جلجلة أصوات ضرب المطرقة والأزميل لا تُسمع في صخب ناطحات السحاب، فهي المعاول والمطارق والأزاميل القديمة، التي يمسك بها العمال المهرة لكي يقوموا بترميم المباني التاريخية التي تصارع البقاء، وتصّر على حمل تجاعيد الزمن على جدرانها، وتحاكي الإنسان وتاريخه.
أشكال هندسية خلفها أسلافنا، لكنها لا تزال تتناغم مع حياتنا بعزف هارموني بين الأزميل والحجر، وملامسة رؤى الأجداد، وبساطتهم في البناء وحرصهم على إدخال الفن في بنائهم، جدران حروفية، رموز تاريخية ودينية، بيوت منحوتة، لا من الغرانيت أو المرمر أو الرخام، بل من الطين وسعف النخيل. مبان تحكي قصة الصمود في وجه الرياح العاتية والعواصف الرملية وغضب البحر، إنها دبي الغواصين وصيادي اللؤلؤ والنوخذة، وطائر الفلامنغو.
لا يعلم القارئ أن ثمة أيادي تعمل ليل نهار، وعقول تفكر وتصمم، وفريق عمل يحتوي مهندسين معماريين ومصممين ومراقبين، ونحو مائة عامل ماهر، هم جنود مجهولون يعملون ما وراء الستار، من أجل أن يظهروا المباني التاريخية المتهالكة بمظهر جميل.
مراقبة 200 مبنى تراثي
يقود فريق الترميم ذلك، المهندس يعقوب يوسف آل علي، رئيس فريق الورشة المركزية والصيانة في إدارة التراث العمراني بدبي. وتقع هذه الورشة في الشندغة المليئة بالأبنية التاريخية. وربما أول ما تبادر إلى الذهن أن نسأله عن البيوت التراثية المتواجدة في هذه البقعة، فأجاب: «كانت مهمة شاقة بالنسبة لنا، فقد تم إقناع الأهالي الساكنين هنا وتعويضهم لكي يخلوا لنا تلك المنازل، وقد دفعت الحكومة نحو 2 مليار درهم كتعويض للبيوت التراثية الكائنة في هذا المكان».
إن اهتمام حكومة دبي بالمباني التاريخية يعود إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، عندما تم حصر المباني التاريخية واستمر ذلك حتى عام 1991، عندما أنشئت وحدة لترميم المباني الأثرية، وتطورت لتصبح عام 1994، قسما خاصا للمباني التاريخية. ومن المعروف أن إدارة التراث العمراني متخصصة في مجال الترميم. وفي هذا الخصوص، يقول المهندس يعقوب: «نحن الوحيدون المؤهلون لصيانة المباني التاريخية، حيث يوجد لدينا أكثر من 200 مبنى تراثي في إمارة دبي. وهذا العدد في ازدياد لأن هناك مباني جديدة في طور البناء. وفي الحقيقة، يتركز عملنا على مهمتين:إعادة البناء والترميم».
وأضاف: «وأما عن كيفية إعادة بناء المباني التراثية، فيتم ذلك من خلال دراسة متأنية، يساعدنا فيها الأحفاد والأبناء الذين سكنوا في هذه البيوت أو هذه المناطق، ونحن لا نقدم على إعادة البناء ما لم تتوفر لدينا الإثباتات اللازمة من صور ووثائق. وعملية البناء بالمواد القديمة التي كانت تُستخدم في حينها، ولا نأخذ المواد الجديدة بنظر الاعتبار. ويتم بناؤها بالطرق القديمة، مثل استخدام الحجر القديم، المرجاني، وليس الطابوق، بل الحجر الصدفي، ومواد الجبس، والخشب والصاروج والنورة. ولا بد أن هذه العملية مترابطة مع بعضها. خاصة وأن إدارة التراث العمراني تقسم إلى أربعة أقسام، وهي: الدراسات/ التصميم/ التنفيذ/ التنمية».
لا تترك المباني التاريخية دون صيانة أو ترميم لفترة طويلة، ذلك لأنها سرعان ما تتأثر بعوامل الطبيعة والظروف المناخية. ويشرح المهندس المهندس يعقوب حول ذلك: «يتركز عملنا على مراقبة 200 مبنى تراثي، مرتين في العام. وقد قمنا بترميم نحو 90 مبنى في عام 2010. وهذه المباني تتعرض لعوامل وظروف مناخية صعبة، ولعل أهم ما يواجهنا في البناء القديم، تهديد الرطوبة، والحشرات «الأرضة» التي تأكل السقوف، فهي مكان مثالي لتجمع هذه الحشرات. وتوجد لدينا مبانٍ تعود ملكيتها إلى أربع مؤسسات:سياحة دبي، « ثقافية دبي»، الأوقاف، بلدية دبي. وأما المناطق التي توجد فيها المباني التراثية، فهي: الشندغة/ البستكية/ ديرة/ حتا».
ترميم الشندغة وصيانتها
لم تحظ دبي بلقبي لؤلؤة الخليج ودانة الدنيا جزافاً، فدبي ذات التراث العريق هي مدينة الماضي بكل عبقه وسحره. ودبي القديمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: الشندغة وبر دبي وديرة. ويفصل الخور بين بر دبي وبر ديرة، والشندغة على الجهة الغربية للخور. وكان يفصل بين الشندغة وبر دبي، حاجز رملي يدعى الغبيبة. وتطل منطقة الشندغة على مدخل خور دبي من جهة الجنوب، وتشـــرف على منفذ المدينة البحري وشريانها الحيوي، ويعود تاريخ إنشاء المنطقة إلى حوالي عام 1862م. فمن الطبيعي أن تقوم فيها عمليـــات الترميم، لأنها من أقدم الأماكن في دبي. وظهرت أهميتها التاريخية منذ أواخر القرن التاسع عشر. كما ظهرت الحاجة إلى تخطيط جديد للمدينة وإنشاء أحياء سكنية جديدة بسبب الزيادة في السكان. فأصبحت منطقة الشندغة تضم سكن العائلة الحاكمة ومعظم قبيلة بني ياس. وانتقــــل إليها المغفــــور له بإذن الله، الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتــــوم، في أواخر القرن التاسع عشر.
والمعروف أن هذه المنطقة شهدت اهتماما رسميا وحكوميا كبيرا، خلال السنوات الماضية، إضافة إلى مشاريع عديدة لترميم مبانيها التاريخية، وإعادة إنشاء المباني التاريخيـــة على عدة مراحل. وبلغ عدد مباني المنطقة 226 مبنى، موزعة على 62 استخداماً بين المساكن والمتاجر والأسواق وغيرها. ووضعت بلدية دبي خطة لإعادة الإنشاء والقيام بأعمال الترميم وتأهيل المباني، لتمارس فيها الحياة الطبيعية بشكل اعتيادي. ففي عام 1996 بدأت أعمال المرحلة الأولى، حيث شملت إحياء الممر الساحلي الواقع عليه مجموعة من المباني ذات القيمة التاريخية، وإعادة تأهيلها لوظائف معاصرة، ومنها بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وقريتي الغوص والتراث. وأيضا بيت الشيخ عبيد بن ثاني، إلى جانب العديد من المساجد التقليدية.
قريتا الغوص والتراث
وفي المرحلة الثانية، ومنذ عام 2005، أخذ يتولى قسم المباني التاريخية في بلدية دبي، مهام تنفيذ مشاريع الترميم للمباني. ومن أهم هذه المشروعات:السوق التقليدي، إعادة إنشاء بيت الشيخ حشر آل مكتوم. وهذا إلى جانب تصميم مشروع «الحديقة التراثية»، والتي تحتوي على مجموعة من الفعاليات والأنشطـــة التراثيـــة، بالإضافـــة لسلمطعـــم التراثي».
واستخدمت أيضاً لأغراض ثقافية واجتماعية واقتصادية، كالمتاحف والأسواق والمطاعم وغيرها. ولا تزال عمليات الترميم قائمة. وفي هذا الشأن يخبرنا المهندس يعقوب: «لا يمكن أن نتوقف عن العمل في المباني التاريخية، فهي بحاجة إلى صيانة مستمرة، لأنها الأكثر تعرضاً للتلف والخراب من الأبنية الحديثة».
وشملت عمليات تطوير المنطقة، ترميم بيت الشيخ جمعة بن مكتوم آل مكتوم، وهو يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة الشندغة التراثية، بجوار مسجد ابن زايد، على قطعة أرض تبلغ مساحتها 1085 متراً مربعاً. ويرجع تاريخ تشييده إلى عام1928.
بالإضافة إلى ترميم بيت الشيخ عبيد بن ثاني، ويقع في منتصف الجزء الشرقي من منطقة الشندغة، إلى الشمال من بيت المغفور له بإذن الله الشيخ سعيد آل مكتوم على قطعة ارض تبلغ مساحتها 1250 متراً مربعاً. وقد شيد المبنى في عام 1916. وتم إنشاء قريتي الغوص والتراث في الشندغة، لتوسيع مساحة الخدمات الترفيهية والثقافية بمنطقة الشندغة التراثية، بما يحقق التنمية السياحية الشاملة لتلك المنطقة، وذلك من خلال الإطار التقليدي للعمارة المحلية، وتحقيق البعد التراثي في مناطق التنمية السياحية في الإمارة والدولة.
بين ناطحات السحاب والمباني التاريخية
لا يمكن أن ننكر أن التكنولوجيا أثرت في تسهيل التطــــور العمراني السريع، ولكنها ساهمت في اختفاء العديد من المباني والمناطق الأثرية لإفساح المجال للطرق والمشـــروعات العامة وبناء الأبراج. ولكن دبي اختارت الطريق الصحيح في استشراف المستقبل والحفاظ على التراث في آن واحد. وفي الوقت الذي ترتفـــع فيه ناطحــــات السحـــاب في سمـــاء مدينـــة دبي، تعكف الإمارة على الحفاظ على مبانيها التاريخية وحماية تراثها القديم. لذلك سعت إلى ترميم منطقة البستكيـــة والشندغـــة والمدرســـة الاحمدية وسور دبي وحصن الفهيدي، وغيرها من المباني التي أصبحت الآن من المعالم البـــارزة في دبي. ولم يكــن من الممكن أن يحصل ذلك لولا توعيــة الجمهور والـــزوار بأهميـــة الحفـــاظ على هذه المرافــــق التاريخيـــة والمبـــاني التقليدية، وتعريفهــــم بأنواعهـــا وصفاتـــها الخاصـــة والمتميزة.
وتم ترميم عشرات البيوت التراثية المتميزة بأبراجها الهوائية «البراجيل»، وبزخارفها الجمالية في عام 1986، وتحول أحد هذه البيوت إلى متحف للصور والوثائق التاريخية لإمارة دبي. وكذلك ترميم حصن الفهيدي، الذي يعتبر من أقدم المباني التاريخيـــة، حيث شيد عام 1799، ويقع الحصن في مركز المدينة القديمة، واستخـــدم مقرا لسكن الحاكم حتى عام 1896. والحصـــن بنـــــاء ضخم ذو طابع دفــــاعي ترتكـــــز في أركانـــه ثلاثة أبراج دفاعية تقليدية. وتم ترميمــــه عام 1994، كما أعيد تأهيله ليصبح متحفا وطنيا لدبي في ما بعد، وإضافة إلى توسعة خاصة تحت الأرض.
