الإنسان هو لسانه، واللسان يمثل شخصية حامله، لكن ثمة إنسان يقود لسانه، وآخر ينقاد خلف زلات لسانه، وهناك زلات لسان أحدثت وقائع وأحداثاً كبرى في التاريخ البشري، وكان أصحابها يرددون، في محاولات للتراجع عن ما قالوا : «إنها كانت زلات لسان». ولكن الناس يأخذون الأمر على محمل الجد حتى لو كانت بالفعل هي زلات لسان حقيقية، لأن هذه الزلات لا تنطلق من فراغ، ولها خلفياتها المخفية كما يتفضل علماء التحليل النفسي بتحليلها بتفاصيلهم المملة أحياناً.
لسان الإنسان هو من الألغاز التي ما تزال البحوث والدراسات والتحليلات تدور حولها، دون أن تبلغ مرحلة الاستقرار، وحقيقة الأمر فإن كل بحث يقود إلى بحث آخر، وكل بحث جديد هو فتح باب أمام منهج جديد للبحث عن أسرار هذا العضو العجيب الذي يختص به الإنسان ويتحمل مسؤوليته كذلك، دون مخلوقات الأرض الأخرى.
حكمة اللسان
يتميز الإنسان الحكيم بأنه أول من يصمت، وآخر من يتكلم، ويتميز الإنسان المتسرع بأنه أول من يتكلم وآخر من يصمت. ولذلك يقال: «إذا كان الكلام من فضة، فإن السكوت من ذهب».
ويقول الإمام الشافعي :
احفظ لسانك أيها الإنسان
لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الأقران
وهناك الكثير من الأمثلة الشعبية تشير إلى عظمة مسؤولية اللسان، وتحذر الناس من ألسنتهم، سواء أكانت كلماتهم مقصودة، أم زلات، لأن الكلمة تذكّر بصاحبها، ولذلك قالت الحكمة الشعبية : « لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك». وربما لا يعرف الإنسان قيمة لسانه إلا إذا فقده، ولعل فاقد الصوت هو أكثر الناس يدرك قيمة معاني الكلمات.
تعريف
يعرف العالم المتخصص، دي سوسّير، اللسان : «نسق من العلامات المميّزة التّي تتوافق مع أفكار، هي بدورها مميّزة.»
وهو يرى أن اللسان، من حيث هو نسق اجتماعي، عن الكلام بما هو توظيف وممارسة فرديّة. ففي اللّسان يحذف «الجوهر» السّمعي والنّفسي، لكي يقع الاحتفاظ، في الأخير ب الشّكل، أي العلاقات المتفاضلة والمتقابلة بين عناصر عدة، سواء كانت صويتمات ذوَُجٍمَّ أو قواعد نحويّة، كما يفسر سوسير.
ويتألف اللسان من أربع مناطق : أقصى اللسان، وسط اللسان، حافة اللسان أو حافتي اللسان، طرف اللسان.
وقد ورد في الصحاح بأن اللسان: «جارحة الكلام، وقد يكنى بها عن الكلمة فتؤنَّث حينئذ».
اللسان في القرآن الكريم و الأحاديث النبوية
ذات يوم جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فجاء رجل وشتم أبا بكر الصديق وآذاه، فسكت أبو بكر ولم يرُدَّ عليه، فشتمه الرجل مرة ثانية، فسكت أبو بكر، فشتمه مرة ثالثة فرد عليه أبو بكر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، من المجلس وتركهم، فقام خلفه أبو بكر يسأله: «هل غضبتَ على يا رسول الله فقمتَ؟». فقال الله صلى الله عليه وسلم: (نزل مَلَك من السماء يكذِّبه بما قال لك، فلما انتصرتَ (أي رددتَ عليه)، وقع الشيطان (أي: حضر)، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان) [أبو داود].
وكانت السيدة عائشة تجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبلت عليهما أم المؤمنين، السيدة صفية بنت حُيَي، فقالت السيدة عائشة للنبي : «حسبك من صفية كذا وكذا - تعني أنها قصيرة-، فقال لها النبي : (لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزَجَتْهُ (عكَّرته). [أبو داود والترمذي]
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18].
وقال الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان (تذل له وتخضع) تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوَجَجْتَ اعوَجَجْنَا) [الترمذي]. وقال الله صلى الله عليه وسلم: (لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيمَ قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) [أحمد]. وقال ابن مسعود:» والذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان «.
ورُوِي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كَثْرَة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعدَ الناس عن الله القلبُ القاسي) [الترمذي].
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم:» أي الإسلام أفضل؟ «فقال الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده) [متفق عليه]. وقال عقبة بن عامر:» يا رسول الله، ما النجاة؟». فقال الله صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك ولْيسعك بيتك، وابْكِ على خطيئتك) [الترمذي].
وقال الله تعالى في كتابه الكريم: {وإذا مروا باللغو مروا كرامًا} [الفرقان: 72]. وقال الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [متفق عليه]. وفي حديث سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة. أخرجه البخاري.
ويروى أن امرأتين صامتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكانتا تغتابان الناس، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال عنهما: (صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله) [أحمد]، أي أنهما صامتا عن الطعام والشراب، وأخذتا تتحدثان وتخوضان في أعراض الناس فلم يقبل الله صيامهما.
ثمرة
ذكر الإمام مالك في الموطأ، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه دخل على أبي بكرٍ الصديق -رضي الله عنه- وهو يجبذ لسانه، أي: يجره بشدة، فقال عمر: «مَه !! غفر الله لك»، فقال أبو بكرٍ -رضي الله عنه-: «إن هذا أوردني الموارد».
و قال رجل: رأيت ابن عباس آخذًا بثمرة لسانه وهو يقول: «ويحك، قل خيرًا تغنم واسكت عن شرٍّ تسلم، فقال له الرجل: يا ابن عباس، مالي أراك آخذاً بثمرة لسانك وتقول كذا وكذا؟ قال ابن عباس:» بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيءٍ أحنق منه على لسانه». يعني لا يغضب على شيءٍ من جوارحه أشد من غضبه على لسانه، والأثر أخرجه ابن المبارك وأحمد وأبو نعيم وأحمد في كتاب الزهد.
وقال عبد الله بن أبي زكريا: «عالجت الصمت عشرين سنة فلم أقدر منه على ما أريد»، وكان لا يدع يعاتب في مجلسه أحدا، ويقول: «إن ذكرتم الله أعناكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم». وكان طاوس بن كيسان ؟رحمه الله- يعتذر من طول السكوت ويقول: «إني جربت لساني فوجدته لئيمًا راضعًا.» وذكر هناد في كتابه الزهد بسنده إلى الحسن أنه قال: «يخشون أن يكون قولنا (حميد الطويل) غيبة»، لأنهم بينوه ونسبوه أنه طويل.
قال النووي في الأذكار : «بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان».
وقال إبراهيم التيمي: «أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عامًا ما سمع منه كلمة تُعاب». وقيل للربيع: «ألا تذم الناس؟» قال: «والله إني ما أنا عن نفسي براضٍ فأذم الناس؟! إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس، وأمنوه على ذنوبهم.» وقال حماد بن زيد:» بلغني أن محمد بن واسع كان في مجلس فتكلم رجل فأكثر الكلام، فقال له محمد: ما على أحدهم لو سكت فتنقى وتوقى».
وقال بكر بن المنير سمعت أبا عبد الله البخاري يقول : «أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً».
