تُشير المعلومات إلى أن أقدم اكتشاف لسجادة منسوجة باليد، هي تلك التي وجدتها حملة استكشافية روسيّة في جبال (ألتاي) في جنوب (سيبيريا)، أثناء تنقيبها في مقبرة ملكيّة، وهذه السجادة الشهيرة معروفة باسم (بازايريك)، وقد حفظها الجليد بشكل جيد، وكانت تستعمل كغطاء لسرج الملك، وهي مزخرفة بمنمنمات وأشكال وهيئات لفرسان وخيول ووعول. وأما تاريخها فيعود للقرن الرابع أو الخامس قبل الميلاد، ما جعلها أقدم سجادة حيكت باليد، عرفتها البشريّة.
تعد صناعة السجاد من أقدم الصناعات التي عرفها الإنسان، وهي تعود لآلاف السنين قبل الميلاد، والأرجح أن يكون الموطن الأول لهذه الصناعة، السهوب الأوراسيّة وأواسط آسيا. ويُعتقد أن سجادة الربيع (بهارلو) أو سجادة (كيخسرو) التي غنمها العرب بعد انتصارهم على الفرس الساسانيين، في معركة القادسيّة عام 636 ميلاديّة، من أقدم السجاد المعروف، بعد سجادة (بازايريك).
عرفت مناطق كثيرة في آسيا صناعة السجاد، ولاسيما إيران، حيث كان السجاد يزين قصور الساسانيين والعباسيين والسلاجقة والمغول، وثمة مناطق أخرى في العالم، عرفت هذه الحرفة، منها: تركيا، جبال القوقاز، تركمانستان، باكستان، أفغانستان، نيبال، الهند، الصين. غير أن إيران تبقى الأبرز في هذا المجال، إذ بلغ السجاد عند الفرس شأناً عظيماً، لدرجة أنهم كانوا يحيكونه بأغلى الأصواف وأنواع الحرير وخيوط الذهب والفضة. وحمل العرب هذه الحرفة إلى الأندلس فأصبح لإسبانيا طرازها المميز من السجاد اليدوي. وأما بلاد الشام، فقد عرفت صناعة السجاد منذ القديم، وازدهرت هذه الحرفة في العصرين الأيوبي والمملوكي، ولا تزال بعض المتاحف والقصور والصالات في العالم، تحتفظ حتى اليوم، بقطع من السجاد المملوكي، خاصة في إيطاليا. ولأن السجاد المملوكي حيك من قبل نساجي دمشق، يُطلق عليه اسم (السجاد الدمشقي)، لكن بعد سقوط دولة المماليك، والاحتلال العثماني لبلاد الشام، انتقلت صناعة السجاد إلى بلاد عثمان، بعد أن تم نقل أمهر الصناع إليها، ولأن السلاطين قاموا برعاية هذه الحرفة العريقة وشجعوها، تحولت تركيا إلى مقصد لنساجي كرمان ودمشق والقاهرة وغيرها.
المواد الأوليّة
تتألف المواد الأوليّة المستعملة في صناعة السجاد من: الصوف، القطن، والحرير. ويستعمل الصوف والحرير لحياكة العقد، إي إظهار الوبرة على سطح السجادة. أما القطن فيستخدم للسدى، في الغالب. وللتأكد من الخصائص الجيدة للسجاد، يُدرس طول الوبرة فيه، ونوع النقش، وإطار السجادة، والكيفيّة التي توضع بها السدى مع اللحمة والعقد. ومن ثم الشكل النهائي الذي للسجادة، والتي تأخذ تسمياتها ومميزاتها، من المناطق التي صُنعت فيها. أما عملية تصنيع الصوف وصباغته، فتختلف من منطقة إلى أخرى. وتتم عادةً، وفق معايير مدروسة، وبأصبغة نباتيّة طبيعيّة تبدأ من غسل الصوف وتنظيفه ونقعه في أحواض من الشب لتبييضه، ثم يُنقل إلى أحواض الصباغة التي كانت تعتمد بشكل رئيسي على الملونات النباتيّة المتميزة بثباتها وجمالها مع مرور الزمن، ومنها: النيلة الزرقاء، الزعفران الأصفر، الفُوة الأحمر. وبعد ذلك، جاءت الألوان والأصبغة التركيبيّة المصنعة من المواد الكيميائيّة. ويصنع السجاد بطريقتين: الأولى هي بوساطة النول اليدوي، والثانيّة بوساطة النول الآلي. أما النقش في السجاد، فهو إما هندسي مستقيم، أو منحني أو زهري أو نباتي.
السجاد الإيراني
ينقسم السجاد الفارسي أو الإيراني إلى قسمين أساسيين: الأول قبلي، ويمتاز ببساطة الرسوم، وحرارة الألوان، ومخمليّة الصوف، وطول الوبرة. وهو ما يجعله ثقيل الوزن. وأما نقوشه فتعتمد على الأشكال النباتيّة كالأزهار والأشكال الهندسيّة البسيطة. وأما الثاني فهو سجاد المدن ويسمى باسم المدينة التي تصنعه، ومن أهمه: سجاد تبريز التي اشتهرت بصناعة السجاد الحريري ذي النقوش القريبة من الشكل الهندسي، والألوان القاتمة كالأحمـــر القاني والأزرق الداكن. والسجاد البيجاري نسبة إلى مدينة بيجار، ويتصف بحياكته المتماسكة جيداً، ووبرته القصيرة، وألوانه القاتمة، ونقوشه ذات المناظر والأشكال الطبيعيّة. وبشكل عام تمركزت صناعة السجاد الإيراني في الشمال الغربي من إيران، وبصورة خاصة في مدينتي (هراة) و(أصفهان)، وتمتاز السجادة الإيرانيّة الكبيرة عموماً بإطار عريض، يُحيط بحرة، وتشغل مركزها جامة على شكل مغزلي أو نجمي، وهي ذات أرضيّة حمراء غالباً، قاتمة أو بنيّة كامدة أو حافلة بعناصر استعملها الفنانون والحرفيون الإيرانيون في النسيج، وتمثل صراع الحيوانات، ومشاهد الصيد التي تصاحبها الغيوم والطيور والكؤوس والفرسان، وكل هذه العناصر والأشكال تتوضع على عروق دقيقة دون تنظيم، ولكن بإيقاع محكم. وأضاف الحرفيون الإيرانيون المعاصرون إلى السجاجيد الحديثة، أشكالاً جديدة مستوحاة من الآداب والأساطير والحكايا الإيرانية، إضافة إلى موضوعات معاصرة.
تنوع مُدهش
وصل السجاد الإيراني إلى الكمال خلال المرحلة الإسلاميّة، لاسيما بعد تزايد الطلب عليه، نتيجة احتكاك البلاد العربيّة الإسلاميّة بالغرب، فعند حلول القرن السابع عشر الميلادي، كان عدد المراكز الخاصة بصناعة السجاد في إيران، كبيراً وحكراً على البلاط، ما جعلها صناعة قوميّة واسعة الانتشار والأهمية، ومطلوبة بإلحاح لأسواق عديدة في العالم.
والتنوع في السجاجيد الإيرانيّة، لا يقتصر على تصاميمها والأشكال المستخدمة فيها فحسب، وإنما يشمل حجمها ووظيفتها. فهناك السجاجيد الصغيرة الخاصة بالصلاة، والكبيرة التي توضع على الأرض، أو تُعلق على الجدار، وتضم اليوم العديد من متاحف وقصور العالم، نماذج وأنماطاً وطـــرزاً كثيرة من السجاجيد الإيرانيّة الرائعة والغالية الثمن كسجادة (أروبيل) المدهشــة الموجـــودة في متحـــف (فكتوريـــا وألبرت) بلندن العائدة إلى عام 1540. أما المواد المستخدمة في صنع السجاجيد الإيرانيّة فهي الصوف، والخطوط الطويلة فيها تصنع من القطن أحياناً. كما قد يدخل الحرير في صنع السجاجيد، لاسيما (الوبر) بدلاً من الصوف، الأمر الذي يجعلها عالية القيمة الفنيّة والماديّة، ويُعرف هذا النوع من السجاجيد باسم (السجاجيد البولنديّة) وهي تصنع وتُستعمل في إيران نفسها، أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. ولأن أفضل الأمثلة المحافظ عليها من هذه السجاجيد، وجدت في بولونيا، أطلق عليها اسم (السجاجيد البولونيّة). واستمر صنع السجاجيد والبسط ذات الجودة الفنيّة العالية والممتازة في إيران وتركيا وفي المنطقــة الواقعـــة بينهمــا، حيث كان يُحاك طراز متميز يُعرف باسم (السجاد القوقازي)، وهو ذو رسوم هندسيّة بسيطة الزخرف، ولا ينتمي إلى إيران، حيث كانت الموضوعـــات الطبيعيّة هي السائدة في سجاجيدها، وكذلك في السجاجيد التركيّة. أما القوقازيّة فقد تميزت عنها بزخارفها الهندسيّة البسيطة. وكغالبية الفنون والحِرف والمشغولات اليدويّة (ولاحقاً الآليّة) بدأ السجاد حاجة ماديّة للإنسان، يستعملها في حياته اليوميّة، ثم تصعّدت القيمة الفنيّة فيها لتتماهى مع القيمة الماديّة والجماليّة بالاستعمالية، ما رفعها إلى مصاف الفنون الرفيعة والمدهشة والمتكاملة العناصر والمقومات التقانيّة والفنيّة والدلاليّة.
