مستمرة.

ولكن، حاليا، استمرت العصا، إضافة إلى ذلك، في استحضار دور ومرجعية تاريخية لها، تتمثل في الوظيفة الأمنية، حيث برزت في أشكال جديدة (هراوات) في أيدي رجالات الأمن، وهي لا تقتصر على مادة الخشب، بل تصنع من الجلد الصناعي وغير ذلك من المواد. ولا ننسى أيضاً تلك الأنواع من العصي الخاصة بالعاب وممارسات هوايات ورياضات معينة، مثل البلياردو.

وتتعدد الدلالات في استخدامات ومعاني العصا في مجتمعات مختلف الدول العربية. ونجد أنها إضافة إلى وظيفتها لدى كبار السن، هي في علاقة التحام دائم مع البدوي في الصحراء. ويبرز هذا في مناطق الجزيرة العربية، وفي بادية سوريا، وفي العراق وفي دول شرق افريقيا، وفي صحراء سيناء بمصر وغيرها. وقد مثلت العصا لدى البدوي أهمية خاصة، فعلاوة عن توظيفها لأغراض الدفاع عن النفس، استعملها ليحمل بها زوادته. كما كانت أداته للتنقيب عن المياه أحياناً.

وفي المناطق الزراعية هي للآن تستعمل لقطف بعض الثمار في المواسم، مثل الصنوبر والزيتون وغيرها. وهي لدى قبائل عمانية، من وجهة تاريخية تقليدية، تعبير قوي عن ملمح مهم في جوانب صفات الرجل، فحواه الأنفة وقوة الشخصية.

 

لدى أهل الفكر والسياسة والفن

اخذ مسار تطور استخدامات ودلالات العصا، مظاهر عدة لدى رجالات السياسة والفن والفكر والأدب، في شتى المجتمعات، حيث شملت تفرعات توظيفها غرض الاستخدام بدافع صحي عام من جهة، وأيضاً مرمى إكساب مظهر الشخصية سمات محددة، من جهة أخرى.

وكان من أبرزها لدى القادة والسياسيين: عصا الفرعون توت عنخ امون، عصا بطليموس، عصا يوليوس قيصر، عصا جورج واشنطن، عصا نابليون بونابرت، عصا غاندي، عصا تشرشل، عصا الملك فاروق.

وأما على صعيد الفكر والإبداع، فهناك أمثلة عدة، ومنها: عصا سومرست موم، عصا برنارد شو، عصا توفيق الحكيم، وعصا الزعيم السياسي سعد زغلول. عصا الفنان الكوميدي شارلي شابلن. وهناك في الوقت الحالي من يحملها من الرؤساء العرب، مثل الرئيس السوداني عمر البشير، والرئيس العراقي جلال الطالباني.

 

صناعتها ومقاساتها

يوجد في غالبية دول العام، حاليا، مصانع وورش متخصصة في صناعة العصي، بكافة أغراضها واستخداماتها. وهي إما بقيت في نمط صناعات حرفية تراثية تقليدية، بشكل مصانع متطورة ذات المكننة الحديثة. وهي مثل تلك الموجودة حاليا في عدة دول أوروبية وفي أميركا.

ونرى ان صناعة العكازات (العصي)، بقيت في عدة دول عربية، مهنة تحوز خصوصيات، فهي، وباستثناء تلك المخصصة لأغراض طبية، تتسم بانها حرفة تراثية زاخرة بتقاليد وأدوات الماضي، وبالارتباط بقصص وطقوس وعادات المجتمع الضاربة في القدم، فهناك أسواق وورش حرفية متخصصة بها في السعودية ودمشق وعمان.

وغيرها من الدول العربية. وما زال يوجد حرفيون معروفون وذائعو الصيت يشتغلون بها، إذ يتميزون بقدرات فنية عالية في عمليات تزويدها بزخارف وتطعيمات نحاسية فريدة. وأيضا بأشكال نحتية متنوعة ( طيور ، حيوانات مفترسة...).

وهناك المصانع الحديثة للعصي، ومنها في أميركا وأوروبا

تلك التي غيبت تماما ذكرى أو لمحات تاريخ عصا الخيزران، إذ تولت هذه المصانع، علاوة على انتاج جميع أنواع العصي الطبية، توفير عصي مخصصة للاستعمالات المتنوعة الأخرى بشكل فني عالي الجاذبية، حيث باتت تصقل بأنماط مزخرفة دقيقة ومدروسة. وبلغ تطور صناعة العصي الآن إلى حد تجاوزت معه الاقتصار على استعمال الخشب.

فدخلت في تركيبتها مواد معدنية كثيرة، مثل الاستيل والالمنيوم والنحاس المخصص، وكذلك الذهب. وهذا إضافة إلى مواد أخرى. وتختلف أطوال وأحجام العصي حسب غرض استخدامها، ضمن شتى المجتمعات. ومن المتعارف عليه عربيا، ان تلك المخصصة للمشي يتراوح طولها بين الـ ‬120 إلى ‬180 سم. وهناك عصي أطول من ذلك تمتد لتبلغ المترين أو أكثر، ولكن هذه الأخيرة أصبحت قليلة الرواج والاستعمال راهنا.

 

متاحف العكازات

أقامت مجموعة من دول العالم، إما متاحف متخصصة، أو أجزاء وأجنحة مستقلة، للعكازات. وذلك مثل المتحف المصري، وهناك مئات المتاحف المنتشرة في بريطانيا وأميركا و ألمانيا وسويسرا. وهي تحتضن عصي (عكازات) أشهر القادة والسياسيين، ومنها العصي العادية أو الأخرى المطعمة بالذهب والعاج وغيرها.

ومنها تلك التي لملوك فراعنة، مثل عصي توت عنخ امون المصنوعة من الذهب، والتي يحفظ البعض منها حاليا، في عدة متاحف بالدول الغربية. وأيضاً عصي الأباطرة الرومان والسلاطين العثمانيين ومهراجات الهند. وهناك من العصر الحديث، عصا الملياردير الشهير روتشيلد روكفلر. وغير ذلك.

 

ثقافة العصا عربيا

انتشرت، وربما سادت لفترة طويلة، في المجتمع العربي، مفاهيم ثقافة خاصة بالعصا، تعكس رؤى تصورات محملة بمعاني القهر والقسر والعقوبة والعنف، فلا يغيب عنا مثلا رواجها كأداة استخدمت لعقود طويلة في الرد والإجراء التأديبي لدى المعلم، إزاء تقصير او شغب طلبة مدارس المراحل الابتدائية.

وهناك ايضا عدة امثال وعبارات شعبية، متعارف عليها، تحكي عن طبيعة التصورات الغالبة، عن وظيفتها ومهامها، مثل: «العصا لمن عصى»، «قشر له العصا». كما لا ننفك نلمس تمثيلا صارخا لتجسد العصا بصور متنوعة، تعكس هذا المفهوم والمضمون، في الكثير من المجتمعات العربية. فهي للان رديف أساسي لرقصة المزمار بفحوى تعبير عن العدوانية والقسوة، وأيضا أداة تحل مكان السيف في تمثيل المبارزات وأحداث ساحات القتال. وهذه الملامح تتبدى بوضوح في سوريا والأردن وفلسطين ولبنا، وكذلك في مصر بشكل كبير.