تاريخ البدو كنز كبير يستحق الدراسة. والبدو في سوريا هم الجماعات التي لم تستقر أو ترتبط بالأرض، ويبدو أنهم سيستمرون على حياتهم هذه لقرون طويلة قادمة. وتعتبر المنطقة الجنوبية من شبه الجزيرة العربية موطنهم الأول، وترتبط حياتهم بالجمل إلى درجة جعلت البدوي يتساءل إذا كان خُلق الجمل لأجله أو هو خلق من أجل الجمل .

 

تتألف بلاد البدو من المناطق الصحراوية التي لا يمكن إرواؤها، عدا بعض الواحات الواقعة هنا وهناك، وتحتوي على ثلاثة أنهار رئيسية، وهي نهر الفرات ورافديه الخابور والبليخ. وقد استفاد البدو في قديم الزمان من مياه هذه الأنهار أكثر من خلفائهم الحاليين، وتدلنا على ذلك خرائب المدن العديدة على ضفتي الفرات.

ويمتاز مناخ بلاد البدو بالتطرف، لأنه بارد جدّاً شتاء وقائظ صيفاً، ولا يمكن العيش في هذه البلاد سوى في شهري مارس وابريل من فصل الربيع، وشهري تشرين الثاني وكانون الأول من فصل الخريف، ومع ذلك يقطن البدوي في هذه الصحراء مع جمله وأغنامه.

البدوي هو الإنسان البدائي الذي لا يختلط بشعوب أخرى، وقد حافظ على عادات أجداده في الشهامة والبسالة والحرص على الشرف وعادات الضيافة، ولكن إلى جانب هذه الخصال، فإن للبدوي بعض الطباع والعادات السلبية اللافتة للنظر، فهو رجل طمّاع وظالم وفوضوي، يصحّ عنه القول المأثور:

 «إن من يضع أمله عند البدو يشبه الإنسان الذي يرغب ببناء دار على سطح الماء». ومعروف عن البدوي أنه صغير الجسم، نحيف، جلده داكن بسبب الشمس، ذو عينين يقظتيّن، يكتفي بالقليل، ينجب أولاداً عديدين، فترى المرأة البدوية تمسك طفلاً بيد وتحمل على ظهرها طفلاً أو اثنين، وهي في الوقت ذاته تحمل في بطنها طفلاً، والأم معرضة دائماً للأشغال الشاقة في فترة الحمل والولادة، فهي تعود إلى عملها المضني بعد ولادتها بساعات، أو بعد يوم أو يومين على الأكثر.

 

نشيط صلب الأعصاب

ومعلومات البدوي عن الوقت قليلة، ولا يهتم بالساعة تقريباً، ويومه مقسّم إلى الفجر وشروق الشمس والظهر والعصر والمغرب والعشاء. وهو نشيط صلب الأعصاب، وعندما يمرض لا يعلم المرء هل يشكو من ألم في رأسه أو سيدفن بعد قليل. ولا يقصّ شعره، بل تتدلّى ضفيرتان على جانبي رأسه، ويكون شاربه على الطراز الأوروبي، واللحية على شكل طوق وشعره أسود اللون، خشن لامع.

 

صفات المرأة البدوية

وأما النساء فإنهن أكثر عزماً وأصغر حجماً وأدق ملامحاً من الرجال، ويكون شعرهن قصيراً وأسود اللون، ويصلن إلى مرحلة البلوغ بين سن ‬11- ‬13 من عمرهن. وتأتي مرتبة المرأة عند البدوي بعد أغنامه وجماله، وأولاده يودّهم بالقدر الذي يمكن لهم أن يساعدوه في حياته.

يرتدي البدوي ثوباً طويلاً بأكمام عريضة يسمونه «الزبون» وهو مفتوح من الأمام، ويضع زناراً جلدياً يدعى «المحزم» يحتوي على جيوب صغيرة يخفي البدوي فيه نقوده الذهبية، وفيه صف من الطلقات، يبقى على جسمه حتى وهو نائم، ويرتدي البدوي صدرية زرقاء داكنة، مقصّبة من الأمام ومن أطرافها السفلية بخيوط الفضة والذهب، ويضع عباءة على كتفه.

وهي عبارة عن قماشة مربعة ومحبوكة بوبر الجمال، ويلقي الزعماء على أكتافهم عباءات من حرير أيام الأعياد، ويستخدمون الكوفية غطاء للرأس، ويضعون على رأسهم «عكالاً» مصنوعاً من شعر الماعز. ويرتدي البدوي هذه الثياب في الشتاء أيضاً، عدا العباءة، فهو يستعمل «الفروة» التي هي عبارة عن معطف عريض وطويل من جلد الأغنام.

بحيث يكون الصوف من الجهة الداخلية، ويمكن استخدام العباءة في الصيف والفروة في الشتاء كفراش، لأن البدوي لا ينام على فراش، ما عدا الأغنياء الذين يملكون الفرش واللحف. ويستخدم البدو «اللباد» الأسمر السميك، المزين برسومات سوداء كغطاء للأرض التي يجلسون عليها.

 

لباس البدوية

تشبه ثياب البدوية ثياب الرجال، ولكنها أطول، وهي زرقاء داكنة، وتغطي رأسها بقطعة قماش سوداء، تثبتها على رأسها بمنديل حريري ملوّن، وللنساء فروة وعباءة أيضاً، لكنهن لا يستخدمنها إلا في فصل الشتاء، وينتعلن «جزمة» صفراء في أرجلهن، ومن الأشياء النسائية الخاصة «الهودج» الذي يوضع على الجمل، وتجلس فيه البدوية أثناء الانتقال من مكان إلى آخر.

 

المطبخ البدوي

يتميز مطبخ البدوية بأنه بسيط جداً، يحتوي على الفأس لقلع جذور النباتات والتحطيب لتحضير نار الطبخ، وهناك «الصاج» المصنوع من الحديد لتجهيز الخبز، وقدور نحاسية تتناسب أحجامها مع مساحة الخيمة، و«طشت» وصحون عميقة يقدمون فيها الطعام و«دلات» القهوة المرة وأباريق الشاي وغيرها. وتتطابق بساطة صحون البدو مع غذائهم البسيط الذي هو عبارة عن الخبز المدهون بالسمن مع اللبن والفريكة التي يقومون بتجهيزها قبل الحصاد، وأسلحة البدو بدائية، وهي الرمح والقوس والسهام، لكن تغيرت أحوالهم اليوم بسبب اقتنائهم لأحدث الأسلحة.

 

طقوس وعادات وأعراف

تتزوج الفتاة البدوية بعد سنّ البلوغ، وتذهب لتعيش في بيت زوجها، بينما تنصب خيمة خاصة لزواج الصبيان، وتتشكل البطون من العائلات التي ترتبط بصلات القرابة والدّم، ويخضعون لزعيم واحد، وعندما تتعرض هذه الجماعات للغزو، يلبي البدوي حاجة الدفاع عنها، لأنه يعلم جيداً أنه بدوره يمكن أن يتعرض لذلك الغزو، وحين يقتل واحد ما من قبيلة أخرى.

فإن الواجب يفرض على الجميع المساعدة في دفع «دية الدم» حتى الجد الخامس. وعلاقات القبائل السياسية والإدارية ضعيفة جداً، لأنها مسؤولة أمام زعيم العشيرة، ووحدتها مرتبطة بقوته ومكانته، ومنصب زعيم العشيرة ليس وراثياً، وعندما يشعر الزعيم بدنو أجله يعين خلفاً له، شريطة استشارة القبيلة في ذلك، وقد يكون الزعيم من عائلة أخرى، ولكن يحق لزعيم العشيرة إعلان الحرب أو عقد معاهدة سلام.

ولا يحتاج البدوي إلى كنية في المحيط الذي يعيش فيه، لأنه معروف من قبل الجميع، ولكنه غريب بالكامل خارج عشيرته، ويعرف البدوي باسمه الممنوح لـه بعد الولادة، ويعطونه اسم الأب، ويضعون كلمة «ابن» قبله على هذا الشكل «أحمد بن الحسين». وعدا الأسماء الأصلية ينعت البدو بعضهم بعضاً بأسماء الحيوانات والنباتات والمواقع الجغرافية، مثل: صقر وصخر وسهل.

 

الزواج البدوي

كما عند جميع المسلمين، يدفع الرجل مهرا ليتزوج من المرأة التي يريدها. ويتميز البدوي بأنه متعدد الزوجات وفق منحى يمكنه طلاق زوجته بكل بساطة، والبائنة التي يدفعها الرجل عند طلب يد الفتاة، هي ضمانة لها عندما يتخلى عنها، أما إذا طلبت المرأة الطلاق فلا يحق لها أن تطالب بأي مبلغ أو تعويض، وعندما يتقدّم شاب بدوي لطلب يد الفتاة، فإن اهتمام الأب ينصبّ أكثر على قدرات عريس المستقبل النفسية والشهرة التي يتمتع بها ضمن القبيلة. ولا يأخذ الأب رأي ابنته بالشاب الذي يريد الفتاة له.

وعادة تعدّد الزوجات أمر مفروض على البدوي انطلاقاً من قوانين الطبيعة، فالأب بحاجة إلى مزيد من الذكور من أجل العمل أو للتعويض عن المقتولين في المعارك بين القبائل المتخاصمة.

ويقوم الأهل بتجهيز كمية النقود التي جمعها الشاب العريس مع أقربائه، ويحضرون إلى بيت العروس، وفي جوّ من المرح والزغاريد يقودون العريس خلف الستار حيث تنتظر العروس، ويرقص البدو في وادي نهر الفرات ساعات طويلة رقصة جماعية، تسمّى «الدبكة»، وذلك بشبك الأيادي بعضها ببعض. وعادة ما يكون المهر من رؤوس الغنم أو الجمال، ويقدمه العريس لوالد عروسه، وعندما تكون الفتاة جميلة يكون مهرها غالياً.

وعملية الطلاق سهلة عند البدو، يكفي أن يحلف عليها بالطلاق ليتم هجرها، لكنه يندم على فعلته، لأنها ستكلفه غالياً ( من تعويضات وتأمين المأكل والملبس، لها ولأولادها )، لذلك يندم على فعلته ويعتذر علناً ويطلب إعادتها إليه.

وتشاهد بعض حالات الخيانة الزوجية، على قلتها، وعند ذلك يقوم الرجل بقتل زوجته غير الأمينة، مع جنينها، إن كانت حاملاً، أو مع الطفل الذي ولدته ويهجر القبيلة نهائياً.

ويعتنق جميع البدو الإسلام، وهم يؤمنون بالإله الواحد وبرسوله النبي محمد صلى عليه وسلم، ويصلي البدوي، ويمنح الصدقة ويصوم ويذهب إلى الحج، وإلى ذلك يغتسل البدوي ويقوم بتطهير أولاده الذكور، ويقدم الذبائح، ولا وجود لطقوس دفن دينية في حياة البدو. وكذلك أيضاً في الأفراح. ويدفن البدو موتاهم في حفرة سطحية، لذلك تتحول تلك الجثث في معظم الأحيان إلى فرائس للذئاب وابن آوى.