الطريق أو الدرب رمز من رموز اللقاء والتواصل الإنساني، ففي أحيان كثيرة طريق حياتنا تكون ممهدة، ممتدة، بلا تصاريح تحاور الإنسان، فيها يضيع منه الهدف ويغترب المكان، وطرق أخرى على أشواكها وأحجارها يسير. فالطريق عملة ذات وجهين، أحدهما طريق السلامة وتحديد الهدف، والآخر طريق الندامة حيث يضيع الإنسان والهدف معاً.
للطريق معانٍ ورموز وفلسفة حياة وثقافات شعوب، الطرق كالبشر هي، متقلبة، تقلبات مزاجياتهم، يوم يكون فيه الطريق ممتداً في سلام وأمان، وآخر تملأه أحجار الزمان وأشواك وحدود، وجبال رواسي بعدها لا طريق، أو شطآن لمسطحات مائية عملاقة، بعدها خط الأفق الفاصل بين البلاد التي فيها ربما يختلف معنى الطريق..
إنها قصة الإنسان فوق الأرض، وربما أيضاً في باطنها، حيث طرق مظلمة وتعاريج لا يعرف أسرارها إلاّ من يعملون فيها من مهندسين وعمال مناجم.
طريق البداية هو يوم أن يولد الإنسان، وطريق النهاية حين يشيعه الناس إلى مثواه في طريق ضيق تحت الأرضي، قبرٌ لا يفوته الإنسان إلاّ يوم الحساب.
حكايات الدروب
نظرة متأنية من علٍ، عندما يكون الإنسان على متن طائرة في طريقها للهبوط، فنجد خريطة طبيعية متعرجة، كتلك التي كانت تطلق أمامنا في حصة الجغرافيا التي من خلالها حددنا «طريقنا» أو هكذا توهمنا.
في العالم كله، داخل كل بلاده، طرق مميزة، كشعب هذه البلاد وسكانها، فما هي أهم الطرق التي يمكن أن تترك بصمة على وجداننا، وذكرى في دماغنا، ومكانة في حياتنا؟
طريق «الكباش» في الأقصر بمصر هو طريق ببصمة فرعونية، من أجلها يطير سياح العالم ليخطوا برحالهم عليه وفيه يتفقدون جزءاً من حضارة عمرها سبعة آلاف عام، بين الآثار، الذهول والعظمة ترتسم على وجوه الناظرين إليها، على جانبي الطريق تماثيل الكباش نحتها الفراعنة في عظمة يعجز العالم عن فك شفرتها وأسرارها.
وطريق الكباش بالأقصر يشهد حالياً حركة تطوير واسعة لتكون خطوة لتحويل الأقصر إلى متحف عالمي مفتوح، ووفقاً لما يوضح دكتور سيمر فرج محافظ الأقصر والدكتور زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في لقاء إعلامي تلفزيوني معهما يقولان ان الهدف هو تحويل الأقصر لمتحف عالمي مفتوح بعد عملية تطوير هائلة لإمكانية احتواء الطريق لأعداد متزايدة من السياح، وتطوير الطريق يتضمن ثلاث مراحل، الأولى هي عمل سور من الطوب اللبن يحمي الطريق من أي تعديات، والثانية أعمال الكشف والحفائر التي كشفت عن مجموعة كبيرة من التماثيل لأبو الهول، ليصل إجمالي هذه التماثيل إلى 650 تمثالاً، أعيد استخدام هذه التماثيل لتزيين اجزاء من طريق الكباش وتجميل المباني الخاصة بها. ويضم المكان أيضاً ــ ضمن الحفريات ــ وجهاً للمملكة كليوباترا السابعة (51 ـ 30) قبل الميلاد ما يؤكد أن هذه الملكة كان لها بعض المباني في العصر البلطمي.
ويوضح دكتور حواس أن كليوباترا زارت هذا المكان في رحلتها النيلية مع مارك أنطونيو.
وسينتهي الترميم والكشوفات الأثرية في طريق الكباش خلال شهر مارس 2011، وسيكون الافتتاح أسطورياً يليق بحضارة سبعة آلاف عام، حضارة فراعنة مصر.
طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، طريق ممتد من شارع الهرم وحتى نهاية الملاحات التي من بعدها تطل عروس المتوسط، ورذاذ البحر المحمل بعبق الملح يستقبل القادمين إليها، وطول طريق مصر الاسكندرية بعد العديد من التعديلات يصل إلى 300 كيلومتر، ولكن بقعة فنية مضيئة وسط الصحراء بطريق مصر الاسكندرية في الكيلو 175، متحف «النشار ــ زينب» وهما من رموز الحركة التشكيلية المصرية. عند مدخل المتحف الواضح من الطريق، تتناثر شتلات نادرة من الزرع، فتزيد هذه البقعة من الطريق جمالاً على جماله، فقد كان الفنان عبدالرحمن النشار وزوجته زينب السجيني يهويان الزراعة وتجميل الطرق بنباتات الصبار النادرة التي تحمل قسوة الصحراء.
وفي أحيان كثيرة يسافر الناس ورحلات الطلبة خصيصا إلى الكيلو 175 لزيارة المتحف العريق والاستمتاع بجمالياته الراقية، والذي يعرض كل أعمال الفنانين عبدالرحمن النشار وزوجته زينب السجيني، ويعتبر المتحف هذا مزاراً دائماً لطلبة الفنون الجميلة.
والمتحف له جماليات خاصة في العمارة أيضاً، وهو يثري الطريق الصحراوي لأهميته الفنية وخاصة لعشاق الفن التشكيلي ودارسيه، من أشهر اللوحات المعروضة فيه «لوحة مأساة» القدس للفنان عبدالرحمن النشار، ولوحة «الأمومة» ولوحة النساء ولوحة «المنظومة السحرية» ولوحة «إفريقيا البيضاء».
وقد نال الزوجان العديد من الجوائز المحلية والدولية منها جائزة الإعلان في بينالي الإسكندرية الثالث عام 1959 وغيرها من الجوائز.
أسماء ودلالات
والطريق والمتحف يكمل أحدهما الآخر لأن المسافرين من عشاق الفن يستمتعون بالامتداد الجميل للطريق وزيارتهم للمتحف.
وطريق آخر يربط القاهرة الكبرى بكل محافظاتها هو الطريق الزراعي، الذي يشق ريف مصر الأخضر بتدرجاته على جانبي الطريق، مزارع الذرة والقطن والخضراوات تطل في خصوبة أمدها بها ماء النيل وطميه الخصب، بيوت الفلاحين المبنية بالطوب الاحمر تطل من الأخضر فتكتمل جدارية الريف المصري المعروف بجودة محاصيله وجمالياته.
فلل أنيقة، هي بقايا من عائلات الإقطاع، الذي سيطر على الزراعة، فكان كل الرخاء. والجميل أن الطريق الزراعي السريع تسمى جوانب منه بأسماء العائلات الاقطاعية الارستقراطية، فنجد مزرعة «الغرباوي» التي يتوقف عندها معظم السيارات علي هذا الطريق لشراء الزبد الفلاحي الطبيعي والقشدة والفطير المشلتت، والحمام الذي تطل أبراجه على الطريق كله، فالطريق منظومة جمال وتاريخ له بصمة حتى الآن في مصر.
العديد من مصانع منتجات الألبان والعصائر على جانبي الطريق، وفي الصيف يقف صبية بملابس ملونة يبيعون التين في سلال من الخيزران وفاكهة «الكاكا» التي أدخلت حديثاً زراعتها في مصر. ولهذا كله والكثير أيضاً يسمى طريق القاهرة/ محافظات السريع باسم طريق الخير والرخاء. له نكهة مميزة خاصة جداً.
ومن المشاهد الطريفة على هذا الطريق، الذي يسير عليه النقل الثقيل محملاً بخيرات المزارع والحقول، يكتب على سيارات النقل العملاقة «طريق السلامة»، «طريق فُل».
ولا تزال على الطريق لنجد طريق الشيخ زايد الشريان الرئيسي الذي يصل مدينة دبي بالعاصمة أبوظبي، يشهد مشاريع عمرانية وحركة بناء كبيرة، تعكس شكل المعمار الأوروبي ومعمار جنوب شرق آسيا، ويمر الطريق بمنطقة جبل علي الصناعية والتجارية، وطريق الشيخ زايد يكتظ بالفنادق العالمية والمطاعم الراقية والمقاهي، وشركات عملاقة، كل ذلك يدخل في إطار سياحة رجال الأعمال.
حيث توجد به مراكز تجارية عملاقة، ميزت الشارع، وجعلت منه مزاراً عالمياً، الأمر الذي جعله واحداً من أكثر الشوارع ازدحاماً عالمياً، وربما هنا وكحل جيد أنشأت دائرة الطرق نظام «سالك»، وهو التعرفة المدفوعة، لقاء استخدام الطريق. يصل الطريق هذا حتى منطقة «سيح شعيب»، وهي النقطة الحدودية بين دبي وأبوظبي، وليكلمه شارع الشيخ مكتوم بن راشد حتى يصل إلى أبوظبي، والطريقان مناران بالكامل ولمسافة تقارب 160 كم وبأربعة مسارب على أدنى حد، تصل أحياناً على جانبي الطريق لستة مسارب في بعض المراحل منه.
الطرق في الغرب
هندسة فائقة التقنية والجودة والأمان، أبدعها الأوروبيون بسواعد كبار مهندسيهم المتخصصين في هندسة الطرق، من أهم الطرق السريعة في الغرب الأوروبي طريق «آوتو بان» الذي يربط بين الولايات الألمانية جميعها وبنيها وبين كل دول أوروبا، وترجع تسميته بهذا الاسم الألماني إلى معنى طريق السيارات السريعة كالقطار، طريق يتميز بتقنيات عالية تحفظ الأمن والأمان لكل مرتادي الطريق، وعند كل نصف كيلومتر منه هناك طرق فرعية على جانبي الطريق، لتمنع التكدسات المرورية، خاصة في الشتاء الأوروبي الذي يكتسي بالثلج والجليد.
ينار بإضاءة عالية جداً، ويكتظ بلافتات عملاقة وخرائط لمن لا يعرف المنطقة من السياح والمقيمين على الأراضي الأوروبية من جنسيات مختلفة. اتباع نظم المرور ميثاق لهذه الطرق، ولا أحد يجرؤ على تجاوزها، والعقوبة سحب السيارة ورخص القيادة ومساءلة السائق، وفي المساء وقرب الفجر تنثر سيارات خاصة الملح الخشن المعالج، وذلك في الشتاء أثناء هطول الأمطار والثلوج.
تموجات لونية يطل بها الربيع على جانبي «الآوتو بان» عاكسة حقول الذرة الذهبية، وأشجار الفواكه، وفي بعض المناطق تطل الأشجار الصنوبرية الأوراق من مناطق الغابات والطريف أنه في الربيع سكان الغابات من السناجب العملاقة وبعض أنواع الدببة الأليفة تخرج إلى الطريق، وكأنها تنتظر «توصيلة» على طريقة «الأوتوستوب» وهناك حراس مسلحون في كل مكان تحسباً لأي حادثة قد تتسبب فيها حيوانات الغابة. أجزاء من طريق «الآوتو ــ بان» في المناطق الألمانية نُحتت في الجبال بعبقرية لا حدود لها، الطائرات المروحية تطوف في الأعلى لفض أي مشاكل مرورية أو حوادث.
ــ وهي نادرة ـــ وهذه الطائرات ضمن الشرطة الألمانية، وهذه الخدمات الأمنية موجودة على امتداد الطريق السريع، الذي يربط العواصم الأوروبية جميعها، لا حدود في ما بينها، ولا جنود يقلبون في أوراق رسمية، ولا أحد يقف إلا إذا كان مضطراً يطلب الإغاثة لسبب أو لآخر.
طريق الشانزليزيه، يجسد روعة الجمال والأناقة الفرنسية، في عاصمة النور والعطور والثقافة ومقاهي الأرصفة و«الكافية أو ليه»، وهي القهوة الفرنسية بالحليب مع «الميل فوي» و«الكرواسون» مقاهي ومطاعم ومحال تجارية على جانبي واحد من أجمل شوارع العالم السياحية.
طريق كورنيش موناكو تحفة فرنسية بعبق العطور، يطل على المتوسط، يعج بالسياح، فيه العديد من أفخم مطاعم وفنادق العالم «رنيسي» هو البوابة الوحيدة للوصول إلى مونت كارلو، حيث لا يوجد بها مطار. وإذا كانت الطرق على امتداد عواصم العالم هي الرابط الرئيس في ما بين مدينة وأخرى، أو حي بآخر، فسيظل للطرق بعدها الإنساني داخل كل من يستشعر بين ضلوعة قلباً ينبض.
