أشياء شكلت مفردات هي الأجمل في ذاكرتنا ووجداننا، أبت أن تنزوي في اللاشعور، فهي كالحلم لاح في ليل الزمان الذي ولى وفات، وتركنا مع حفنة من الذكريات ربما تعيننا على وطأة زماننا اللاهث المجنون.
هي حكاية أشياء لها في القلب مكان، شكلت الطفولة والصبا وحنايا زمان.. فما هي هذه الأشياء التي اتخذت لها من بيوتنا ألف مكان ومكان؟
عندما نهرب إلى ذكرياتنا التي يطل منها مشهد الجدة التي تجمع بين الحنان والهيبة، جالسة في «فسحة» الدار التي غالباً ما تأخذ الشكل المربع الفسيح ومحاطة بالمشربيات يدوية الصنع التي ينعكس عليها ضوء الشمس فيدخل كالهمس على استحياء، تجلس الجدة وحولها الأحفاد، أمامها صينية نحاسية مشغولة بأشكال الزهور وحوافها ناعمة، عليها «عدة القهوة» التركية كنكة كبيرة من النحاس اللامع وفناجين من الخزف التركي، علبة البن منزلي الصنع المحوج بالهيل وجوزة الطيب وقوالب صغيرة من السر تتزاحم داخل علبة أثرية جميلة «سبرتايا» بغطاء نحاسي، وكبريت آمن، ملعقتان من البن وقالبان من السكر تضعهما الجدة في الكنكة وعليهما بعض الماء وكأنها تحتفظ ببراءة اختراع تحضير القهوة التركية التي تذكرها باسطنبول و«جدي الباشا» الذي تترحم عليه الجدة وتتوق للحاق به.
سر من أسرار القهوة التركي أن تكون «بوش» اي رغوة كثيفة هكذا تعلمنا، ووقع في مسامعنا بأن «حماة» المستقبل تحكم على «جودة» العروس «مرات ابنها» في المستقبل بطريقة تحضيرها للقهوة.
رشفة وراء رشفة من فنجان قهوة العاشرة صباحاً وراء المشربية، ومعها حكايات وذكريات..
صينية نحاسية أخرى، مستديرة عليها قُلل فخارها قناوي «من جنا» هكذا تحكي الجدة عندما تطير بذكرياتها لقنا بصعيد مصر، غطاء نحاسي مشغول يدوياً يغطي القلة من وراء المشربية، أما المكان الذي تتسرب منه الماء من القلة فيعرف «بالقرنفلة» وهو عبارة عن شبك من النحاس المعشوق الخفيف يأخذ شكل زهور وطيور، ينساب منه ماء مثلج معسول لفحته نسمات العصاري، حبات من ثمار المشمس الحموي «والحرنكش» تحيط بالقلل داخل الصينية فتكتسب برودة محببة.
وابور الجاز أو «بابور الجاز» بالعامية المصرية والسورية، وهو يعمل بالكيروسين، وحتى يتوهج لابد من تسليكه بإبرة خاصة تباع معه، ثم يضغط مكبس نحاسي على جانب «البابور» لتتوهج ناره وتستقر مشتعلة فوق قاعدة مربعة تحملها أعمدة نحاسية مثبتة في قاعدة البابور، وله أحجام متعددة ابتداءً من البابور الصغير المخصص لتسخين ماء الشاي عليه والمتوسط لوضع حلل الطعام الذي ينضج على نار هادئة هي سر من أسرار المذاق المميز لذلك الزمان، أما الكبير فهو غالباً ما يكون في عُهْدة «أم محمود» الغسالة التي يدخل في عُهدتها أيضاً حجرة الغسيل فوق سطوح العمارات ذات المعمار الإسلامي والإيطالي في أرقى الأحياء، على البابور الكبير توضع «الباستيلا» التي يتم غلي الغسيل الأبيض فيها، وهي مرحلة من مراحل الغسيل اليدوي لا يعرف أسرارها سوى أم محمود ومثيلتها من غسالات أيام زمان واللاتي يعتبرن من أفراد العيلة لطول المدة والسنين في هذه المهنة، قبل ظهور الغسالات الكهربائية المتعددة التي يختنق فيها الغسيل ويختلط كله وكأنه يدور في فلك الغسالة سريعة الإيقاع مثل عصرها.
طقوس
طقم النحاس المكون من الحلل النحاسية والطشت النحاسي، وهي جميعها من أهم الأشياء في جهاز العروس، للنحاس طقوس تحفظه من التلف، فلابد من «تبييضه» أي كشط طبقة عليا منه كل حين حتى لا يتأكسد ليصبح خطيراً في عملية الطهي، يقوم بهذه المهنة محترف يعرف باسم «المبيض»، يعرف الأسر العريقة ويذهب إليها في المواسم قبل شهر رمضان وقبل عيد الأضحى، ليأخذ النحاس إلى محله في منطقة «النحاسين» ليتم تبييضه وإعادة صلاحيته للاستخدام.
ومنطقة النحاسين القريبة من حي الحسين بقاهرة المعز هي معقل صناعة وترميم النحاسيات، ليست فقط الحلل، وإنما الصواني الكبيرة النحاسية التي يوضع عليها كل ما لذ وطاب من أطعمة تهدى للجيران قبل مدفع الإفطار في رمضان، وهي من العادات الجميلة التي أخذها الزمان وولى بها..
سلطانية خزفية عميقة وكبيرة بداخلها إبريق كبير، كل منهما باللون العاجي المطعم بالذهب عيار 14 توضع على «البوفية» المصنع من خشب الورد النادر في حجرة الطعام وبه مرآه مستطيلة بلجيكية الصنع، يملأ الإبريق بالماء وتصبه الزوجة متقمسة شخصية «ست أمينة» زوجة «سي السيد» تصب الماء وتدعي بالهنا والشفاء لزوجها وهو يغسل يديه بعد الغداء والعشاء، وتقدم له «بشكيراً» من القطن المصري الناعم ليجفف يديه، ونظرة رضا بطرف عينيه دون كلام فقط تبرد قلب الزوجة بأنها أدت مهمتها على خير وجه ودون اعتراض ولكن بكل الرضا والدعاء.
هل مازالت داخل امرأة هذا الزمان ظلال من «ست أمينة» أم المطالبة بالمساواة بالرجل، لم تجعل الأمنية مكاناً ولو بسيطاً بداخل المرأة الحديدية في زمن الفولاذ!!
مازالت مفردات الزمن الذي ذهب تفرض حضورها في الذاكرة والقلب وأماكن متفرقة في بعض البيوت تتخذ منها عناصر ديكور ليس أكثر.
قرنفلة الباشا
حكاية ساعة الباشا «بالكاتينا» الذهبية التي يخرجها كل حين من جيب «الصديري» المصنع من الصوف الانجليزي «بي هايف» ، وهي الساعة السويسرية الصنع التي لا تقدم ولا تؤخر إلاّ بأمر من الباشا!!
ربما تركها ذكرى لزوجته التي تحتفظ بها في «الشكمجية» مع بقايا من ذهب ربما يشكل بعض الثراء الوهمي لطبقة ارستقراطية نزلت من برجها العاجي نزولاً اضطرارياً ليس أكثر!!
القرنفلة الحمراء في عروة جاكيت الباشا والتي يتوافق لونها مع طربوشه المخملي وخاتم في أصبعه الصغير من الزمرد الأحمر، و«منشة» من شعر الخيل ذات اليد الخشبية من خشب الابانوس، جميعها مفردات غلفت شخصية بشوات زمان.
بشوات «من الزمان ده» اسم على غير مسمى، مكان القرنفلة فص من الماس «الزهري» النادر وساعة ودعت «الكاتينا» وتشبثت بمعصم الباشا بفصوص من الماس تغلف عقاربها، وبدلاً من المنشة بشعر الخيل موبايل «أسود» آخر صيحة حط برحاله على أذن باشا هذا الزمان، رناته ترقص عليها الصبايا، وأحلى «ألون» بطريقة مفتعلة، وحديث يبدأ ولا ينتهي داخل سيارة بالدفع الرباعي سوداء أبنوسية، يصعب ان يدخل معها جياد الحنطور قديماً في سباق غير متكافئ الشكل والسرعة.
العّمة والقفطان الكتان جزء من ملابس شاه بندر، تجار زمان في منطقة الحسين والصاغة، ومناطق دمشقية عريقة، شكل ومظهر وجوهر وحكاية عراقة وثراء جاء بحبات العرق والجهد الشريف.. لا يهم العمة والقفطان ولكن شاه بندر التجار كان همه إنه إنسان «مسن جزء من أغنية» لاهثة.
الحناء ومحمصة البن
«الملايا اللف» السوداء الفضفاضة ترتدى فوق ملابس «ست الكل» أيام زمان ومعها يرتدى البرقع ذو القصبة الذهبية عيار 24، بهما تطوف النساء في الأزقة وشوارع الصاغة والحسين، ومنطقة الحمامات قبل الأعياد والتي تحاكي صالونات التجميل في عصرنا الحديث، ويكمل شكل الدلال والجمال خلخال من الذهب البندقي لابد وأن يقدمه العريس لزوجته، ليزيد قدميها جمالاً خاصة إذا دخل الخلخال في حوار هامس مع رسومات الحناء في الأعياد في الأفراح والتي يحاكيها اليوم «التاتو» على كل شكل ولون، ولكنه خالٍ من أنوثة فتيات زمن «المفتقة» والسمن البلدي والمورتا (سطح الزبد بعد تسييحه)، وهي مأكولات نحتت أجسام الفتيات بتقسيمات «منضبطة» لا عيب فيها ناعمة نعومة الزبد ومرنة مرونة السكر المعقود الذي يوضع فوق المفتقة وهي حلوى تصنع منزلياً من العسل الأسود والمكسرات والسمسم والمحلب، ولها متخصصات يحضرن لبيت العيلة لتحضيرها قبل الأعياد وتخزينها في بطرامانات عملاقة «لزوم الصحة والجمال».
محمصة البن اليدوية المصنعة من الألمنيوم ثقيل لها باب جانبي يفتح ويوضع بداخلها البن الأخضر وتظل المتخصصة في تحميص البن تدير المحماص بصبر لا ينفد فوق وابور الجاز المتوسط ذو «العدة الساكتة» أي الذي لا يخرج منه أي أصوات، وتظل «أم طارق» المتخصصة في تحميص البن لمدة ثلاث ساعات تحمص البن، ثم تطحنه في مطحنة يدوية أيضاً وتنكهه بالهيل وجوزة الطيب، وتقدم منه قهوة طازجة «للباشا والهانم» ساعة العصاري في «تراسينة» البيت البحرية.
وتضع محامص البن ومطاحنه في حي «المغربلين» في القاهرة الفاطمية، ومازالت المحامص والمطحنة محتفظ بهما في البيوت العريقة الخارجة من تحت عباءة الزمان الشامخ بناسه وعادتهم وتقاليدهم وقلوبهم الصافية كماء نبع لم يعكر صفوه أحد بعد.
الهون النحاسي ثقيل الوزن ومعه يد ثقيلة الوزن أيضاً يدق فيه اللحم لتجهيزه وتحضيره لعمل الكفتة، يوضع تحته قطعة قماش قطنية سميكة مبلله حتى يثبت عليها الهون لمدة ساعة تقريباً من «دق» اللحم حتى ينعم ثم يُصبع ويحمر في السمن البلدي.. وهذا المشهد من المشاهد الكوميدية في فيلم «الشقة من حق الزوجة» بطولة محمود عبدالعزيز ومعالي زايد ونعيمة الصغير التي قررت ان تزعج زوج ابنتها بالدق بالهون دون وضع القماش تحته فينتشر الضجيج في أنحاء البيت في إزعاج مستمر، ومتعمد.
«لندة الغاز»
«القبقاب» وهو عبارة عن «شبشب» مصنع من الخشب به حزام من الخيش الناعم تدخل فيه أصابع القدم، وهو كان مخصصاً للحمام فقط، ويحدث ضجة عند السير فيه، هو ضمن مفردات وأشياء غابت عنا، استبدلناها بالبلاستيكات الملونة «صينية الصنع» وظهر القبقاب في فيلم «مراتي مدير عام» كان يضعه أحد الموظفين داخل «دوسيه» يستخدمه قبل كل صلاة ليتوضأ به، وفي شكل وإطار كوميدي يسير به في مكان العمل «يكركع» به أثناء سيره.
وصناعة القباقيب في مصر قديمة منذ زمن الفاطميين واستمرت حتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي.
ومعقل صناعتها كان في منطقة السيدة زينب ففي المولد السنوي للسيدة زينب ينتشر الباعة بمختلف الأشياء منها «القباقيب» ومناديل الرأس ذات الكورات الملونة المعروفة في المجتمع المصري «بالمنديل بأوية» وهي اسم لتلك الكرات الملونة المصنعة من خيوط قطنية، وسط ساحات الذكر ورقصات التنورة.
ولم يخلُ بيت عريق من لمبة الجاز أو «لندة الجاز» كما كان ينطقها الناس بالعامية المصرية في الأحياء الشعبية وهي لمبة زجاجية تأخذ الشكل المخروط الزجاجي وتستند على قاعدة نحاسية يخرج منها «فتيل» يشعل عن طريق الكيروسين المملؤة به هذه القاعدة النحاسية، كانت تباع في المناطق الشعبية في مصر والشام والمغرب العربي، وفي البيت المصري كان استخدامها كثيراً خاصة في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، فقط تتلمذ على نورها الخافت كبار المثقفين وقتذاك، وكان يتحكم في انخفاض أو ارتفاع ضوئها مسمار ضيق جانبي فيرتفع الفتيل فيتوهج الضوء والعكس صحيح، وقد ظهرت في العديد من الأفلام المصرية مثل فيلم «شباب امرأة» بطولة شكري سرحان الطالب بكلية دار العلوم والذي كان يستذكر دروسه على ضوء لمبة الجاز، وفي ثلاثية نجيب محفوظ، عندما كانت ست أمينة تحمل لمبة الجاز لتضيء بها حجرة سي السيد، والسلم الذي يتهادى عليه أثناء صعوده ونزوله، وعندما كان يقول لها بلهجة حادة «أطفي لمبة الجاز» يا أمينة، هنا فقط تصلها رسالة غضب «سي السيد» عليها لأنها نزلت تزور أولياء الله الصالحين دون إذن منه، في صحبة أولادها «الرجالة».
وانطفاء لهب «لمبة الجاز» في الأفلام العربية القديمة كان دلالة إخراجية على توقع حدث درامي ينذر بالخوف أو الجريمة. وكانت لمبة الجاز و«البابور» الجاز والدفاية السوداء التي تعمل بالكيروسين من مفردات الشتاء في مصر، حولها تلتف الأسرة، وفوق الدفاية يحمص السوداني والفستق وتشيع أجواء الدفء المعنوي والحي وسط حديث جميل ممتد في ليالي الشتاء الرمادية.
ومازالت لمبات الجاز تصنع حتى اليوم في مصر في الأحياء الشعبية، وتطرح في الفنادق الكبرى كديكور قديم يلتف حوله السياح متسائلين عن حكايته وحكاية وابور الجاز والنحاسيات، وبكل لغات العالم يشرح المرشد السياحي حكاية مصرية لمفردات زمن مازال في الوجدان لم ينزوي خلف المحال بعد.
والكثيرين منا من سكان الزمان «اللي فات» نضع هذه المفردات والأشياء الغائبة/ الحاضرة في بيوتنا ونقول في حديث النفس: نحيا في رحابك كلما ضاق الزمان أو تاه الأمان، وكأننا نعيش في زمن سرقت فيه الأحلام.
ماسح الأحذية، من المظاهر النادرة الآن التي انزوت في البعيد فكان مظهر من مظاهر الأربعينات من القرن الماضي، وكان هناك قانون وضعه هؤلاء الذين يعملون بهذه المهنة وقسموا في إطاره أماكن لكل منهم، مثلاً بجوار جروبي كان ماسح أحذية عجوز، فات عليه أحذية كبارات المجتمع الذين يتناولون إفطارهم في جروبي وكبار المثقفين والاقتصاديين، ولكل نوع جلد دهان خاص به يخرجه ماسح الأحذية من صندوقه الخشبي الذي يرص فيه بحرفية كل أنواع وألوان تلميع الأحذية وكانت جميعها وقتذاك تستورد من نيوزيلندا.
وفي الإسكندرية كان يحط ماسح الأحذية برحاله عند نواحي الفنادق والمقاهي الكبرى المطلة على المتوسط وزبائنه من علية القوم ونخبة المجتمع، واليوم نجد ماسح الأحذية فقط في الأفلام العربية مثلما ظهر أحمد راتب كماسح أحذية في مجمع التحرير وسط القاهرة في فيلم «الإرهاب والكباب» بطولة عادلة إمام ويسرا وكمال الشناوي.
وسيظل سكان الزمن «اللي فات» يستعطفونه ليعود إليهم بالأمل الحنون، فمازالت الذكريات تطل من العيون.. ولا يسعهم إلاّ ان يحلموا بين أعشاب الجنون!! لأنه لا يعود!
دماسة الفول النحاسية
وجدت مكانها في كل فنادق السبع نجوم ولكنها خاوية من الفول الذي كان يدمس بداخلها في البيوت قديماً.
يلتف حولها السياح يستمعون لتاريخها وأهميتها، فهي تنحدر من العصر الفاطمي، ومازالت تصنع في مصر في منطقة النحاسين بالقرب من خان الخليلي، ويصنع منها أيضاً نماذج نحاسية صغيرة تستخدم كقطع ديكور في المنازل الحديثة اليوم، يصل سعرها لثلاثمائة جنية حالياً، بينما كان سعرها قديماً لا يتعدى العشر جنيهات.
والطريف انه يصنع نماذج صغيرة منها من الذهب عيار 24 تتدلى من سلسلة مجدولة حول عنق الشابات، يزيد ثمنها على ألف جنيه دون السلسلة الذهبية المجدولة.
