هناك عامل مشترك بين دولاب أي رجل وامرأة، وهو بنطال الجينز. ولكن لهذا البنطلون أسراره، فمن أين أتت كلمة جينز؟ وما هي حكايته؟ ومتى ظهر؟ ولماذا استعار زرقة البحر؟ واللافت أنه على الرغم من أن وصول بنطلون الجينز إلينا، استغرق سنوات طويلة، إلا انه لم يغير من خصوصياته التي جعلت منه اللباس العالمي بدون منازع. أسئلة أخرى تجعلنا نغوص في أسرار هذا البنطلون الذي يلبسه الفقراء والأغنياء على السواء.
انتقل الجينز إلى أميركا مع بعض البحارة الايطاليين الذين اعتادوا على الأقمشة الفرنسية إلى مدينة جنوة، ومنها اشتقوا الكلمة. ومع انتشار تجارة العبيد في القرن الثامن عشر، كان عمال مزارع القطن يقومون بارتدائه، نظرا لقدرة هذا النسيج على التحمل. وفي القرن التاسع عشر ارتدى عمال مناجم كاليفورنيا الجينز، وبدأت شركة «شتراوس ليفي» في إنتاجه. وفي الثلاثينيات من القرن الأخير ازداد الإقبال على الجينز بعد إنتاج أفلام رعاة البقر في السينما الغربية. وفي الأربعينيات انتشر نتيجة للحرب العالمية الثانية وظهرت شركات منافسه. وفي الخمسينيات أصبح رمز التمرد للشباب المراهق، خاصة بعد عرض فيلم جيمس دين «متمردون بلا سبب»، مما اضطر بعض المدارس إلى حظر ارتدائه. وفي الستينيات والسبعينيات انتشرت أنماط جديدة من الجينز كالتطريز والرسومات. وخلال الثمانينيات والتسعينيات استحدث الشباب أساليب جديدة وأقمشة مختلفة. ومع الألفية الجديدة، انفجرت ثورة الجينز في بيوت الأزياء العالمية، مثل: «فرساتشي»، «ديور»، «دولتشي أند جابانا»، «شانيل».
لماذا اللون الأزرق؟
تُعتبر الصبغة ذات اللون الأزرق النيلي، أهم صبغه طبيعيه عرفها التاريخ، وهي مرتبطة بالملابس العملية نظرا لأنها باللون النيلي، فلا تحتاج إلى تكرار عملية الغسيل، إلى أن تم إدخال الصبغات الصناعية في أواخر القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى استحداث أساليب جديدة.
ومنذ ذلك الوقت، أي القرن الثامن عشر، وإلى يومنا هذا، استطاع بنطلون الجينز اكتساح العالم بأسره ليصبح علامة العمل والأناقة والتميز أيضاً، فاهتمت به دور الموضة العالمية «الهوت كوتير»، فأضافت إليه الكثير من القصات الجديدة والإكسسوارات الثمينة. كما استحدثت أخيرا موضة خاصة به: بـ «الجينز البيئي» الذي يُصنع من زراعة القطن.
مراحل
تأتي قوة قماش الجينز من خيوطه المنسوجة والتي تم إخضاعها لفتل وبرم قويين، كوّنه نسيجا دقيقا وقويا من الخيوط المبرومة والمتماسكة بينها. وكانت عملية برم الخيوط في بداية الجينز تتم يدويا بواسطة قضيب أو سيخ. لكنها الآن تتم بواسطة محرك آلي. وأما بالنسبة للون الأزرق فيحصل عليه بعد أن يتم نقع الخيوط سبع مرات وسط حوض مملوء بسائل أزرق اللون، أو ما يسمى بـ «النيلي»، والذي تحول إلى لون اصطناعي بعد أن كان لونا طبيعيا.
وفي هذا الخصوص، يقول «دومينيك لانسان» مدير شركة «ريكا لويس» المعنية بانتاج «الجينزات»: «إن من خصائص هذه الصبغة الجديدة أنها لا تتغلغل في عمق الخيط بل تقتصر على سطحه فقط. ولهذا فهي تندثر رويدا رويدا مع عملية الغسيل. وهناك خصوصية أخرى لهذا الثوب وهي قابليته للتقلص، ما يضطر المصمم إلى القيام بمرحلة عمل إضافية، كي يضبط فيها قيمة هذا التقلص بالسنتيمترات، فيقوم بغسل متر مربع من ثوب الجينز فيحسب مدى قدرة الثوب على الانكماش والتقلص، قبل أن يقطع نموذج البنطلون، وهذا مع العلم أن بنطلون الجينز القادم من ايطاليا أو اسبانيا، لا يتغير حجمه».
تطور
قبل أن يصل البنطلون إلى المستهلك، فانه يمّر عبر مراحل كثيرة وعديدة على خلاف الملابس الأخرى. فبعد عملية خياطة البنطلون يتم جمع 15 بنطلون ليتم تمشيطها بطريقة يدوية، من أجل تخفيف سطح الجينز، وتأتي بعدها مرحلة «الترطيب» التي تتم يدويا، وكذلك بواسطة رشاش يضفي لمسة القدم في بعض الأماكن من البنطلون، مع إضافة بعض الثنايا والطيات التي توحي بـ «اتلاف» أماكن من البنطلون، باستعمال آلة حديدية. وبعدها تأتي مرحلة التنظيف بواسطة آلات غسل ضخمة: توضع كل البنطلونات للغسيل لتصبح أكثر طراوة. وقد ظهرت، ابتداء من السبعينيات، تقنية جديدة في هذا الشأن، وهي غسل الجينز بواسطة الحجر، والتي أضيفت إليها بعض المواد الكيماوية في سنوات التسعينيات، وهي ما تُسمى بـ «أنزيمات الغسل». وبعد أن يتم غسل البنطلون يمر عبر يد آخر خياط كي يكمل الأعمال النهائية والتي تتمثل في ضبط جوانب الجيوب، أو وضع آخر الشقوق بواسطة موسى حاد. والآن أصبح الليزر يستعمل لوضع بعض الخطوط لسحب اللون، لكن هذه الطريقة تعطي نتائج غير طبيعية على خلاف الطريقة اليدوية.وأصبحت بعض الجمعيات تروّج أن الجينز يشكل كارثة بيئية لما تستهلكه زراعة القطن من مواد مقاومة للطفيليات. وكذلك ما تخلفه عملية غسل الجينز من تلوث للطبيعة، ومن هدر للطاقة بسبب المسافات التي تقطعها عملية إيصال الجينز من بلد إلى آخر، وأحيانا من قارة لأخرى. وأما عن البنطلون الجينز الأكثر صلابة، فقد صمم من أجل راكبي الدراجات النارية، وسر صلابته هي مادة كيماوية، حيث إن الخيط يبقى من قطن لكنه يشمل في وسطه مادة تدعى» البولييتيلين» التي تحتوي على ألياف تعد أقوى الألياف حاليا، وهي التي تدخل في صناعة الأسلحة والمركبات الفضائية.
الجينز.. من أشرعة السفن
بدأت قصة الجينز تحديدا في القرن التاسع عشر، حيث كان يعيش شاب ألماني يعمل بائعا متجولا، واسمه ليفى شتراوس، في ولاية كاليفورنيا الأميركية عام 1843. وكان زبائنه من العمال الفقراء من الذين يعملون بالمناجم، أو من البحارة الصيادين. وكان ليفى يبيع الأقمشة التي تصلح لعمل الملابس. كما كان يبيع الأقمشة الخاصة بصناعة أشرعة المراكب والسفن. ثم بدأ عمال المناجم يشكون من أن ملابسهم تتمزق وتبلى سريعا بسبب طبيعة عملهم. وفى يوم عرضت زوجة أحد العمال، وكان لديها ستة أبناء يعملون جميعا بالمناجم، عرضت على ليفى شراء القماش الخاص بصناعة الأشرعة، وذلك بعد ما شكت من تمزق بناطيل أبنائها عقب فترة قصيرة من ارتدائها. ولمعت هذه الفكرة بسرعة في رأس ليفى فأتفق مع حائك على حياكة بناطيل للعمال من القماش الأزرق السميك المخصص للأشرعة. واستخدم الحائك خيوطا تتناسب مع سُمك القماش، فباع ليفى كل البناطيل. وبعد نجاح تجربة القماش السميك، طلب ليفى شحنة أخرى من القماش نفسه، وعندما وصلت السفينة القادمة من جنوة بايطاليا اكتشف ليفى وهو يتسلم الشحنة أنها ناقصة وذلك بسبب أن بحارة السفينة (كانوا يعرفون باسم الجينز، نسبة إلى جنوة)، قاموا بصنع بناطيل من هذا القماش لتتحمل عملهم الشاق على السفينة.وعندما استرد ليفى هذه البناطيل، أخذ يصيح على العمال لبيعها: «بناطيل..الجينز» وهكذا أطلق عليها بعد ذلك «الجينز» عندئذ أنشأ ليفي مصنعا خاصا بها. وكانت مصانع» ليفي» هي أول من صنعت هذه البناطيل لكثرة استخدامها من قبل رعاة البقر وعمال المناجم وعمال حقول البترول..وانتشر الجينز بكثرة في فترة الستينيات عندما انفجرت ثورة «الهيبيز» وأصبح الزي الرسمي للشباب. ثم تطورت الموديلات وذاع صيت الجينز في العالم كله. ولم يعد مقصورا على البنطلونات فقط، بل والحقائب والأحذية وبألوان مختلفة. كما ظهرت الماركات العالمية التي أخذت تنافس بعضها، وبالتالي ارتفع سعر الجينز بعد أن كان مقصورا على طبقة العمال فقط.
حداثة
كان سحر الجينز في نهاية الستينيات أخاذا بشكل لا يصدق، لدرجة أن الرغبة في عرض الجسد من جانب، والتسليم بعفوية السلوك البشري من جانب آخر، تدافعا بشكل كبير لزحزحة الحاجز الأيديولوجي الذي راهن على محاربة الرغبة الاستهلاكية بالتقتير والمحاصرة. ولقد كانت صورة الجينز من خلال الأجساد المشدودة تؤدي فعلها من خلال الإعلان والإعلام، وتحفر في أساس البناءات المنطقية التي أرادت مخاطبة العقل وتغذيته لمقاومة الرغبة العارمة. ومرة أخرى كان الصراع يدور بين الرغبة والعقل، ولكنه يدور في داخل حلقة واسعة هي عالم الحداثة. وتوالت الأسئلة:
ألم يكن الجينز يتمرّد على الكفاية الرسمية أو المهذبة في الملبس والحركة؟ ألم يكن نافيا للسكون ورافضا للكسل الجسدي والترهل؟ ألا تراه يتنزل في أجساد مرصوصة؟ ألم يكن ينقل الإنسان والشباب تحديدا من الداخل المنزلي والمجلس المهذب إلى الشارع؟
وأيضا حتى داخل المنزل، ألا يتكرر صورة في (المطبخ) و (الحديقة) و(الحقل الصغير) أمام المنازل أو خلفها؟ ألا تراه يعرض بوضوح عند سيارة جديدة؟
وهكذا أصبح الجينز، في الواقع، أحد محركات ما بعد الحداثة، بمعنى أنه حطمت صناعته وموضته العازل ما بين الفن والحياة اليومية، وقضى على التمييز التراتبي ما بين الثقافة الرفيعة والدونية أو الشعبية. وإزاء هذا الاكتظاظ بالصور والإعلانات والرسائل والمعروضات يصعب الادعاء بإمكانية تنامي العبقرية الواحدة الأصيلة. وحتى الأدب، شعرا ورواية، استميل إلى هذه الملصقات، واستعان بها. ولم يبق أحد بمنأى عنها.
