أمي بدونك يرحل عني زمان الامان.. ورحابة المكان، ففي راحتيك كل الحنان، أحمل قلبي إليك جريحا يصارعه الشيب قبل الآوان، فيهدأ وينام، من بعدك أمي أنا لحن عجوز شقى الزمان، تبقين أمي وحدك نبضاً منه يستمد قلبي الحياة، يرحل عمري.. ولا ترحلين.. بكل غالٍ تبقين فحدودك هي كل الأمن والامان.

 

هي عالم بلا مخاوف ولا صراع.. فكل الدنيا أنت، الجوهر والمعنى، المدرسة الأولى كنت، ولا أزال النصح والدعاء والتسامح مفردات تشكيل وجدانك.

نعم، انت كل هذا وأكثر يا أمي، إنك بداية الخلق وكل الدنيا، خلقك إعجاز من الله، عيدك «يا ست الحبايب» معه تتفتح براعم الربيع، وتحت قدميك جنة الخلد لكل من أطاعك ومن لا يفعل تغفرين، فيغفر الله ذنوب العاقين، ولكن ما هو إعجاز الخلق لكل أنثى ستكون أماً وقلباً رحيماً؟

توصل العلماء على امتداد العالم من خلال أبحاثهم التي أخضعوا فيها خصائص الأم البيولوجية والنفسية والعصبية، فكانت النتائج مذهلة بحق.. فما هي تلك النتائج التي أمامها اتسعت عيون الباحثين على امتداد العالم كله؟

نتائج الأبحاث التي أعلنتها جامعة بون منذ ست سنوات تقريباً، وبعد أبحاث طالت سنوات وسنوات بأن التركيبة البيولوجية للأم إعجاز بحق، تعكس هذه الأبحاث كيفية تقبل الأم ــ داخل رحمها ــ للجنين، ولا يكون هناك قوة ذاتية بيولوجية لطرده مثلما يحدث أحياناً في زراعة الأعضاء المختلفة كبديل لأعضاء تالفة في جسم الإنسان، فيستقر الجنين في «ظلمات ثلاث ــ كما عبر القرآن الكريم» والمقصود بها حسب التفسيرات المأخوذ بها، بأنها بطانات الرحم الثلاث التي تتسع وتستوعب الجنين في رحلة الشهور التسعة هي فترة الحمل الطبيعية.

والتي تتبعها آلام حادة هي آلام المخاض والتي لا يتحملها سوى الأم، فالأبحاث ذاتها أثبتت أن الرجل، إذا تعرض لعملية التوليد هذه ــ جدلاً ــ سيموت فوراً عقب «الطلقة» الثانية، ولكن الأم خصها الله سبحانه وتعالى بقوة احتمال تنوء الجبال على تحملها.

ويكافؤها الله سبحانه بخلق جديد ــ طفلها الوليد ــ الذي سرعان ما يبدأ أول قصة حب في حياته بعد الولادة مباشرة عندما تحتضنه أمه بحنان يكفي العالم كله، الصغير يتعرف على أمه من رائحتها، ويزداد الحب في ما بينهما في إعجاز من نوع آخر عندما يتذوق الصغير أول قطرة حليب طبيعي من ثدي أمه.

والذي لم تفك أسرار تركيبته الطبيعية أعتى معامل البحث، فحليب الأم يحتوي على كل عناصر التغذية التي تزداد مع نمو الطفل لتفي باحتياجاته ويزيد كثافة كلما كبر الطفل شهراً بعد شهر، يحتوي على مضادات حيوية طبيعية تقي الطفل لمدة عامين من أي حميات بكتيرية أو فيروسية، بالإضافة إلى احتوائه على كل عناصر «الهرم الغذائي» من البروتين والسكريات المتوازنة والنشويات والمعادن، بالإضافة إلى أنه ينزل من صدر الأم بدرجة حرارة دافئة يستمتع بها الطفل أثناء عملية الإرضاع.

إعجاز آخر يكمن في أن عملية تدليل الطفل من قبل أمه والتربيت على جلده الناعم، من شأن ذلك أن يحفز فاعلية هرمون موجود بالفطرة تحت طبقة الجلد الأولى للطفل، يعرف باسم «إندورفن» ، وهو هرمون يعمل على تسكين أي آلام لدى الطفل ويشعره بالطمأنينة، ومن هنا يكمن سر هذا الهرمون الذي يستمر مع الإنسان طوال حياته، ولكن للأسف الشديد ينخفض أمام العقاقير المسكنة والمهدئة التي يتناولها الإنسان في رحلة حياته، والإعجاز الأكبر يكمن في أن هذا الهرمون ذاته يبدأ يتكثف مرة أخرى في مرحلة الشيخوخة لدى الجنسين.

وهي المرحلة التي يحتاج فيها المسن للشعور بالأمن والأمان عندما يربت الإبن والحفيد على المسن بحنان يُفعّل هذا الهرمون فيخلد المسن للهدوء والنوم وكأنه أعاد سيرته الأولى عندما كان طفلاً، وهنا تكون الرحمة في أعظم تجلياتها.

ومن عظمة الإعجاز في خلق الأنثى التي ستكون أما، بأن مظاهر وجوهر الشيخوخة يأتيان متأخرين عن ظهور هذه الأعراض على الرجل، وذلك بنسبة ‬30٪، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا؟

والإجابة واضحة لمن يقرأ دور الأم بكل حب وحيادية، فقط لأن أدوارها المتعاقبة في حياة أطفالها وأبنائها في كل مراحل حياتهم تكون بالكفاءة ذاتها منذ كانت في ربيع العمر، أيضاً يفسر علماء النفس بتأخر شيخوخة الدماغ لدى كل أنثى لأن الإعجاز في خلق مخ الأنثى قادر على الاحتواء أياً كان نوعه سواء من آلام تحل بها أو صدمات نفسية أو بداية دخولها مرحلة الكبر، وكأنه «المايسترو» البارع بعصاه السحرية أن يشيع تناغم الحياة بكفاءة غير مسبوقة.

بالإضافة إلى أن الأم ــ أو أي أنثى ــ تركيبتها البيولوجية هي الأرقى في سلم المخلوقات جميعها، فلديها القدرة الفائقة على القيام بعملية الوضع والإرضاع والتربية، والقيام بالاحتواء لكل من يعصف بها، فلديها في نهايات الأعصاب ــ حسب تعبير الباحثين ــ وسائد إن جاز التعبير تمتص الصدمات، ولديها القدرة غير المسبوقة في التسامح، وإذا دعت يستجيب الله لدعائها ــ فالله سبحانه الذي أوصى بها خيراً في كتابه العزيز الحكيم وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبيك»، لأهميتها ومكانتها وقدرتها على العطاء غير المحدود لكل من حولها.

فهي الزوجة التي بالفطرة تتفهم نقاط ضعف زوجها، لديها «رادار» يرصد المتغيرات ويسجلها، كلماتها بلسم ينهي الخلافات، صبرها بئر لا ينضب، حبها قوة دافعة للرجل، فــ«وراء كل رجل ناجح امرأة».

لديها القدرة تحت سيطرة عقل معجز بحق، أن تقوم بأكثر من عمل في وقت واحد، تطهي الطعام، وترد على مكالمات هاتف مزعج، وترتب بكل الحب حجرات الأبناء، وتفتح لكل من يدق بابها، كل ذلك في لحظات، تتجمل لتكون الأحلى في عيون زوجها، تحاوره بلغة خاصة وبذكاء متفرد، لديها كابح للسرعات تعرف بالفطرة متى تقف على أعتاب خطوط حمراء، حتى لا يشتعل المكان، تنهي الخلافات بكلمة حب، ودمعة في مقلتيها وعتاب المحب، تنحني للعواصف، وترفع هامتها مفتخرة بصمام الأمان الموجود بالفطرة بداخلها.

بكل لغات العالم، كان اسمها ينطقه الصغير على امتداد البسيطة. كيف؟

الطفل العربي يقولها «أمي»، «ماما» ــ «أماه» ــ «يا يوما»، الطفل الإنجليزي يقولها «ماذر» والأميركي يقولها «موم» والألماني «موتّر» والفرنسي «مامان» والبلجيكي «مام» والتركي «نينا»، والهندي «ممي» والياباني «هاها» والروسي «ماتّي» والصيني «مامو».

وإذا كانت الأم تنطق باختلاف الأجناس، إلاّ أنها تتوحد بداخلها في حب كبير، معهم يكبر ويزيد ويفيض إلاّ من استثناءات بها عقوق، فكل مخلوقات الكون وفي مقدمتها الإنسان الأم في القلب والوجدان والشعور والمحتوى.

فماذا قال عنها المشاهير من الناس وكيف كانت متربعة على عرش الحب بداخلهم

يقول الإمام الشافعي: «اخضع لأمك وارضها، فعقوقها إحدى الكِبَر». ويقول حافظ إبراهيم: «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق».

يقول جميل الزهاوي: «ليس يرقى الأبناء في أمهم ما لم تكن قد ترقت الأمهات».

ويقول أبو العلاء المعري: «العيش ماض فاكرم والديك به والأم أولى بإكرام وإحسان».

ويقول المتنبي: «أحّنُ إلى الكأس التي شربت بها وأهوى لمثواها التراب وماضما».

ويقول شكسبير: «ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم».

ويقول بتيشر: «قلب الأم مدرسة الطفل».

ويقول فاروق جويدة: «لو أنساك يا عمري.. حنايا القلب تنساني».

وأعظم ما قيل في الأم، كلام الله عز وجل في كتابه العزيز الحكيم: «ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وفصاله ثلاثون شهراً» (الأحقاف ــ الآية ‬10».

وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «الزم رجلها فثم الجنة». فالأم هي محور الكون، ضياؤه وحنانه، هي كل العالم في واحد، تملأ حياتنا فرحاً وأعياداً، وربما من هنا خصص العالم كله يوما يعرف بــ«عيد الأم»، ولكن في الواقع لابد وأن نجعل من كل أيامها أعياداً.

واتسعت شاشات العرض العربية والعالمية لتعكس نماذج للأم، وتعتبر أمينة رزق هي الأم الحقيقية في الفن المصري، تعكس نماذج من الأمهات في العطاء والحب والحكمة وأحياناً القسوة التي تعيد الأمور لنصابها، من أشهر أفلام أمينة رزق التي تعكس دور الأم، فيلم دعاء الكروان في العام ‬1959 قصة طه حسين عميد الأدب العربي وإخراج بركات، تعكس فيه التناقض الكبير الذي تستلزمه العادات والتقاليد تجاه الخطيئة التي ارتكبتها ابنتها هنادي وبين عاطفة الأمومة.

فيلم «بداية ونهاية» أيضاً تعكس أمينة رزق فيه دور الأم لأسرة على هاوية النهاية لأنها تحمل الأسرة بداخلها بذور انهيارها الذاتي، الفيلم عن قصة نجيب محفوظ التي تحمل الاسم نفسه. وفي الثلاثية برعت آمال زايد «أمينة» في تجسيد دور الأم المصرية التي تحتوي الأسرة بكل تناقضتها وقتذاك، راضية، معطاءة، حانية.