السيد نجم

لم يسقط البشر «القمر» من وجهتهم وذاكرتهم، منذ قديم الأزل، وحتى الآن. وأصبح له مع باحثي علم الاجتماع والتراث الشعبي باعا يذكر.. ومع العشاق المحبين كل الذكريات التي لا تنسى.. ومع الشعراء مكانة خاصة.. ومع رجال العلم والفلك وجهته.. ولدى رجال أبحاث الفضاء كل الاهتمام.. وترى من أيضا؟.

هناك سحر غامض للقمر، وكثيرا ما رددوا أن للشمس وضوحا ظاهرا كضوئها الذهبي، أما القمر فقد عامله أجدادنا مطويا بالغموض، وما زال رجال العلم فينا، يبحثون في غموضه.. الشعراء وأرباب العشق والجوى وحدهم يعشقونه على أحواله، ويتغنون بكل أشكاله من المحاق إلى البدر. هو «القمر» مع كل عشاقه، باتت أحواله، وأحوال عشاقه معه، من المعتقدات، والتي قد تبدو متناقضة وغريبة أيضا. وفي كثير من الحالات يتوقف تصرف العاشق على ما يعتقده في يقينه ووجدانه، من غير سبب أو معيار واضح إلا التعلق بمعشوقة، من غير النظر حتى في عاقبة ما يعتقد، وفي هذه الحالة هو محكوم بمعيار يعتقده، كذلك أحوال بعض عشاق القمر.

وقد يحكم عشاق القمر، كغيرهم من العشاق، بمعتقد موضوعي، أي بظواهر قابلة للمراقبة في الواقع الحياتي. وكما أشار أساتذة الاجتماع «دوركهايم» و«يبر» و«اريتو» فإن المعتقدات تلعب دوراً أساسياً في الحياة الاجتماعية، يمكنها أن تحدد أهداف الفرد والجماعة.. ويمكنها أن توجه إلى الوسائل الواجب استخدامها.

عشاق القمر القدماء!

كان عشق القدماء للقمر، معتقدا راسخا، وبقي فاعلا حتى اليوم، على الرغم من كل المنجز العلمي الذي نعيشه. إن المعتقدات الشعبية إرث تناقله الأبناء عن الآباء والأجداد، فلازمهم مسيرة حياتهم، والمعتقدات هاجس يشغل بال الناس فيشعرهم بالتفاؤل والفرح حيناً أو الخــــوف والتشاؤم حيناً آخر. وخضع القمر لهذه المعتقدات، مثل غيرة من عناصر وظواهر الطبيعة للتأويل، استناداً إلى خلفية فكرية طبعتها الأيام والسنون في الذاكرة الجمعية. ومن المعتقدات القديمة لدى المغاربة، أن القمر هو حورية تولد في أول الشهر وتموت مع تمامه، وفي كل شهر يولد ويموت قمر مختلف، حتى درج المغاربة على القول لبعضهم البعض إن «الشهر قد مات». وإن الأقمار أو الحوريات التي تموت تؤنس أرواح الموتى.. ولا يجوز للمرء أن يشير إلى القمر بسبابته، ولا أن يتبول في اتجاهه، لأنه لو حدث، سيحدث ما لا تحمد عقباه. فمن المعتقدات الشعبية الطريفة والمعروفة أن رؤية القمر، تبعث على البهجة عند العشاق الحالمين.. ففي بريطانيا ينحنون محيين القمر في يوم طلوعه الأول (أول الشهر القمري) ثم يضعون عملة نقود فضية في جيوبهم طلبا للرزق المنتظر!

تأويلات «قمرية»

لم تنته أحوال عشاق القمر إلى هذا الحد، فمنهم من حاول ربطه بقوى خفية أو (ما وراء الطبيعة) أو بالسحر. فقد أعطوا للقمر أسماء لا يعرفها غيرهم، تكتب وتحمل فتحمي حاملها، حتى أن احد كبار المتصوفة في المغرب «المتصوف البونى» قال: «واعلم أن الأسماء السبعة وهي: لياخيم- ليالغو- ليافور- لياروث- لياروغ- لياروش- لياشلش»، تسمى أسماء القمر، ولها خواص عجيبة وأسرار غريبة». ومن خواصها أنها تدخل في إعداد الجداول السحرية المستعملة لأغراض الحب، وتيسير العـــلاقات بين الناس. وفي ذلك يوضح البوني أن القمر له «الأفق المتسع تصريفه فــي المحبة لكل الناس والبهجة والقبول».

وهناك من يعتقد أنه يجب أن يشاهد الهلال الجديد عن طريق الكتف اليسرى.. وان الحظ سيكون سيئا إذا شوهد عن طريق الكتف اليمنى.

وفي لبنان يعتقدون بتأثير القمر في حالة الطقس، فيراقبونه وهو هلال إذا كان مسطحا وقرناه إلى الشرق، وقالوا إن شهره سيكون في اغلبه جافا أو حارا، وإذا كانا منحرفين إلى الجنوب أو إلى الشمال قالوا إن شهره سيكون رطبا أو ممطرا. بينما قالت بعض قبائل الهنود الحمر، أن تناقص القمر ناتج من قرض جرذان الحقل، حتى لا يؤذي الأرض.

وكذلك العراقيون كانوا يعتقدون بأن (الحوتة) هي التي تبتلع القمر، يخرجون في جماعات.. تصيح وتكبر، وتقرع على الأواني النحاسية، بل وتضرب الرصاص في الهواء في ما يحتضر القمر!

مثلهم مثل المصريون فهم أيضا اعتادوا القرع على الطبول والنقر على الصفائح المعدنية الفارغة محدثين بذلك دويا وهم يرددون (يا أولاد الحور، سيبوا القمر ينور)!

نازك الملائكة والقمر

الشعراء أول من عبر عن القمر، وخاطبه في كل أحوله.. حزينا وفرحا، يتأمله ويناجيه، وقد يأخذه صديقا أو رمزا.

وتقول «نازك الملائكة» في القمر:

من بَخور المعابدِ في بابل الغابرة

من ضجيج النواعيرِ في فَلَواتِ الجَنوبْ

من هتافاتِ قُمْريّةٍ ساهرة

وصدى الحاصدات يغنّين لحنَ الغروبْ

ذلكَ الصوتُ. صوتُكَ سوف يؤوبْ

لحياتي. لسمع السنينْ

مُثخَنًا بعبيرِ مساءٍ حزينْ

أثقلتهُ السنابِلُ بالأرَجِ النَّشْوانْ.

بصدًى شاعريّ غريبْ

من هُتافاتِ ضفدعةٍ في الدجى النعسان

يملأُ الليلَ والغدْرانْ

صوتُها المتراخي الرتيبْ

ذلك الصوتُ. صوتُكَ سوف يؤوب

لحياتي. لسَمْع المساءْ

سيؤوبُ وأسمعُ فيه غناءْ

قمريَّ العُذوبةِ فيه صَدًى من ليالي المطر

من هدوءِ غُصونِ الشجر

وهي تمتصّ سَكْرى. رحيق السَّماءْ

الرحيقَ الذي عطّرتْهُ الغيومْ

بالرؤى. بتحايا النجومْ

.. في العلم

عشق العلماء للقمر يوجد للقمر والاهتمام به، خلال أيامنا المعاصرة، توجه موضوعي وعلمي. وأصبح للعلم كلمة حوله، وان تفاوتت الرؤية والنتائج، فما زال عشاق القمر كثرا. وللقمر تأثيره على الأرض فيزيائيا (على الرغم من أن قطره يبلغ (‬3478) كم فقط كما تبلغ كتلته جزءاً من (‬80) جزءا من كتلة الأرض.. فإذا اقترب من الأرض حوالي (‬385000) كم، تتضح له قوة جذب ذات أثر عظيم: المحيطات ترتفع لتكوِّن (المد)، وحتى القشرة اليابسة لا تخلو من التأثيرات. فقارة أميركا الشمالية قد ترتفع بمقدار خمسة عشر سنتمتراً عندما يتوسط القمر سماءها.كما لاحظ العالمان الفرنسيان (جوبت) و(جاليه دي فوند) أن للقمر تأثيراً على الحيوانات، فمنذ مولده كهلال، ومع بلوغه مرحلة البدر الكامل.. يكون هناك نشاط جنسي عند الحيوان، حتى لاحظا أن الدواجن تعطي بيضاً أكثر.. وكذلك أسماك وحيوانات ومحارات المحيط الهندي والبحر الأحمر.. تنتج بويضات في فترات معينة لأوجه القمر. وهو ما فسراه بأن القمر يبلغ ذروة تأثيره في مرحلة البدر منه، فيؤثِّر على ضغط الدم رافعاً إياه، مهيجاً الدم ما يثير الشهوة. وفى المقابل رصدت بعض الدول الغربية ارتفاع نسبة الجرائم والاعتداءات في هذه الليالي والأيام!

وحظي القمر باهتمام علماء الفضاء، وكان الهبوط على سطح القمر واستكشافه بالمركبات الفضائية هدفا رغبوا بتحقيقه طويلا، حتى بدأت الرحلات الفضائية بإطلاق أول قمر صناعي روسي في عام ‬1957. وتبع ذلك إطلاق أول رائد فضائي روسي (يورى غاغارين) في عام ‬1961، تبعه أول رائد فضاء أميركي (آلان شيبارد). وأشتد الحماس والتنافس. وأطلق العديد من المركبات الفضائية الروسية والأميركية، حيث ركز السوفييت على الرحلات الفضائية حول الأرض، لكن الأميركان حددوا الهدف بإرسال أول آدمي يطأ سطح القمر بقدمه. ولقد سبق الهبوط على سطح القمر محاولات عدة لاستكشاف القمر بالمركبات الفضائية الروسية من طراز «لونا» والأميركية من طراز «رينجر» و«سيرفيبور» و«أوربتر». ثم ظهرت سلسلة المركبات الفضائية الأمريكية من طراز «أبوللو» التي اعتبرت أكبر تحد للذكاء التقني للإنسان.