زهور بألوان الطيف والفرح، وعناقيد ملونة تشبه حبات العنب، وأخرى تأخذ شكل النجوم الملونة، تطل علينا من فوق خط الأفق ليزيد السماء جمالاً، مصحوبة بصوت يشبه المفرقعات نسبياً، ولكنها تشاركنا فرحة الأعياد وحفلات الزفاف والمهرجانات الكبرى على امتداد العالم.إنها الألعاب النارية، التي ينتظرها الأطفال في كل المناسبات يهللون ويفرحون تتسع عيونهم إبهاراً بالأشكال المختلفة لها، وهناك من يخبئ رأسه في أحضان أمه خوفاً منها فقط لأنه صغير لا يتفهم دلالة الفرح بالاستمتاع بالألعاب النارية الملونة.. هي فرحة كل مناسبة.
حكاية الألعاب النارية تضرب في عمق التاريخ حيث يعود اختراع الألعاب النارية إلى الصين حيث استخدمت لأول مرة في العالم في مقاطعة «سونج» الشمالية في الصين في القرن العاشر الميلادي، وعندما انطلقت هناك للمرة الأولى في صدد احتفالية رسمية وقتذاك انتشرت في اليابان ومن بعدها في العالم كله وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية قبل الحرب الأهلية، واستخدمت كذلك يوم عيد الاستقلال عام 1777، ويوم تنصيب الرئيس جورج واشنطن في عام 1789، وانتشرت في العالم كله في الأعياد الوطنية والمناسبات الرياضية وحفلات الزفاف والأعياد والمهرجانات المختلفة التي تغلف بلدان العالم كله.
حكاية اتقان في الصنع
وحتى تصنع من متفجرات أو مفرقعات ضعيفة الانفجار نسبياً تصنع من مواد كيمائية شديدة الاشتعال، وينتج نتيجة اشتعالها العديد من الألوان يتحكم في درجة لونها حسب نوع المواد الكيمائية المستخدمة فيها، وأيضاً يسيطر على أشكالها شكل الآلات المستخدمة فيها والتي تأخذ أشكال الزهور والفواكه والنجوم وغيرها من الأشكال، واشتهرت مدينة «درسدن» الألمانية بأنها مرة كل شهر خلال عطلة نهاية الأسبوع تطلق الألعاب النارية على شكل الدمى المحببة للصغار، ويشترط على الأهل وضع نظارات وقائية على عيون الصغار خوفاً من أي إصابات ولو بالمصادفة لأن كل ما هو ألماني يراعى فيه معيار الجودة.
بالإضافة لمهرجانات الحصاد في ألمانيا التي تصاحبها الألعاب النارية على شكل خضراوات وفواكه حتى تصل الرسالة للصغار بأن هذه المأكولات مهمة للغاية بالنسبة لهم.
وفي تايلاند واندونيسيا تنطلق الألعاب النارية مع بداية كل عام درسي احتفالاً بدخول المدارس والجامعات وتحويل هذه المناسبة لمناسبة فرح، خلالها تشتعل السماء بكل الألوان والإشكال مع غناء الصغار والكبار الأغاني التي يدرسونها في المدارس.
وماذا عن باريس عاصمة النور والأناقة والعطور والزهور؟
يسبق كل عرض من عروض بيوت الأزياء الباريسية الكبرى إطلاق الألعاب النارية بألوان هي الألوان ذاتها التي تسيطر على عروض الأزياء خاصة الصيفية منها.
وفي ايطاليا تنطلق الألعاب النارية في العديد من المناسبات الجميلة، ولكن في ميلانو تقليد جميل تنطلق فيه الألعاب النارية، عندما يتخرج مجموعة من كبار الطهاة «الشيفات» وينصبون على أنهم عالميون بعد تخرجهم في أكاديمية تعليم فن الطهي والفندقة وهي أكاديمية عالمية، وفي مشهد رائع يقذف الشيفات الجدد قبعاتهم البيض التقليدية والخاصة بهذه المهنة في الهواء الطلق وكأنهم يتبادلون الفرح مع الألعاب النارية التي تشعل سماء ميلانو بلاد الكريستال والخزف الايطالي النادر.
في الهند تنطلق الألعاب النارية غالباً في مواسم الحصاد خاصة حصاد أوراق الشاي، فتكتسي السماء خاصة في «مادراسي» بالألعاب نارية بلون الأخضر بكل تدرجاته تيمناً بحصاد وفير للشاي الأخضر بصفة خاصة.
في روسيا وانجلترا خاصة في شتائهما الرمادي الداكن تنطلق الألعاب النارية في السماء بألوان صارخة وكأنها تشق الرماديات الشتوية، والهدف منها التخفيف من حدة الشعور بالشتاء القاسي.
وفي كندا وخاصة مونتريال التي تشهد سنوياً العديد من المهرجانات في مقدمتها مهرجان السينما الدولي، تغطي الألعاب النارية سماء المدينة متخذة من شكل ورقة الشجر الكندية المطبوعة على علم البلاد شكلاً لها وباللون نفسه البرتقالي المشوب بحمرة الغروب، وفي فانكوفر أيضاً تنطبق الألعاب النارية خلال المهرجانات المتعددة المشهورة بها هذا المدينة الكندية التي خرجت من المحيط، فتنعكس أطياف ألوان الألعاب النارية فيها على صفحة المحيط، فيكون الجمال كله يمتزج بالفرح والتقدم والمناسبات الجميلة.
ماذا عن عالمنا العربي؟
يشارك الوطن العربي أفراح العالم بطريقته الخاصة، ففي الأعياد الدينية كعيد الفطر المبارك وعيد الاضحى تملأ سماء قاهرة المعز الألعاب النارية التي تغازل الألف مئذنة التي اشتهرت بها قاهرة المعز وفي الاحتفالات الخاصة بالمواسم قديماً كموسم فيضان النيل، وهو تقليد فرعوني، تقام الأفراح والحفلات يغلفها أشكال وألوان من الألعاب النارية المميزة.. وفي الإسكندرية في العديد من المناسبات مثل ذكرى سيد درويش تلتهب السماء فوق المتوسط بالألعاب النارية الملونة، ويحتشد جموع السكندريين ليغنوا أغاني سيد درويش ويتذكرون زمن العظماء من أمثاله. والكثيرين غيره.
تقليد حديث ابتكرته الطبقة المخملية في المجتمع المصري في مجال حفلات الزفاف، بأن العروسين يركبان منطاداً عملاقاً ملوناً ليحوم بهما أمام باب الفندق ذي السبع نجوم وسط الزغاريد وقرع الدفوف والغناء، وتكمل المشهد ألعاب نارية ملونة تنعكس على صفحة النيل الشاهد على كل العصور وشارك في أفراحها منذ عهد الفراعنة الذين كانوا يكسون صفحته بزهور اللوتس.
فوسط ألوان الألعاب النارية وجماليات المنطاد وفرحة الأهل والأصدقاء تبدأ ليلة العمر، والطريف أن الفيديو يسجل بالصوت والصورة الشكل والصوت والألوان، فتدوم الذكرى سنوات ممتدة في حياة العروسين.
وفي أعياد الربيع التي تنطلق فيها البواخر الفندقية العملاقة من أمام النيل هيلتون، تنطلق على صفحة النيل في تهادٍ وسط الموسيقى والغناء وعشاء فاخر، لتصل إلى ضاحية المعادي تتوج الرحلة النهرية هذه بألعاب نارية تطلق من الشاطئ الآخر للنهر مثل مكان قرية الفراعنة وقرية المعادي للنحت بالخرز، مشهد فرح رائع وكأنه يبدأ معه الربيع على صوت الراحل الموسيقار فريد الاطرش «عاد الربيع.. عاد من ثاني.. والقلب هلّت أفراحه».
في افتتاح مهرجان القاهرة الدولي تنطلق الألعاب النارية لتطل من وراء أوبرا القاهرة في منطقة الجزيرة وكأنها تهنئ فناني مصر على مجمل أعمالهم وعلى مرور مئة عام سينما مصرية..
كما تشهد مهرجانات المغرب العربي المختلفة كمهرجان طشقند ومهرجانات الحصاد ومهرجانات الصيف الشهيرة في المغرب، تشهد الألعاب النارية تتويج الحفلات والمهرجانات على أنغام موسيقى الراي.
وفي دمشق يفتتح مهرجان السينما الدولي بإطلاق الألعاب النارية وسط احتفالية فنية تحط برحالها على العاصمة السورية وسط الحفاوة والكرم السوري الشهير.
دبي.. صاحبة الأرقام القياسية في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، سجلت أكبر عرض ألعاب نارية يشهده التاريخ وسط حشد سياحي يصل إلى أكثر من مليون سائح احتفالاً بليلة رأس السنة في العام 2008، ولجأت وقتذاك الجهات المشرفة على العرض إلى شركة «غوتشي» وهي من الشركات الرائدة في هذا المجال.
ودخلت دي بهذا العرض من الألعاب النارية المتفردة موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
ولكن برغم كل ما تضيفه الألعاب النارية من جماليات رائعة تصاحب الاحتفالات المختلفة، إلا أن العديد من المنظمات الصحية العالمية تحذر من مخاطرها النسبية خاصة على الأطفال دون سن الرابعة عشرة، وفقاً لما يوضحه دكتور جيفري جورج بريتون، رئيس لجنة الحماية من العنف والسموم بالأكاديمية الاميركية لطلب الأطفال في ولاية ويسكونس، بأن هذه الألعاب قد يسقط منها لهب يصيب الصغار بالحروق، واستنشاق الدخان عن قرب يصيب الجهاز التنفسي للصغار الذين يعانون من حساسيات صدرية كالربو وضيق الشعب، وينصح الطبيب بأن تكون الفرجة والاستمتاع بها من وراء النوافذ فقد دون التواجد المفتوح في قلب الحدث.
والهيئة العالمية لأمراض النساء والتوليد بولاية نيويورك تحذر النساء الحوامل أيضاً من التعرض للدخان المتصاعد من الألعاب النارية لأنه ضار بالجنين.
محاذير
أما الأطفال حديثو الولادة وكبار السن فلا ينبغي لهم التعرض لهذا الحدث ـــ الألعاب النارية ـــ المصحوبة بصوت يشبه طلقات الرصاص، حرصاً على سلامة القلب والاذنين والجهاز العصبي.ويوضح الدكتور المصري عادل علي الدين استشاري طب العيون بالقاهرة بأن نسبة 6٪ من الاطفال الصغار الذين يتفرجون على الألعاب النارية في أماكن مكشوفة رافعين عيونهم للأعلى يمكن مصادفة ان تدخل في العين خرز الطلقات النارية، هذه التي تصيب خرق القرنية فيصاب الطفل بالعمى فوراً، ومن هنا لابد من الوعي الكبير للأسرة باستخدام النظارات الواقية للكبار والصغار.ويؤكد بأن الألعاب النارية التي تستخدم علي نطاق فردي للصغار والتي تكتظ بها محال ألعاب الصغار، لابد وأن تكون من الأنواع الجيدة جداً حرصاً على سلامة الصغار ولابد من قراءة المحذورات وطريقة استخدام اللعبة قبل أن تعطى للصغير فوق 8 سنوات ليس أصغار من ذلك.ويوضح دكتور يحيى الرخاوي في مقابلة تلفزيونية معه مؤخراً، أن هذه النوعية من الألعاب تجعل الطفل عدوانياً لسماعه أصوات الطلقات النارية التي تشهب وترسب لديه في الذاكرة بتلك التي يراها في التلفزيون في مشاهد العنف حتى التي تشتمل عليها الأفلام الكرتونية، والابخرة المتصاعدة منها ضارة على الجهاز التنفسي والعصبي فهي ابخرة كيميائية ضارة خاصة عن قرب ويوضح أن الصين منذ أن اخترعت البارود الاسود عرف العالم الألعاب النارية.
مخاطر
وفي كتاب «الألعاب الخطرة» للباحث الألماني «شترويد رهال» يرى أن هذه الألعاب على المستوى الفردي والعام لها اضرار خاصة بأصحاب الإعاقات، لأن الجهاز العصبي يهتز مع أصوات الطلقات ولكن ليس له مدلول الحركة لدى المصاب بإعاقة جسدية، فيصاب بحالة حادة من التوتر تشبه الصرع. وإذا كانت الألعاب النارية هي جزء من الفرح، فلابد وان يكون الوعي بالتعامل معها كبيراً.. لدوام الفرح والاستمتاع.
فهي ــ الألعاب النارية ــ تملأ مساحة من الذاكرة لكل منا، فهي رمز لأيام الصبا والمقدرة على الفرح والمشاركة فيه، في زمن فرض الفرح والحب والمشاركة على سكان ذلك الزمان!
