حينما أطلق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في العام الماضي، كتابه «سرد الذات»، تهافت عليه القراء من جميع الطبقات باعتباره وثيقة تاريخية مهمة، تؤرخ لفترة زمنية ومحطات تاريخية في تاريخ إمارة الشارقة، قبل قيام الاتحاد، بالرغم من أن صاحب السمو يسرد
في الكتاب سيرته الذاتية منذ الطفولة وحتى دخوله الجامعة، وانتهاء بتوليه مقاليد الحكم في الإمارة. واعتبر «سرد الذات»، كونه يصدر من حاكم وقيادي سياسي
في الإمارات، فتحا لمنطقة في تدوين تلك المحطات التاريخية التي بقيت بعيدة عن الكشف، لاعتبارات كثيرة ظنها البحاث محرمة على الداخل إليها، لكن صاحب السمو فتح بذلك الباب مشرعا، بالإضافة إلى المعلومات النادرة التي أزاحت الغموض عن المعرفة في مناطق تاريخية مهمة في البلد .
هذا العام وبمناسبة الدورة الـ 29 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، أطلق صاحب السمو حاكم الشارقة، الجزء الأول من كتاب (حديث الذاكرة)، ليأتي هو الآخر على أهم المحطات في تاريخ وميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة، والإرهاصات التي واكبت تلك الولادة.
وليكشف عن أسرار غائبة عن التداول العام، وبهذا شكل الكتاب قيمة أدبية وفكرية عالية، ووثيقة تاريخية تتغذى منها عقول البحاث، وتقدم الحقائق للأجيال التي ولدت بعد فترة قيام دولة الاتحاد. ومنذ اليوم الأول لطرح الكتاب في معرض الشارقة الدولي للكتاب، استنفذت جميع النسخ، ما استدعى مؤسسة منشورات القاسمي إلى إعادة الطباعة.
قصة البداية
يسرد حاكم الشارقة، في 304 صفحات، وعبر عشرة فصول في الكتاب، حكاية نشوء الدولة من خلال ذكرياته، متبعا سموه، الأسلوب نفسه في التعامل مع التاريخ وأحداثه، المتسم بشفافية عالية وبتجرد الباحث، بعيدا عن هالة السلطة وقيودها.
وفي مقدمة «حديث الذاكرة» يقول صاحب السمو حاكم الشارقة: (تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الثاني من ديسمبر سنة 1971، وانتخبت حاكما للشارقة يوم الخامس والعشرين من يناير سنة 1972، وعلى مدى ست سنوات.
وهي مدة هذه الدراسة، حدثت تطورات متسارعة، أكان ذلك على مستوى إمارة الشارقة، أو دولة الإمارات العربية المتحدة، تحولت فيها الحياة، من التفرق إلى الاتحاد، ومن الخوف إلى الأمان، ومن البطالة إلى العمل الشريف، ومن الجهل إلى العلم والمعرفة، ومن الرفض من قبل الآخرين إلى القبول والترحيب، ومن استجداء الدول المانحة إلى دولة مانحة، هكذا كانت البداية...).
وتلخص هذه المقدمة بصورة دقيقة مسار الحديث الذي سيأتي عبر الفصول العشرة، والتي ستتناول اهم المحطات التي مرت بها دولة الاتحاد، ويبدأها سموه من يوم السادس والعشرين من يناير سنة 1972.
حيث كان المغفور له الشيخ زايد والشيخ سلطان بن محمد القاسمي وأصحاب السمو حكام الإمارات والشيوخ، ومعهم الجماهير الغفيرة في الشارقة، يشيعون شقيقه الشيخ خالد بن محمد القاسمي، إذ يشير سموه إلى أن أصحاب السمو الشيوخ والجماهير كان يشيعون (الشهيد شقيقي الشيخ خالد بن محمد القاسمي، يتقدمهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، وبقية أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، ما عدا صاحب السمو الشيخ راشد بن حميد النعيمي حاكم عجمان، حيث كان يقوم بأداء فريضة الحج في تلك الفترة).
بيان الشيخ محمد بن راشد
وتحت عنوان (موقف شجاع)، يتناول صاحب السمو حاكم الشارقة، التصريح الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك، حيث يشير حاكم الشارقة إلى ان ذلك الخطاب له بالغ الأثر، بعد تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في حادثة مقتل الشيخ خالد، وجاء تصريح سمو الشيخ محمد بن راشد كما يلي:
( وقوف القوات الاتحادية المسلحة على أهبة الاستعداد لردع أية محاولة تستهدف النيل من وحدة الإمارات العربية وتماسكها.. إن دولة الإمارات العربية المتحدة قادرة على صد أي عدوان يقع على أي جزء من أراضيها، وأننا ننصح كل من تسول له نفسه المساس بسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، أن يفكر مرتين قبل أن يقدم على أي عمل طائش، لأن جزاءه سيكون الضرب بيد من حديد.
وان جيش الاتحاد يقف بالمرصاد لكل المحاولات التي تهدف إلى النيل من اتحادنا واستقلالنا. إن حكومة الاتحاد تعي واجباتها نحو كل خطوة تخطوها، وإن الأمن والاستقرار مستتبان في جميع انحاء دولة الإمارات العربية المتحدة). لقد مر ميلاد دولة الاتحاد، ومنذ يومه الأول، بأحداث وتطورات كانت تحتاج إلى نوع من الحسم، ولهذا يؤرخ صاحب السمو حاكم الشارقة، لهذا البيان الهام.
ويتبعه بانضمام إمارة رأس الخيمة إلى دولة الإمارات: ( في مساء اليوم الثامن من فبراير سنة 1972 طلب مني رئيس الدولة الحضور إلى قصر البحر للقاء هام، وبعد صلاة المغرب، توجهت لمقابلة رئيس الدولة في قصر البحر، وعند وصولي إلى القصر دلني مدير التشريفات على مكان جلوس الشيخ زايد، فوجدته يجلس بين النخيل، والتي كان سعفها السفلي يتمدد على الأرض، وعلى سجادة فرشت على الأرض بين النخلات، كان يجلس شخصان، تعرفت عليهما عندما اقتربت منهما:
صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رحبا بي، واجلساني بينهما. تحدث صاحب السمو الشيخ زايد قائلا: «إن الأضرار التي ستلحق بالاتحاد لوجود رأس الخيمة خارج الاتحاد خطيرة، وأنا اعرض عليك يا شيخ سلطان أن تقبل دعوتنا للشيخ صقر بن محمد القاسمي، حاكم رأس الخيمة، للانضمام إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنا على استعداد لتقديم ما تطلبه للشارقة». قلت:
«أنا أوافقكما الرأي بأن وجود رأس الخيمة خارج الاتحاد فيه ضرر كبير، وان انضمامها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة سيزيد الدولة قوة، أما تقديم طلبات مقابل موافقتي على مبدأ تقوية الاتحاد فاعذرني يا صاحب السمو، فليس ذلك من طبعي». . الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، موجها الحديث للشيخ زايد: «زايد، هذا سلطان الذي حدثتك عنه، اترككما معا، لأني سأعود إلى دبي»).
وقد انضمت إمارة رأس الخيمة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في اليوم الخميس العاشر من فبراير سنة 1972. وهكذا يواصل صاحب السمو حاكم الشارقة سرد أحداث ولادة دولة الاتحاد، وكيف كان القادة يحثون الخطى من اجل إزالة العراقيل والعقبات لكي تصبح الدولة على ما هي عليه اليوم.
فتنة
ويتناول كتاب «حديث الذاكرة» في فصلة الأول، مجموعة من الأحداث المهمة، ومنها بيانات صاحب السمو رئيس الدولة التي لم ترض الإيرانيين والبريطانيين، في ختام زيارات سموه لكل من السودان وليبيا وسوريا في العام 1972، وهي:
«حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه ودياره»، «إن اتحاد الإمارات هو خطوة ونواة لاتحاد اشمل يضم العرب جميعا من المحيط إلى الخليج»، «أن الإمارات تعلن التأييد للعمل الفدائي الفلسطيني وتوحيده». ويسجل الكتاب كذلك لزيارة أول رئيس دولة للإمارات، في الإشارة إلى زيارة الرئيس السوداني، آنذاك، جعفر النميري.وتحت عنوان (فتنة) يسرد صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي ما كان ينوي الإيرانيون القيام به من اجل عرقلة قيام دولة الاتحاد:
(في شهر مايو سنة 1973 كان الانجليز وبعض الموفدين الإيرانيين، يحاولون إقناعي بقبول الدعوة بالإنابة عن الشاه لزيارة إيران، وكنت دائما اخبر الشيخ زايد بتلك الاتصالات، حيث كنت اقترب منه كثيرا، فتبين فيما بعد أن دعوة شاه إيران لي إنما هي فخ رسم للوقيعة بيني وبين رئيس الدولة الشيخ زايد). ويورد سموه الخطاب الذي وجهه السفير البريطاني في طهران، وفيه هذه الجملة (دعوة مثل هذه، خاصة في حال قبولها، قد تنجح فقط في تدمير العلاقة بين زايد وسلطان).
تعزيز مؤسسات الدولة
وفي الفصل الثاني، وتحت عنوان (بين أميركا ومصر)، يستعيد المؤلف الكثير من محطات الذاكرة، ومنها زواج سموه، وكان ذلك في نهاية شهر يناير عام 1973 : (تزوجت موزة بنت سالم المانع، إحدى قريبات والدتي، وكان زواجا بسيطا ليس به لا طبل ولا مزمار ولا بذخ، وأنجبت لي بعد ذلك ابنتي عزة وابني المرحوم محمد). ومن محطات هذا الفصل يسجل الكتاب لزيارة السلطان قابوس إلى دولة الإمارات، في صباح يوم الاثنين السادس والعشرين من مارس، سنة 1973.
حيث وصل السلطان قابوس في معية الشيخ زايد إلى قصر الضيافة في دبي، وكان في استقبالهما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وبقية الحكام وأولياء العهود والشيوخ والوزراء، حيث عقد السلطان قابوس اجتماعا مطولا بقصر الضيافة. وتمت فيه مناقشة العلاقات بين السلطنة ودولة الإمارات.
ويسجل كتاب «حديث الذاكرة»، أيضا في هذا الفصل، قرارات المجلس الأعلى للاتحاد، والذي انعقد يوم الخامس والعشرين من ابريل من العام 1973 ، من اجل توطيد أركان دولة الاتحاد ورفع مستوى المواطن، ويسجل صاحب السمو الشيخ سلطان في دفتر التاريخ عن هذا الاجتماع، القرارات المهمة التي ساندت قيام دولة الاتحاد:
( ..وكان المجلس قد ركز في اجتماعاته على بحث عدد من المسائل المتعلقة بتوفير المزيد من الخدمات للمواطنين في الإمارات، وتعزيز الأجهزة الاتحادية.. كما أقر المجلس مجموعة من مشروعات القوانين والمراسيم الاتحادية التي تتعلق باستكمال بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها الاتحادية..
كما تم قراءة التقرير الذي أعده سمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رئيس الوزراء الاتحادي، والذي تناول فيه الأعمال التي حققتها الدولة للشعب، في مختلف نواحي الخدمات، ومنها مجال التربية الذي أشار فيه التقرير إلى أن 30 ألف طالب يتلقون العلم في مدارس الدولة، بينما تهدف الخطة العامة للتعليم، إلى إيجاد أماكن لقبول 50 ألف طالب، خلال ثلاث سنوات).
النظر إلى وجه العربي
وتحت عنوان الزيارة الأولى إلى الولايات المتحدة الأميركية، يسرد صاحب السمو الشيخ سلطان، تفاصيل تلك الرحلة التاريخية والمهمة في تلك المرحلة، في ظل قيام الدولة وبناء العلاقات الخارجية والتوازنات السياسية: ( قدمت شركة بيوتس للغاز والنفط بعد اكتشافها للنفط حول جزيرة ابوموسى.
واستكمال أول بئر في الحقل المكتشف، دعوة لي لزيارة الولايات المتحدة الأميركية فقبلتها.. تقرر سفرنا يوم السبت من يونيو سنة 1973، وفي مساء الأربعاء الثالث عشر من يونيو كانت دعوة السيد نورثكت ايلي للحفل الذي أقامه ترحيبا بزيارتي إلى أميركا، وقد ألقيت عدة كلمات.
وقبل أن يأتي دوري لإلقاء كلمتي، سألتني السيدة العجوز مريكا زوجة ايلي، وكانت تجلس إلى جواري قائلة:« كيف استطيع أن أتعرف على العربي، وهو بلباسه العربي بالنظر إليه من الخلف!». وقبل أن أجيبها دعيت إلى المنصة لإلقاء كلمتي.
حييت الجمهور واعتذرت منهم قائلا:« قبل أن آتي إلى المنصة، كانت السيدة مريكا قد سألتني عن كيف تستطيع أن تتعرف على العربي بلباسه العربي بالنظر إليه من الخلف، فأقول لها مريكا..لن تتعرفي على العربي ما لم تنظري إلى وجهه..».
في صباح يوم الخميس الرابع عشر من يونيو كانت لنا جولة في العاصمة الأميركية واشنطن، بعدها كان لقائي مع أعضاء الكونجرس الأميركي، حيث استقبلني السناتور جون تني العضو عن كاليفورنيا، والذي قدمني لأربعين عضوا من أعضاء الكونجرس في قاعة فاندنبيرغ، حيث ألقيت كلمة في ذلك الجمع جاء فيها:« انه لشرف عظيم لي أن أكون في هذا المكان العظيم.
وفي هذا البلد العظيم، سأحدثكم عن الإنسان العربي، انه كسائر البشر، ليس له زيادة في الأيادي ولا في الأرجل وليس له ذيل، انه إنسان مثلكم، مع فرق واحد، وهو أن عقله أسير عواطفه، عاملوه كما تعاملون البشر...». وأكملت حديثي عن العالم العربي من حيث الإمكانيات الاقتصادية المتوفرة فيه...).
النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي
ويستمر «حديث الذاكرة» في تسجيل وتوثيق وتصوير المواقف شتى، عبر سرد لصاحب السمو حاكم الشارقة، متشح بغلالة الشفافية في التعاطي مع الأحداث والتفاصيل التاريخية. فتحت عنوان -النفط العربية ليس بأغلى من الدم العربي-، يقول الشيخ سلطان القاسمي: ( بينما الفرحة تعم الوطن العربي لانتصار القوات المسلحة المصرية بعبور خط برليف والمعارك تشتد على جبهة القتال، وإذا بقرارات وتصريحات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة تحدث دويا في العالم العربي.
وفي يوم الخميس الثامن عشر من أكتوبر 1973، أمر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بقطع النفط عن الدول المساندة لإسرائيل.
وفي يوم السبت الموافق العشرين من أكتوبر، أعلنت المملكة العربية السعودية، بأمر من الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، قطع النفط عن الدول المساندة لإسرائيل، وفي مساء الرابع من نوفمبر سنة 1973 التقيت بسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة في ابوظبي، وقد دام ذلك اللقاء أكثر من ساعة، وقد خصص لبحث الموقف العربي في ذلك الوقت.
والاستمرار في حشد إمكانيات دولة الإمارات العربية المتحدة لدعم النضال العربي في تلك المرحلة المصيرية، وتنسيق المواقف خلال المرحلة اللاحقة، وكان جانب آخر من الاجتماع قد خصص لبحث السياسة الداخلية للاتحاد وتدعيم أجهزته، كان رئيس الدولة قد أوفد في اليوم السابق الثالث من نوفمبر سنة 1973، معالي الأستاذ احمد خليفة السويدي وزير الخارجية، حيث التقى مع سمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، والتقى بي كذلك وببقية حكام الإمارات.
وقد اطلعنا معالي الأستاذ احمد خليفة السويدي على دقائق الموقف العربي، من الناحيتين السياسية والعسكرية، وخلال لقاء صحفي في اليوم الحادي عشر من نوفمبر سنة 1973 قال صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قولته المشهورة : «إن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي»).
ويتابع صاحب السمو حاكم الشارقة في سرد ذكرياته، والتي هي بلا شك، محطات مهمة في تاريخ الإمارات بصفة عامة وتاريخ إمارة الشارقة بصفة خاصة، حيث يخصص الفصل الثالث من الكتاب لبدء تصدير النفط من الشارقة، وموافقة سموه على قبول دعوة الشاه لزيارة إيران بإلحاح من الانجليز.
وكيف أن سموه تشاور مع الشيخ زايد، رحمه الله، والذي وافق بدوره على القيام بالزيارة، كما يسرد الفصل مقتطفات من المقابلة التي أجرتها صحيفة «النيويورك تايمز» مع سموه حول موضوع تصدير النفط من الشارقة، ومنها الإجابة على سؤال الصحيفة عن العائد الضخم للبترول الذي سيكون له تأثير سلبي على نشاط وجهد أبناء البلاد، حيث يجيب صاحب السمو حاكم الشارقة قائلا:
(إنني اعتقد حدوث العكس تماما، والشواهد كثيرة على ذلك الآن، فان شعبنا يعمل بكل جهد وإخلاص ولا يبخل بأي جهد كان في سبيل تطوير بلاده لتلحق بركب التطور العالمي، ولأن عددا كبيرا من أبناء الشعب قد نال تعليما وثقافة عالية، وقد التحقوا بالوظائف الحكومية، وتقلدوا المناصب العامة واثبتوا دائما في أي موقع يشغلونه، أنهم على مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم). ويوضح أسلوب الإجابة على سؤال النيويورك تايمز كيف أن صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي اخذ يدافع عن أبناء وطنه، حينما رآهم محل تشكيك من وجه نظر الصحيفة..
وحول إجابة سموه على سؤال الصحافي الأميركي عن العلاقة بين أميركا والإمارات، قال سموه في إجابته: (انتم عندكم الفكرة الخاطئة عن العرب وسيطرت الصهيونية عليكم تماما.. فإذا أردتم الصداقة العربية فعليكم أن تغيروا من نظرتكم ومن أفكاركم عن العرب، وتتفهموا ظروفهم ومشكلاتهم.. وعندما نرى الوجه الحسن لأميركا فستجدون، كما قلت، أيدينا وقد شدت على أيديكم بحرارة).
المغفور له الشيخ زايد يزور الشارقة
يتتبع سموه في الفصل الثالث الزيارة التي قام بها الشيخ زايد إلى الشارقة، والتي أسفرت عن حل الخلاف القائم بين الشارقة وأم القيوين، وموافقة الشيخ سلطان على طلب الشيخ زايد بتخصيص 30 بالمائة من حصتها من النفط المكتشف في حقل مبارك، لأم القيوين..
ويقول سموه في هذا الجانب: ( قبل أن استأذن بالخروج لأني كنت على سفر، همس الشيخ زايد في أذني طالبا 6 بالمائة من حصة الشارقة لإمارة عجمان، فوافقته على ذلك). ويسرد سموه كذلك زيارته الرسمية لإيران، والمقابلة التي جرت بين سموه وشاه إيران في العام 1974.
وما تخللها من تفاصيل، وكيف أن سموه بعد أن عاد إلى ارض الوطن اكتشف انه كان بين أيدي السافاك، على حد رأي القنصل البريطاني في دبي السيد (آي آي سندرز)، في إشارة إلى الجنرال نصيري، والحشد الكبير من الموظفين الذين قاموا بخدمة سموه خلال الزيارة لإيران.
إنزال علم المعتدي ورفع علم الاتحاد
يخصص صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي الفصل الرابع من كتابه «حديث الذاكرة» لتفاصيل الزيارات الرسمية التي قام بها سموه إلى عدد من الدول العربية والأوروبية، من بينها الزيارة الرسمية للكويت، والزيارة الرسمية لإيطاليا، والزيارة الرسمية لفرنسا،والزيارة الرسمية لتونس، والزيارة الرسمية الثانية لجمهورية مصر العربية. وأما الفصل الخامس.
والذي يتصدره عنوان (القرارات التاريخية) فقد احتوى على محطات مهمة في سياسات الدولة تجاه تدعيم الوحدة الوطنية ودولة الاتحاد، وسعي رئيس الدولة الشيخ زايد إلى حث شيوخ الإمارات على تغليب مصالح الوحدة الاتحادية على المصالح المنفردة لكل إمارة.
ويؤشر سموه إلى الخطاب الذي ألقاه زايد في هذا الشأن والمؤتمر الصحافي الذي عقده سموه. ومن القرارات المصيرية التي يتحدث عنها صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي قرار رفع علم دولة الإمارات العربية المتحدة في الشارقة، وإنزال علمها الخاص. ويقول سموه في «حديث الذاكرة»:
( وسط آلاف من المشتركين في المسيرة، ومن العاملين في المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة، وطلبة وطالبات المدارس.. أمام المجلس، صعدت على طاولة وضعت بالقرب من السارية التي رفع عليها علم الشارقة، وكان بيدي علم الاتحاد، وخاطبت تلك الآلاف من الناس قائلا:« إن هذه الدولة لها رئيس واحد وعلم واحد، فلنطبق القول بالفعل فنستبدل علم الشارقة برفع العلم الاتحادي، ونرفع علم الاتحاد خفاقا عاليا فوق جميع المؤسسات والدوائر في الشارقة» ..
وفي وسط هتافات الآلاف من المؤيدين لتلك القرارات أنزلت علم الشارقة ورفعت مكانه علم الاتحاد). جدير بالذكر هنا أن صاحب السمو حاكم الشارقة، في هذا الجانب، كان أغضب البعض بفعل إنزال علم الإمارة، خاصة وأنه كان يبين سموه للناس كيف أن علم الشارقة ما هو إلا علم فرضه الانجليز على الإمارة: (ما قمت به كان إعادة الكرامة لموطني الشارقة وللذين سبقوهم، حيث كانوا يؤدون التحية لعلم المعتدي الذي انزل علمهم الذي كان رمز كفاح القواسم).
الزواج الثاني
ومن أهم محطات الفصل السادس في كتاب «حديث الذاكرة »، يذكر صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، قصة ظرف لقائه وزواجه من سمو الشيخة جواهر بنت محمد بن سلطان القاسمي.
حيث كانت سموها طالبة في كلية الآداب بجامعة القاهرة: (.. وهي بالنسبة لي ابنة ابن عمي ففاتحتها برغبتي في الزواج منها فأرجأت الموضوع إلى والدها، وفي اليوم السادس عشر من مايو سنة 6791، غادرت القاهرة متوجها إلى الشارقة، وفي اليوم الذي يليه فاتحت والدها في موضوع زواجي بابنته، فوافق على ذلك.
وفي اليوم الثاني والعشرين من يوليو سنة 1976، وفي لندن، تم زواجي من جواهر بنت محمد بن سلطان القاسمي..أنجبت لي جواهر كل من: بدور ونور وحور وخالد، كانت جواهر وما زالت خير عون لي ورفيقة دربي ومؤازرتي في شدتي).
ويروي صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، في الفصل السابع من كتابه، الملابسات التي حدثت حول خبر تنحي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عن رئاسة الدولة، وهو الحدث التاريخي الذي شهد خروج الآلاف من المواطنين مطالبين بالعدول عن هذا القرار، ويصف سموه تلك الأيام بـ«أيام الوحشة».
وربما هذه المحطة هي التي أثبتت تلاحم القيادة والشعب في علاقتهما بوحدة الاتحاد. ويفصل سموه الأحداث تفصيلا دقيقا، إذ بدأت الأزمة مع التحركات بشأن الدستور المؤقت للاتحاد. وهذا طبعا مع أن هذا الفصل يبدأ بخبر سعيد، كما يشير سموه، وهو خبر إعلان توحيد القوات المسلحة وتحديد صلاحيات رئيس الأركان العامة. ويقول الشيخ سلطان ضمن هذا الخصوص في «حديث الذاكرة»:
(في بداية شهر أغسطس سنة 1976 انتشر بين الناس خبر تنحي سمو الشيخ زايد عن رئاسة الاتحاد، كانتشار النار في الهشيم، كان مصدر ذلك الخبر هو صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية والتي قابل رئيس تحريرها، سمو الشيخ زايد، في يوم السبت الحادي والثلاثين من يوليو سنة 1976، وقد أدلى سمو الشيخ زايد بتصريح صحفي وهو «رفض تجديد فترة رئاسته لاتحاد الإمارات لمدة خمس سنوات أخرى، تبدأ من ديسمبر سنة 1976») ويضيف الشيخ سلطان: (تفاجأ الجميع بقرار الشيخ زايد، بمن فيهم كبار المسؤولين في الدولة، وفي مقدمتهم نحن أعضاء المجلس الأعلى..
وأما أن القرار قد اتخذ من قبل المجلس الأعلى للاتحاد في جلسته الأخيرة يوم الثاني عشر من يوليو سنة 1976 فذلك غير صحيح، ولم يحدث أي شيء بخصوص ذلك التنحي، وقد اخطأ رئيس تحرير صحيفة أخبار الخليج في صياغة الخبر، إذ كان يجب عليه أن يقول اتخذ الشيخ زايد قراره في المجلس الأعلى للاتحاد.. إلى آخر الجملة، وقد ربط الشيخ زايد قراره بقرار استمرار العمل بالدستور المؤقت).
ويتابع صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد في روايته لهذا الحدث: (من ذلك يتبين أن قرار تنحي سمو الشيخ زايد ترجع أسبابه الرئيسية إلى عدم الموافقة على مشروع الدستور الدائم من قبل الحكام، والذي بذل الشيخ زايد جهدا كبيرا لإخراجه بصورة يستطيع هو تحمل مسؤوليته، من خلال الدستور الدائم).
ويقول الشيخ سلطان عن الأيام العصيبة: (غاب الشيخ زايد عنا مدة أربعة وثلاثين يوما، حسبتها دهرا، كانت دولة الإمارات فيها موحشة وكانت الجماهير وجلة تترقب قدومه، حيث سافر الشيخ زايد إلى الصومال في زيارة مفاجئة..) ويضيف الشيخ سلطان:
(في مساء يوم الخميس التاسع من سبتمبر سنة 1976، شهد مطار ابوظبي تظاهرة شعبية مكونة من آلاف المواطنين، الذين أتوا من جميع الإمارات، حاملين اللافتات التي كانت تحمل العبارات التالية: «لا نريد غيرك بديلا يا زايد.. لا لا لا تتنح..بالروح بالدم نفديك يا زايد»).
ويرحل صاحب السمو الشيخ سلطان في تلافيف الذاكرة والتاريخ، مفصلا ذلك المشهد الذي احتشدت فيه الجموع أمام القصر، وكيف أمر الشيخ زايد بفتح بواباته لهم.. وكيف خرج البيان الرئاسي بعد ذلك معلنا صلابة الاتحاد والتحام القيادة بالشعب والشعب بالقيادة، وأنه لا مصير سوى مصير الوحدة والاتحاد.. إنها محطات مهمة ومفاصل في تاريخ الوحدة والمنطقة مدونة بالأيام والتواريخ، جامعة وشاملة.
لكل ما أحاط بقيام دولة الاتحاد من ظروف صعبة وعاتية، فبكل أفراحها وأتراحها يتعامل معها صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بشفافية المؤرخ وإبداع الأديب، لكي يضع بين يدي قارئة وثيقة تاريخية وعلمية تنير الكثير من الدهاليز المعتمة، خصوصا للباحثين عن تاريخ وتفاصيل المنطقة وأحداثها.
إن كتاب (حديث الذاكرة) يأتي بعد كتاب (سرد الذات)، ليؤسس لمادة وثائقية يغيب الكثير من حقائقها وتفاصيلها عن المكتبات، وخصوصا وأنها تأتي من بين يدي قائد ومؤرخ يلامس الحقائق بشفافية ونزاهة، كما هي العادة عند سموه.
وهو يسرد تاريخ المنطقة الخليجية في سلسلة كتبه عن المنطقة، عبر عشرة فصول تعبر الذاكرة في حديثها، على تفاصيل السنوات الست الأولى لدولة الاتحاد، لتكشف مدى الصعوبات التي واجهتها القيادة وحكام الإمارات، في تأسيس وحدتهم واتحادهم، وتأسيس دولة يشهد لها الآن في جميع الميادين بالريادة والتقدم.. فلم تكن البدايات سهلة، ولم تكن السنوات طريقا مفروشة بالزهور، بل كانت فيها قرارات حاسمة ومفاصل مصيرية، كما رواها صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، بقلمه. وأرخ لها من اجل معرفة تبقى زادا للأجيال المقبلة ولحقيقة التاريخ.
