لا أحد يستطيع التفوق على ما تفنن فيه المصريون القدماء، عندما يتعلق الأمر بالوحوش المخيفة. فمن المؤكد أن مخلوقاً برأس التمساح وجسم الأسد وخلفية فرس النهر، سيتفوق في غرابته على أي شيء مماثل يمكن أن يتفنن في تصميمه مصممو أزياء «الهالووين» التي تتميز بغرابتها وتخصصها في إثارة الخوف والسعي لطرد الأرواح الشريرة، كما تقول الخرافة التي تقف وراء تلك الأعياد، المحتفل بها في أميركا الشمالية وبريطانيا، في نهاية أكتوبر من كل عام.
الأمر يبدو مضحكاً الآن، لكن طالما كانت تسبب هذه المعتقدات لقرون طويلة خلت، الخوف بين سكان مصر القديمة من مقابلة ذلك الوحش المخيف «كاتنشوت» بعد الموت، وذلك ضمن نظام معتقدات كامل، آمن به كل من الفراعنة الحكام والعمال الحرفيين، الذين كانوا يصممون تلك الأشكال. وقد لعبت الوحوش المفترسة، في الحقيقة، دوراً أساسياً في تشكيل واحد من أهم النصوص المثيرة للاهتمام التي جاء بها البشر حتى الآن، وهو «كتاب الموتى». وقد تم، أخيراً، افتتاح أكبر وأشمل معرض حول تلك العقيدة التي كانت تقوم على تحدي الموت أو محاولة التغلب عليه، في صالة القراءة في المتحف البريطاني. حيث يقدم المعرض للمرة الأولى بردية «غرينفيلد» بطولها الكامل، الذي يصل إلى 37 متراً والتي تعرض التفاصيل الكاملة لكل مرحلة من مراحل رحلة ما بعد الموت، التي آمن المصريون القدماء بأنهم سيصلون إليها بعد انتهاء حياتهم الدنيا.
إثراء
ومن المعروضات التي يضمها المعرض أيضاً، سلسلة رسومات متعاقبة، أخذت من برديات هونيفر وآني، وربما كانت البرديتان هما العملان الأكثر شهرة من نوعهما، حيث تجسدان الفصول الكثيرة التي تشكل في مجملها «كتاب الموتى». وكلتا البرديتين يملكهما المتحف البريطاني، الذي يحوز على أوسع مجموعة من تلك المخطوطات النادرة التي لا يوجد لها مثيل في العالم أجمع. والبردية الواحدة من تلك البرديات لا تقدر بثمن، بالطبع، والأكثر إثارة للدهشة من ذلك هو ذلك الإحساس بالألفة مع الصور والأشكال التي تقدمها تلك البرديات. ومن الخطوط العريضة الحلقية لرمز عنخ إلى منقار الصقر الذي يميز شخصية حورس، إلى رأس ابن آوى التي تميز شخصية أنوبيس، يبدو من السهل التعرف على الفور على الأشكال والعلامات التي تجسدها البرديات المصرية القديمة، حتى عندما لا يكون معناها مفهوماً. وبمرور القرون أثْرتْ تلك الأشكال والكتابة الهيروغليفية، تقاليد وفنون الرسم التوضيحي، وهي لا تزال تستخدم للآن، حتى في بعض الإعلانات التلفزيونية، التي ظهرت خلال الخريف الحالي. وبحسب جون تايلور، الخبير بالمتحف البريطاني، فيما يخص تلك الطقوس القديمة، فإن أفضل طريقة لتخيل «كتاب الموتى» هو النظر إليه على أنه خريطة أو خطة تطمئن الناس بشأن ما سيحدث لهم في حياة ما بعد الموت. ويقول: «إنه نوع من الخليط ما بين السحر والتعاويذ وتصاريح المرور، مع ميزة إضافية، وهي نوع من التأمين ضد مخاطر السفر».ولذلك، فإن كل البرديات التي صنعت من أجل الزبائن الراغبين في حياة طيبة بعد الموت، وذلك بين العامين 1500 قبل الميلاد و100 قبل الميلاد (ويعود تاريخ برديتي هونيفر وآني إلى ما بين العامين 1280 و1270، قبل الميلاد)، ويعتبر كل منها دليلاً من الألف إلى الياء، للعالم الآخر، مليئاً بالرموز والعلامات المهمة، التي تمهد وترشد روح الميت للمضي قدماً خلال مشهد تملأه الأشباح. وتعود البرديات إلى أناس ماتوا في أعمار تتراوح بين الـ25 والـ30، وهم غالباً من الصفوة، حيث كان المصريون القدماء لا يعمرون طويلاً، لما بعد الأربعين. كما أنهم كانوا يعيشون مع فكرة الموت بشكل يومي. والبرديتان محفوظتان في المتحف البريطاني بطريقة تبدو غير متقدمة تكنولوجياً، وسط رائحة الأتربة والأصماغ الموجودة بها، داخل ما يبدو أنه خزانة مدرس جغرافيا من عهد السبعينات من القرن الماضي. ويقول تايلور الذي يتولى تنسيق وإدارة المعرض الجديد، إنه لا يزال يشعر بالدهشة من دقة وتعقيد تلك الأعمال. ومع العلم بأن المرممين لم يجروا أي عمليات تنظيف أو إصلاح لتلك البرديات، فإن الرسومات تبدو وكأنها أعمال فنية منشورة في مجلة حديثة، بالأمس فقط. لكنها في الحقيقة هشة للغاية وهو ما يدفع المسؤولين عن المتحف إلى الحفاظ على درجات الحرارة والرطوبة عند مستوى معين ثابت، في غرفة التخزين.
إجراءات ترميم وحماية
إن أغلب البرديات الموجودة في المتحف جاءت إلى بريطانيا في القرن التاسع عشر، وكانت جزءاً من مقتنيات الدبلوماسيين والارستقراطيين العائدين من مصر. وتبدو الندوب والتجاعيد في تلك الأوراق التي عرضت للجمهور، عند تعريضها لضوء الشمس. ويقول تايلور عن ذلك: «للأسف فإن الأصباغ ليست مستقرة بالدرجة التي كنا نظنها. لون التراكوتا (الطين النضيج) تبدد، وتحول إلى بني باهت، والألوان الصفراء صارت أكثر ابيضاضاً. لذلك علينا الآن أن نكون حذرين جداً بشأن ما نقرر عرضه للجمهور». وفي مرحلة أولية من مراحل الحفاظ على تلك البرديات، تم تجميع بعض البرديات المتضررة في شكل بانوراما. ولم يتم فهم معنى الكلمات ولا الصور في ذلك الوقت. لذلك كان يتم التوفيق بين الأصباغ والخطوط بصعوبة من خلال الرؤية بالعين المجردة. بعد ذلك، تم وضع تلك البرديات المشظاة، وعدد كبير غيرها من التي تتمتع بحالة جيدة، على أوراق بنية مقواة وإطارات، وغطيت بالزجاج. واستعداداً للمعرض الجديد، تم تقشير الأوراق الداعمة ببطء، بواسطة الملاقيط والقليل من الماء. وستكون أوراق البردي وحدها في قلب المعرض الجديد. ورغم أنه سيتم أيضاً عرض موميائين متميزتين وبعض التوابيت الذهبية وأقنعة المومياوات، علاوة على الخليط المتلألئ من التمائم والتعاويذ السحرية، فإن البرديات هي التي تشكل المضمون الحقيقي للمعرض. وقبل فك شيفرتها بالكامل، فإنه لقرون طويلة بعد اكتشاف حجر رشيد في العام 1779، كان من المعتقد أنها تحكي قصص حياة فردية. والآن من الواضح أنها كانت جزءاً حيوياً من أدوات جنائزية، أنتجها كتبة اختصاصيون كانوا يعملون في ورش عمل ملحقة بالمعابد. وفي بعض الأحيان كان الكتبة يعملون بسرعة جعلتهم يتركون الأشكال والصور في مرحلة التخطيط المبدئي بالحبر الأسود، كما يحدث في القصص المصورة للأفلام الحديثة.
أسماء الكتبة مجهولة
أصبح تايلور الآن، وبعد أن تعلم مبادئ اللغة الهيروغليفية، متعمقاً بشدة في الفنون المصرية القديمة، لدرجة أنه بات باستطاعته التمييز بين الطرق المختلفة في الرسم والكتابة، التي تميز عدداً من الكتبة والرسامين المصريين القدماء. ويقول بنبرة من الحزن: «لكنني لا أستطيع معرفة أسمائهم (الكتبة) بالطبع». ومن الملاحظات التي تسجل على البرديات أن بعضها به فجوات غريبة في النصوص. تلك الفجوات تركت عن عمد، لوضع اسم الزبون عند توفره. وفي موضع ما، يظهر أن اسماً قد أضيف بخط أكثر سمكاً، وعلى عجل فيما يبدو. لقد كان يصل طول بردية «آني» المفصلة، التي يعتقد أنها من بين أفضل النماذج الباقية في العالم، إلى 23 متراً. لكن يبدو أن هناك خطاً واضحاً فيما يتعلق بذلك، ويظهر عند اتصال ورقتين من أوراق البردي، لأنه يظهر أنها أنجزت بواسطة أكثر من يد داخل ورشة العمل. وتتم قراءة مخطوطة البردية من أحد جانبيها إلى الجانب الآخر، اعتماداً على الجهة التي يتجه إليها رأس الحيوان المجسد فيها. وتظهر ترميزات السحر والتعاويذ بجوار الصور التي تستحضرها، والتي تستدعي في الغالب ذلك النوع من المشكلات التي يواجهها الناس في حياتهم، مثل إبعاد شبح المرض. وهي تظهر في شكل مباشر في الغالب، وفي شكل نثري أكثر منه شعرياً. ومن ذلك عبارة مثل: «عد أيها الثعبان!». وهي تُقرأ على أنها حماية من الثعابين السامة. وبالنسبة للمصريين القدماء كانت كتابة شيء بطريقة تقليدية، أو رسمة، كانت وسيلة لجعله يتحقق. ونتيجة لذلك، لا توجد صور ولا مقاطع كتابية في «كتاب الموتى» تصف أي شيء غير سار. فتضمينها يعني جعلها جزءاً من الخطة المفترض حدوثها بعد الموت. ولكن كان هناك دائماً تأكيد كبير على إسقاط أسماء بعض الآلهة في بعض النقاط عبر تلك الرحلة.
