«يانغ» وزميلته «اينا» شاب وفتاة من الصين في العشرينيات من العمر، يحمل كل واحد منهما حقيبة صغيرة، يطرقان أبواب الشقق في المدينة العالمية، الواقعة على شارع الإمارات بدبي، ويعرضان بعض أسطوانات الليزر وهدايا أخرى من ولاعات وساعات ولعب أطفال للبيع، وهذا ما نطلق عليه (تجار الشنطة).
هناك بضائع مشابهة تأتي من تايوان والفلبين وتايلاند وإندونيسيا وغيرها. وقد أحضر وصديقته كمية بسيطة من أجل بيعها في دبي لتأمين نفقات معيشتهما إلى أن يحصلا على عمل. سعر الأسطوانة 10 دراهم وهناك أسطوانات تحتوي على 16 فيلماً بسعر 40 درهما.
وبالإمكان شراء هذه الأسطوانات والهدايا الأخرى بالدين طبعاً إذا لم تتوفر السيولة النقدية للمستهلكين، وعادة ما تكون أجهزة سحب النقود الآلية بعيدة، حينها تخرج (إينا) دفترها الصغير وتأخذ رقم هاتف المستهلك، وتسجل المبلغ عليه على أمل تحصيلها في زيارة قادمة. وبالفعل اتصلا بيّ بعد مرور أيام ودفعت لهما ثمن الأسطوانات. هذه هي مهنة البائع الجوال.
فهو الذي يبحث عن الزبائن، وهم يفضلون مجيء البضائع إليهم عند أبواب بيوتهم وشققهم. والباعة الصينيون لا يفوتهم درهم واحد من هامش الربح والتجارة، ويظهر ذلك حتى من طريقة لمس النقود وادخارها وحفظها ودسها في محافظ نقودهم الخاصة، تدرك أن ثمة احترام للمال.
استنساخ بيكاسو وغوغان ودافنشي
الباعة المتجولون في شوارع ومقاهي دبي، يبيعون بضائعهم، وغالبيتهم ينتشرون في المدينة العالمية حيث تنتشر البضائع الصينية بقوة نظراً لتواجد مجمّع سوق التنين (دراغون مارت) الشهير في إحدى زوايا هذه المدينة الجديدة حيث يأتي إليه الزبائن من كل مكان من الإمارات، ومن سلطنة عُمان التي لا تبتعد عنه أكثر من 100 كيلومتر. ويجد الزبائن كل ما يحتاجون إليه من البضائع والسلع الصينية من أثاث وزهور وموبايلات ذات ماركات عالمية مقلدة بنصف القيمة أو ربعها، كما يوجد فيه سوق للفن المقلد.
فبإمكانك أن تجد أكبر لوحة لكبار الفنانين أمثال غوغان وبيكاسو ودافنشي وغيرهم بـ 50 درهما إماراتياً. ويشتهر هذا السوق العملاق الذي يبلغ طوله أكثر من كيلومتر، ومشيد على شكل (تنين) يُزين بوابته الأمامية تمثال كبير للتنين الذي تلتف على رقبته الثعبان السامة، بانتشار النساء اللواتي وجدن عملاً بمجرد شراء عربة ذات عجلتين، من أجل نقل بضائع الزبائن وحاجياتهم الخفيفة. كما يوجد في هذا السوق مطعم صيني وسوبرماركت ومطاعم صغيرة أخرى.
وفي عطلة نهاية الأسبوع، تمتلئ المواقف الواسعة المخصصة للسيارات من كل الألوان والأنواع على المساحات الرملية الممتدة حول هذا السوق العملاق. لم يكن يحقق هذا السوق، وهو أكبر سوق صيني خارج الصين، نجاحاً كبيراً منذ افتتاحه فحسب، بل أصبح أكثر الأسواق حيوية في دبي من حيث تحقيق الأرباح التجارية حسب اعتراف التجار الصينيين. كما أنهم يستفيدون من فرق العملة وسعر تصريف الدولار. وعادة فالصينيون لا يشّغلون معهم غير أبناء جنسهم إلا أنهم هنا مضطرون لتشغيل العمال الهنود من أجل أن يتفاهموا مع الزبائن إضافة إلى أجورهم المتدنية.
وحول هذا السوق العملاق، تنتشر الجالية الصينية الكثيفة التي وجدت أمانها في الحيّ الصيني، الموجود في المدينة العالمية، والذي لا يبتعد سوى أمتار عن سوق التنين. المبيعات عن طريق الحقائب مهنة مؤقتة للصينيين القادمين الجدد ومعظمهم يفكرون بإيجاد أعمال أكثر إيراداً وراحة، ولكنهم سرعان ما يتوقفون عن المبيعات الجوالة وتسجيل شركاتهم للاستيراد والتصدير بعد فترة وجيزة على مجيئهم إلى دبي.
سوق يلتف على شكل تنيبن
أمام المدخل الرئيسي لسوق التنين، تتموضع كرة أرضية باللون الذهبي، وقد التف حولها التنين من جميع الجهات، في رمز إلى قدرة هذا التنين على الوصول إلى أي بقعة في العالم. يحتوي السوق على 4 آلاف متجر، تقدم مختلف أنواع البضائع والمنتجات الصينية، من الأدوات المنزلية، إلى الأدوات المكتبية والقرطاسية، وأجهزة الاتصالات، والأجهزة الإلكترونية، بالإضافة إلى الألبسة، والأحذية، والمفروشات، والألعاب، ومواد البناء، والآلات الميكانيكية، بمختلف أنواعها، والأدوات الصحية، ومستحضرات التجميل.
والعطور، والمعدات والأدوات الرياضية، وغير ذلك الكثير. وتتميز جميع البضائع الصينية المتوفرة في السوق، بأنها تحمل اسماً تجارياً وشهادة منشأ، وأسعارها مقبولة، بل تقل في معظم الأحيان بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة عن مثيلاتها في الأسواق، الأمر الذي يجعل من السوق مقصداً للزبائن والتجار، سواء للبيع بالتجزئة أو بالجملة.
ولم تنس الشركة المطورة، حاجة سوق بهذا الحجم، إلى المستودعات، فأنشأت ثمانية مستودعات على بعد 200 متر فقط من السوق، تبلغ مساحتها 30 ألف متر مربع، وهي مجهزة بالكامل، ومخصصة لاستخدام التجار، ومنها مستودعان مبرّدان، لتناسب هذه المستودعات مختلف أنواع البضائع والمنتجات.
ولا يقتصر نشاط الصينيين على هذا السوق، فهناك سوق موسى بازار، كما تورد ذكره مجلة (شبكة الصين)، في دبي أيضاً، وهنا تشعر وكأنك في مركز لتجميع وتوزيع البضائع داخل الصين، حيث ينتشر أكثر من 70 محلا في الطوابق الثلاثة، أصحابها كلهم صينيون، يتاجرون في الأزياء والأحذية والمنتجات الجلدية من منطقة (ونتشو).
والبضائع الصغيرة من منطقة (ييوو)، مستحضرات التجميل واللعب الإلكترونية من قوانغدونغ، الأزياء من مدينة (شيشي يقوانغدونغ).. وبحسب أحد التجار الصينيين، يقبل يومياً على سوق الجملة هذا آلاف التجار من الشرق الأوسط وشمال ووسط إفريقيا وآسيا الوسطى للتسوق.
يُضاف إلى هذين السوقين، أسواق أخرى للبضائع الصينية، منها مدينة منتجات الصناعة الخفيفة الصينية ومدينة التجارة الصينية ومدينة الأحذية الصينية ومدينة العدسات التجارية ومدينة تشييوان ومركز توزيع البضائع الصينية بحيث جعلت من دبي أكبر مركز لتجميع وتوزيع البضائع الصينية خارج البلاد.
وعلى الرغم من وجود هذه الأسواق، ينتشر الباعة الجوالون الصينيون على الأرصفة في جميع الإمارات من أجل المتاجرة في بعض الهدايا البسيطة والرخيصة التي تنتشر تحت مسمى محلات (الدرهم والدرهمين) كناية عن أسعارها مثل ساعات وعطور مُقلدة، وبعض أشكال الزينة يتم تسويقها وبيعها بأسعار زهيدة بالتجول في الشوارع والمقاهي، أو اقتحام الشركات والمصالح الحكومية والمنازل.
برج العرب.. فندق السفينة الشراعية
يطلق الصينيون على (برج العرب) فندق السفينة الشراعية، أحد الرموز الهامة لمدينة دبي، ربما يعود السبب إلى أن حوالي 1500 صيني يعملون فيه، لكن يبقى عدد الفلبينيين في المركز الأول ثم يأتي بعدهم الهنود. لم يكن أبناء الجالية الصينية في الشركات المحلية كثر.
حيث يعمل غالبيتهم في أعمال البيع والبناء وتجارة التجزئة، ولكن هذه الصورة تغيرّت وبدأت الشركات تحتاج إلى الكوادر الصينية، مع ازدياد التبادلات التجارية بين الدولتين، حتى إن أحد أصحاب الشركات قال إن كل شركة تعمل في دبي بحاجة إلى موظف صيني.
وستشهد (دبي العالمية)، باعتبارها أحد أكبر المستثمرين الإماراتيين في الصين، نمواً. بحيث ارتأت تدشين موقع إلكتروني بلغة (الماندرين)، وهي اللغة الصينية المشتركة بين لغاتها العديدة، لكي تكون مفهومة لدى غالبية المجتمع الصيني، ويقدم تفاصيل ومعلومات شاملة عن مجموعة الشركات التابعة لها، وتعريف التجار والمستثمرين الصينيين بنشاطاتها ومشروعاتها المتنوعة.
ولعل أهم ما يشجع إقبال الإماراتيين على البضائع الصينية هو حجم التبادلات التجارية بين الصين ودبي، حيث حققت التجارة البينية بين دبي والصين نموا مطردا خلال السنوات الخمس الأخيرة، مما يعكس التطور الإيجابي المهم في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وهي في تواصل، وخاصة في التعاون في مجالات الطاقة والمقاولة وخدمات العمل والاستثمار والطيران. وتتركز صادرات الصين إلى الإمارات المنسوجات والأزياء والمنتجات المعدنية والمشغولات الفنية الصناعية والماكينات، وتستورد منها سبائك الألمنيوم والأسمدة الكيماوية والبترول. وتجاوز عدد الشركات الصينية المسجلة في الإمارات الآلاف.
دبي.. طريق الحرير الجديد
ما تزال محلات العلاج بالإبر الصينية تغري بعض الإماراتيين من الجيل القديم لإيقاف آلام الظهر والصداع النصفي وتخفيف آلام المفاصل وتنتشر في دبي محلات علاجية متنوعة، بعض الإماراتيين كان يذهب إلى الصين للمعالجة أما الآن فهذه المشافي متوفرة عنده على الرغم أن السياح الإماراتيين لا يتحمّسون كثيراً للسفر إلى الصين بل يقصدون تايلند وسنغافورة والفلبين.
النساء الإماراتيات لا يعرفن من الصين سوى المنسوجات والأزياء الصينية والموسلين.
ولكن ذلك لم يمنع من أن تتحول الإمارات إلى أكبر دولة تستورد المنتجات الصينية في منطقة الشرق الأوسط أي ما يقارب 60 المئة من إجمالي صادرات الصين إلى دول الخليج عامة. كما حلت الصين محل اليابان لتصبح أكبر دولة تستورد من منتجاتها دبي. وتصدر الصين منتجاتها إلى جميع الدول في أوروبا واسيا عبر طريق دبي، الذي سيتحول إلى طريق الحرير الجديد.
وهذا ما أدى إلى زيادة الوافدين الصينيين إلى الإمارات حيث يعمل فيها حوالي نصف مليون شخص، غالبيتهم في دبي، يزاولون أعمال الإنشاء والنقل البحري والخدمات بالإضافة إلى الأعمال التجارية إذ لم يكن عددهم في السبعينات يزيد عن الألفين قليلا. في السنوات العشر الأخيرة جذبت دبي بالفرص التجارية اللامحدودة بها عددا كبيرا من التجار الصينيين من المناطق التجارية: تشجيانغ وفوجيان وجيانغسو وشانغهاي وقوانغدونغ وهونغ كونغ.
وقد أتاحت الصين التي تنفذ سياسة الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي فرصاً تجارية عديدة لرجال أعمال الإمارات. ولعل إقامة علاقات توأمة بين مدينة شانغهاي ودبي خلال زيارة وفد البلديات الإماراتية إلى الصين طرح فكرة إقامة علاقة توأمة بين بكين وأبوظبي خلال زيارة وفد غرفة تجارة وصناعة أبوظبي. وهناك فكرة إقامة جمعية الصداقة الصينية ــ الإماراتية، ومراكز الترويج التجاري للإمارات في مدن بكين، شانغهاي وقوانغتشو.
