بتطلع وشوق غير مسبوقين كانت الصغيرة ابنة السنوات التسع تنتظر حصة الأدب الألماني، لتستمع إلى أجمل حكايات الأخوين غريم، وهما أديبان ألمانيان.

وكانت مدرّسة الأدب الألماني بالمدرسة الألمانية العريقة بالقاهرة، تلاحظ عشق الصغيرة لهذه المادة، فما كان منها إلا أن تترك مقعدها على منصة أمام طالبات الصف، وتجلس فوق «الدُرج» الذي تقعد على كرسيه العاشقة الصغيرة للأخوين غريم، وخاصة في كتابتهما حول مغامرات «هانزل وجرتيل»، اللذين فقدا طريقهما داخل الغابة السوداء في ألمانيا، التي تعد من أشهر الغابات العالمية.

كان هانزل وأخته جرتيل يعيشان في كوخ صغير مع جدتهما في فصل الربيع على حدود الغابة السوداء، وفي يوم، ملأ كل منهما جيوبه بحبات الذرة الذهبية، التي يلقيانها وراءهما كلما توغلا داخل الغابة، مندفعين بفضول المكتشفين، على إنهما في طريق عودتهما يتبعان حبات الذروة، حتى لا يضيع منهما الطريق.

ولكن غراباً أسود كان يرمق حبات الذرة الذهبية من فوق شجرة عملاقة في الغابة السوداء فطار وحط برحاله على الأرض ليلتقط حبات الذرة واكتشف الصغيران ذلك، فضلا طريقهما بين أشجار متشابكة في الغابة السوداء، هنا يدق جرس المدرسة معلناً انتهاء الحصة التي تنتظرها عاشقة الأدب الألماني الصغيرة، حتى أكملت المدرسة الحكاية، التي انتهت برجوعهما للكوخ الصغير برعاية أناس يتجولون في الغابة.

كبرت الصغيرة، وذهبت مع أهلها لألمانيا، وذهبت بنفسها للغابة السوداء، وكأنها كتاب الأخوين جريم، كما وصفته المدرسة، كل ما ينقص الشابة الجميلة هي حبات الذرة.

أجمل غابات العالم

كبرت أكثر، وذهبت لكندا لإكمال دراستها الإعلامية، وجاء سكنها داخل مجمع سكن الطالبات المطل على المحيط العملاق ورقعة كبيرة من غابات كندية متشابكة، ترمقها كل يوم، عندما تطل من نافذة حجرتها، فيزداد عشقها للغابات، وزادها عشقاً مشهد المحيط، ذلك المسطح المائي الهادر في جبروت مخيف وجماليات تقرأ من بين أمواجه.

وللغابات قصص كثيرة، ولكن ما هي الغابات التي تكتسي معظم دول الغرب بها؟ هي قصة تروى، معاً نستمتع بها، ونسبح لله عز وجل في خلقه المعجز للعالم.

الغابات مساحات ممتدة، متشابكة الأطراف من الأعلى غنية بالحياة النباتية، وخاصة الأشجار الكثيفة، فهي مساحة الأخضر بكل تدرجاته يمتد على مساحات شاسعة، تنوع الغابات، وتختلف أنواعها حسب اختلاف الأشجار والنباتات، تسكنها حيوانات متنوعة بين الأليفة والشرسة.

وطيور عملاقة وأخرى جميلة، صغيرة، تخفف من الصدمة الأولى التي ربما يشعر بها بعض زوار وسياح هذه المناطق متشابكة الأشجار، فصوت العصافير مع الشعاع الأول للشمس الذي يحاول بكل ما يمتلك من قوة أن يمر فيما بين غصون الأشجار المتشابكة، لينعكس على الأرض، معلناً يوماً جديداً على مخلوقات الغابة.

من أجمل غابات العالم، غابات ألمانيا المعروفة باسم الغابة السوداء وبالألمانية «شتارتس قالد»؟ وسميت بهذا الاسم لكثافة أشجارها المتشابكة، التي توحي بالظلام الأسود، تطل منها حيوانات أليفه، كالسنجاب الذي يخرج من بين الأشجار ومعلناً انتهاء البيات الشتوي، ويهلك لقدوم الربيع، والدببة الأليفة تطل بعد نعاس دام لنصف عام، وماذا أيضاً؟

طريق بالغابات الألمانية يعرف باسم طريق النمور، وهو طريق غير ممهد ممتد في أنحاء الغابة التي تقل نسبياً فيها تشابك الأشجار، تمر منها النمور، وكأنها تمتلكه، وطريق النمور هذا في عمق الغابة فقط، مؤمن الكترونياً وبه كاميرات، خلال ثوانٍ من استشعار الخطر يطلق على النمر الطموح في الخرج من الغابة، رصاصة من حراس مدربين على تأمين الغابات، يرتدون ملابس واقعية ضد المخاطر وسياراتهم مصفحة.

غابات الأمازون سحر رائع في أميركا الجنوبية، وتحديداً في البرازيل، وهي من أكثر غابات العالم جمالاً طبيعياً، وأحد شعراء البرازيل يقول عن غابات الأمازون: «إذا أردت علاج أمراض التنفس، فأذهب إلى الأمازون»، وقد أثبت العلماء ان ‬43٪ من الأكسجين في العالم ينبع من هذه الغابات، وقد ظهر ذلك من خلال شفاء العديد من مرض الجهاز التنفسي بعد دخولهم للغابات هذه بنصف ساعة فقط، ومن هنا يطلق عليها خبراء البيئة «الرئة الطبيعية للعالم كله».

الغابات الكندية، التي تعانق أطراف المحيط، تعد من أجمل غابات العالم، سكانها من السناجب الكبيرة ذات اللون البرتقالي والذيل كثيف الشعر العملاق، وعيون تلتمع بذكاء خاص بعالم الحيوان، والباندا ــ كحيلة العيون ــ من سكان الغابات الكندية أيضاً، وتستمتع بحس اجتماعي كبير.

ففي أحيان كثيرة تتخطى حدودهما داخل الغابة في مغازلة لسكان المكان من البشر، الذين يبادلونها المغازلة ولكن عن بُعد، لأن ردود أفعالها غير متوقعة، فالباندا حيوان متقلب المزاجيات، لا تهدئه سوى أغصان من الخيزوران، التي أثبتت الدراسات أن بها مادة مهدئة، ربما من هنا وصف هذا الحيوان ــ الباندا ــ بأنه كسول وخامل.

ولا تقتصر أهمية الغابات على جمالياتها وجذبها السياحي الكبير، وإنما ترجع أهميتها أيضاً إلى أنها تخلص البيئة من التلوث، بالإضافة إلى امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأكسجين في الأجواء، فضلاً عن أن لها دوراً طبيعياً، كبيراً للحفاظ على سكانها من الحيوانات المختلفة من الانقراض، وتحمي ينابيع المياه التي توجد بها أحياناً تحافظ على استقرار الجبال.

كما إنها ــ كبساط أخضر ممتد على الأرض ومرفع أيضاً في شكل أشجار كثيفة متشابكة، تساهم في مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري، وتساعد أيضاً على التنوع البيولوجي من حيوانات ونباتات نادرة، وعلى المستوى الاقتصادي فهي مهمة كمصدر للطاقة والمواد الخام.

وبرغم كل جمالياتها الطبيعية، وأهمية الغابات للإنسان والعالم كله، إلا أنها تتعرض للتدهور المستمر، ففي الفترة ما بين عامي ‬1990 ـــ ‬1995 وصلت نسبة الفاقد من الغابات في العالم إلى حوالي ‬112,600 كم مربع، ولكن الغابات الحدودية (التي تقع على حدود البلاد المختلفة) مازالت صامدة ضد التدهور.ومتطلبات التوسع السكاني والاحتياج لأخشاب الأشجار.

بالإضافة للسياسات الخاطئة لبعض الحكومات في تدهور الغابات وانكماشها، وإقامة المباني، يطيح بهذه الغابات الطبيعية التي تعتبر رئة العالم.وفي حالة تدهور بعض مناطق الغابات في العالم تتحول إلى سافانا في البلدان المدارية، واستبس في البلدان المعتدلة، وفي حالة انقراضها يتحول المكان لمسطح عشبي عملاق فيه تتوه الحيوانات وتكون عُرضة للانقراض.

وتضيع الجماليات وأهمية تواجد الغابات التي تحول الطاقة الشمسية إلى طاقة متجددة ومكدسة على شكل أشجار دون جهد إنسان ويستخدم الخشب من الغابات في الاقتصاد مثل صناعة الأثاث والبواخر والمراكب والمنازل وغيرها من الأشجار العملاقة، والأفرع من الأشجار تستخدم لغرض التدفئة.

أنواعها

وتتنوع أنواع الغابات بين الغابات الاستوائية، وتقع معظمها في الدول النامية، وهذه النوعية من الغابات تعاني من التدهور الكبير، لاستغلالها بشكل سيئ غير مدروس.

وهناك أيضاً الغابات المدارية والمعتدلة والشمالية، ونسبة تدهور الغابات، بصفة عامة، ترجع لنسبة رقي البلدان التي تقع فيها هذه الغابات المختلفة.والعدو الثاني للغابات بعد استغلال الإنسان لها استغلالاً سيئاً، هو حرائق الغابات التي توصف بأنها من الكوارث البيئية المخيفة، وهي كارثة أجيال مقبلة لأن الحرائق مستمرة وعلى فترات قريبة، وأسباب الحرائق هذه سبب طبيعي لا دخل للإنسان فيه.

وآخر يكون الإنسان هو البطل السلبي في أحداث هذه الحرائق، مثلما يحدث في غابات إندونيسيا وخاصة في جزيرتي «بورنيو» و«سومطرة» وتنبعث من حرائق الغابات غازات سامة ضارة بالإنسان والبيئة بكل مخلوقاتها معاً. وقضت حرائق الغابات في البرازيل عام ‬1998 على ما يزيد على مليون هكتار من غابات السافانا.

وقد عانت أيضاً المكسيك من الجفاف على مدار سبعين عاماً بسبب الحرائق.وتوضح الدراسات في مجال البيئة وعلم الغابات بأنه حدث انحسار كبير في مساحة الغابات في العالم قدر بنسبة ‬3,1٪ في الفترة ما بين عام ‬2000 و‬2005، وكان أكثرها تضرراً غابات نصف الكرة الشمالي التي مُنيّت وحدها بثلث هذه الخسارة تلتها الغابات الاستوائية الرطبة، وهذه الدراسات استندت إلى ملاحظات الأقمار الصناعية.

وللغابات حضور قوي في كتب الأطفال، من أهمها كتب الأخوين خريم، اللذين عكسا في كتبهما الغابة الألمانية السوداء بالعديد من المغامرات سواء الحقيقية أو التي تأخذ الشكل الأسطوري، والشاعر الفرنسي «لافونتان» الذي كان للغابة في شعره حضور قوي مثل إحدى قصائده بعنوان «الغراب والثعلب»، والتي جذبت الدارسين للشعر الفرنسي في سنوات دراساتهم الأولى، وتعتبر مجموعة كتب «ليدي بيرد» البريطانية من كتب الأطفال التي كان للغابة وحيواناتها حضور، يجذب الصغار.

من أشهر أفلام الرسوم المتحركة التي أطلقتها شركة «ديزني» في العام ‬1967 فيلم كرتوني مستلهم من القصص الشعبية الهندية فيلم بعنوان «جانجل بوك» «كتاب الأدغال» يعكس قصة طفل ولدته أمه في الغابة ثم ماتت وقام بتربيته حيوانات الغابة التي اعتبرته مثلها وأهم شخصيات هذا الفيلم الكرتوني البطل الطفل «موجلي» والفهد الأسد «باجيرا» و«شيرخان» النمر و«بالو» الدب العملاق.

وجميعهم كانوا من أصدقاء «موجلي» ومن الذين أسدوا له النصح، حتى قابل بالصدفة فتاة في مثل عمره على شط نهر صغير، رمقته بعيونها الواسعة وكانت شرارة حب أولى، عاش معها بعيداً عن الغابة.. عاش مع بني الإنسان ولكنه لم ينسى الغابة وأبطالها من الحيوانات.

وإذا ذكرنا الغابات من الناحية السينمائية، لقفز فوراً في أذهاننا أفلام «طرازان» الشخصية الخيالية التي ظهرت لأول مرة في العام ‬1912 في فيلم أميركي مع قردة عملاقة تصاحب طرازان في كل مغامراته داخل الغابة، وأول فيلم هو «طرازان والقردة» للمؤلف الأميركي «إدجار رايس بوروس» حقق نجاحاً كبيراً عند عرضه لأول مرة.

وظهر طرازان في ‬88 فيلماً للكبار والأطفال من العام ‬1918 وحتى ‬1999، ذاع صيته لدرجة أنه أصبح أيضاً بطلاً لإعلانات مأكولات الأطفال والملابس الرياضية، واشتهر طرازان في كل أفلامه بأنه الرجل الغابي الشجاع فائق المواهب، وله صرخة مميزة عالية الصدى وحادة، يبدأ بها مغامرات داخل الغابة وهي صرخة يعكسها الفن تحدياً لكل القوى الضاربة كحيوانات الغابة.

وكان يجسد الصرخة لأول مرة الممثل الأميركي «جون ويزمول» (‬1904 ــ ‬1984) الذي حصد فيلمه «طرازان والقردة» ميداليات ذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي. بعد ذلك قام ويزمول بحوالي ‬12 فيلماً جسد في جميعها شخصية «طرازان» الأسطورية الخرافية، والتي لاقت انتقاداً شرقياً كبيراً للعنف السائد فيها.