محمد الحمامصي
يرتبط تاريخ الطاحونة بتاريخ صناعة الخبز، فالقمح والشعير والذرة وغيرها من الحبوب كان لابد من طحنها لصناعة الخبز، لذا عرف الإنسان الطحن منذ فجر التاريخ: طحن الحبوب، فبدأ في دقه بمدقات من حجر هي أشبه بالهاون «المجرس»، تضرب بقوة في تجويف كتلة حجرية (جرن)، حيث يهبط الهاون على القمح بداخلها، ويكون المدق ثقيلا مصنوعا من حجر صلد أيضا.
تطورت آليات عملية الطحن إلى استخدام المدق الرحى: حجران مستديران، يدار أعلاهما على أسفلهما باليد، وفي أوسط الأعلى فرجة مستديرة يُصب فيها القمح، ليجري بين القرصين فيطحن مع هذه الحركة. وكبرت «الرحوات» حتى كانت تدار بالحيوانات، أو بقوة اندفاع الماء من مجاريه الطبيعية، أو بمراوح الهواء التي تطول عاليا نحو السماء، لتتشكل الطواحين، التي اتخذت أشكالا وأحجاما تختلف باختلاف المكان، ولم تخل منها مدينة أو قرية في العالم القديم والحديث، وهي تنتشر حتى الآن في صورها البدائية في القرى هنا أو هناك، في مختلف البلدان العربية والإسلامية، جنبا إلى جنب مع المطاحن الكبرى في المدن التي تصنع وتدار بأحدث التقنيات التكنولوجية الحديثة. وفي القرن الرابع الهجري ابتكر العرب المسلمون نوعا جديدا من الطواحين يدار بالماء، إذ صنعوا سفنا وركّبوا عليها طواحين تدور بفعل ضغط مياه الأنهار، ويذكر الجغرافي العربي المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، أن أهل البصرة في ذلك الزمان كانوا يعانون من مشكلة المد والجزر في شط العرب كل يوم، فعمد بعض الصناعيين من أهل المدينة إلى صناعة الطواحين، وجعلوها على أفواه الأنهار ليديرها الماء أثناء حركته خارجا وداخلا، وبذلك استطاعوا حل مشكلتهم بما يعود بالفائدة عليهم.
بدايات ظهور الطاحونة
كان نهر دجلة من أهم الأنهار التي أقيمت عليها الطواحين، إذ كانت تقام في تكريت والحديثة وعكبرا وبغداد، ويروي لنا علماء التاريخ وصفا للمطحنة التي كانت قائمة في مدينة الموصل، وهي كما يقول المؤرخ ابن حوقل في كتابه «صورة الأرض»، عربة مصنوعة من الخشب والحديد الذي لا يمازجه شيء من الحجر والجص، وكانت تثبت وسط الماء بسلاسل الحديد، وكانت ترتبط بحجرين كبيرين يطحنان القمح كل يوم.ونقل المؤرخ اليعقوبي أن مدينة بغداد كان فيها طاحونة يقال لها البطريق، وهي طاحونة عظيمة تدير مئة حجر، وكان أصحابها يجنون لقاء عملهم فيها، مئة مليون درهم كل سنة، وهو مبلغ ضخم في مقاييس ذلك الزمان.
ويسجَّل للعرب المسلمين استخدام الطاحونة الهوائية في تاريخ مبكر، وكانت تلك الطاحونة تستخدم قوة الرياح في دورانها ؛ ففي إقليم سجستان وكرمان، كان الناس يستفيدون من الرياح المحلية التي كانت تسمى «باد صدو بيست روز »، وتهب خلال مئة وعشرين يوما كل سنة، وكان أهل تلك المنطقة ينصبون الطواحين عليها، وكانت كل الطواحين تتألف من ثمانية أجنحة، وينصبون أمامها عمودين ينفذ بينهما هواء كالسهم، وكانت الأجنحة تشكل مع المحور زاوية قائمة، وكان طرف المحور السفلي يحرك حجرا ثقيلا، وهذا الحجر يدور فوق حجر آخر، واستمرت هذه الطاحونة إلى عصرنا هذا. كما أن الناس الذين يشرفون على الطواحين كان في إمكانهم تنظيم سرعتها بواسطة ما يسمى «المنافس» التي تغلق وتفتح كما نفعل في أيامنا هذه بالعجلات المائية، ويروي أحد العلماء المسلمين الذين عاشوا في القرن الثامن الهجري وبداية التاسع، قصة إحدى الطواحين فيقول «حدثني رجل دخل مدينة سجستان وكرمان، أن الطواحين تدور بوساطة ريح الشمال، وأن هذه الريح تهب على المدينتين في الصيف والشتاء، وريح الصيف أشد وأقوى من ريح الشتاء، وكان عدد الطواحين الهوائية يبلغ اثني عشر ألف طاحونة، وكان في كل طاحونة موضع يستخدمونه للتحكم في شدة السرعة؛ إذ كانت الطاحونة تدور بسرعة كبيرة جدا فتحرق الدقيق ويخرج بلون أسود، وربما أدى ذلك إلى تهدم الطاحونة، فهم يحتاطون لذلك».
أشهر الطواحين
تعد الطاحونة التي عثر عليها في منطقة «التقارة» الأثرية في صعيد مصر، وكانت تستخدم في طحن الغلال والحبوب منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، من أشهر وأقدم الطواحين الأثرية. ويبلغ طولها 48 سم، ويوجد فيها فجوة من أعلى تستخدم لطحن الغلال. وكذلك تمثل الطاحونة التي عثر عليها في «دير العصافير» في غوطة دمشق، طاحونة أثرية تعود إلى بداية العصر الإسلامي، وهي تحتوي على 6 رحى بازلتية كبيرة الحجم، وأدوات طحن مختلفة، إلى جانب عدد من الرحى صغيرة الحجم، أما آلية عملها فكانت تعتمد على طاقة المياه المستجرة من الينينبوع القريب من الموقع، حيث تصبّ على دولاب خشبي مرتبط بمحور مع اثنتين من الرحى توضع في الطابق الأعلى، مؤلفتين من قسمين السفلي ثابت والعلوي متحرك، وتدوران مع دوران الدولاب الخشبي.
وأيضا في الأردن وجدت طاحونة «عودة» الأثرية في وسط وادي الريان «اليابس»، في الجزء الجنوبي من لواء الكورة، وهي طاحونة للحبوب بنيت في العصر العثماني عام 1847، وتعمل بقوة دفع الماء الجاري في الوادي لطحن القمح وأنواع أخرى من الحبوب، من خلال أجزاء الطاحونة المكونة من البرج وقناة البئر والدولاب وغرفة الطحن التي تبلغ مساحتها20 مترا مربعا، ونتيجة للتطورات الحضارية التي حدثت في منتصف القرن العشرين تراجع دور هذه الطاحونة فتوقفت عن العمل وتعرضت للإهمال والتخريب وفقدان بنائها المعماري ومكوناتها الرئيسية، وقد نفذ مكتب آثار لواء الكورة مشروعا لصيانتها وترميمها وإعادة إحيائها في عام 2005، لتعود إلى العمل كما كانت في الماضي.
«طاحونة أبو شاهين»
وهناك أيضا عدد من الطواحين الأثرية، ومنها «طاحونة أبو شاهين» لطحن الغلال، التي أنشأها عثمان آغا الطوبجي في القرن الثاني عشر الهجري /الثامن عشر الميلادي، في العصر المملوكي بشارع «الأمصيلي» في مدينة رشيد شمال القاهرة، في نقطة التقاء النيل بالبحر المتوسط. ويوجد في الطاحونة مداران، أحدهما شرقي والآخر غربي، وكل مدار مكون من حجر مستدير به فتحة، وفي وسطه للأسفل قاعدة ثابتة ذات حافة بارزة لحجز الحجر المستدير، وفتحة أخرى لصب الدقيق، والحجر العلوي مثبت من أسفله بعجلة صغيرة تتصل بدورها بعجلة كبيرة هي عبارة عن ترس من الخشب، وهذه العجلة مثبتة في قائم خشبي رأسي الوضع ومربع الشكل موضوع في محور الترس الكبير، ويدور حول نفسه وينتهي من أعلى بإصبع خشبية تدور في ثقب داخل (الجايزة)، وهي الخشبة المستعرضة والتي تحمل أجزاء الطاحونة وتتصل (بالهرميس) الذي يوضع على رقبة الثور أو الحصان لتحريك الطاحونة، كما توجد فتحتان معقودتان بالمدارين يرتكز عقد كل منهما على عمودين رخاميين، وكانتا مخصصتين لجلوس السايس الذي يشرف على التشغيل. وقد زخرفت معظم جدران الطاحونة بطوب «المنجور المكحول»، وهي طريقة في البناء تستخدم طوبة حمراء وأخرى سوداء، بالإضافة إلى الاستعانة بالعقود الثلاثية أو المدائنية في بناء الجدران الحاملة للأسقف. ومن مميزات هذه الطاحونة أن لها قادوسين متقابلين ومنفصلين عن بعضهما، وممكن طحن نوعين من الحبوب فيها، في آن واحد، وكل منهما مرفق بصندوق لنقل الحركة يتحكم في درجة نعومة وخشونة الطحين، حيث إن البعض كان يحب أن يحصل على الذرة «المدشوشة»، على سبيل المثال. وكانت الطاحونة تعمل بشكل يومي ما عدا يوم الجمعة، حيث كان عطلة أسبوعية يستريح فيها الطحان من عناء عمل أسبوع متواصل، ولترتاح معه البغال وليتيحا فرصة لعامل الصيانة ليقوم بعمله في تفريغ أحجار الطاحونة وتخليصها من الطحين والحبوب العالقة بها، مستخدما قطعة من الحديد مستطيلة الشكل يتم جلي الأحجار بها لتنظيفها.
الأبنودي يصف الطاحونة
يصف الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الطاحونة وعملها ودورها في صعيد مصر، حين يتذكر قائلا: شغلتني حكاية «الطحان» هذه وسألت «ست أبوها» عن حقيقة القصة، فقالت لي إن أولاد جدي أحمد عبد الوهاب الأربعة، أي أبي محمود وإخوته الثلاثة: محمد وعلي ومصطفى، كانوا يحتكرون العمل في طاحونة «الخواجة قلادة». ولم يكن قلادة أجنبيا كما قد يتبادر إلى الذهن من تعبير خواجة، لكنه كان مسيحياً مصرياً قبطيا. كان عمي محمد الوحيد بين إخوته الذي تلقى قسطا من التعليم، إذ ذهب في صغره إلى «الكُتَّاب» قبل أن يعمل في طاحونة قلادة، وأهلته هذه الميزة ليتولى تسجيل الوارد والصادر في دفاتر الطاحونة ويصبح مسؤولا عن الميزان «القبّاني» الذي توزن عليه الغلال. أما علي فكان هو الواقف على «القُمع» الذي تلقى الغلال فيه لتنزل تحت حجر الطاحونة وتصبح دقيقا. وبحسب تعبير «ست أبوها» كان علي يلقي الغِلال في القُمع ثم يصيح بصوته «القبيح» قائلا: «غَيَّر» إيذانا بتغيير الأواني التي تتلقى الطحين ووضع أوانٍ بدلاً منها، تتلقى طحين «زبون» جديد. وكان مصطفى يتولى نقل الطحين من أواني الطاحونة إلى «مقاطف» النسوة التي يحملن فيها الغلال، إلى الطاحونة ويحملن الطحين فيها إلى البيت. أما أبي محمود فكان لأمانته يتولى تحصيل أجر الطحين الذي كان يتقاضاه في صورة نقدية «ملاليم معدودات»، أو في صورة عينية «بيض أو بلح مثلا». كان الزبائن يأتمنونه. وكذلك كان الخواجة قلادة يأتمنه ويعرف أنه سيحاسبه، بالضبط، على ما دفعه الناس.
شجن وحب وهوية
برزت الطاحونة في عدة صنوف إبداعية فكرية، منذ القدم، وذلك نتيجة للحضور القوي الذي كانت تشكله الطاحونة فرعونيا وعربيا وإسلاميا، والذي استمر حتى وقت قريب من القرن الماضي، ولكنه انحسر الآن إلى حد ما، إذ حضرت الطاحونة في الفنون والآداب والحكايات الشعبية والفلكلور، فغنت فيروز للقاء الغرامي بين حبيبين «ع الطاحونة، شفتك ع الطاحونة، جرحوني عيونك جرحوني». غنى سمير الإسكندراني تتر المسلسل الشهير الذي قام ببطولته يحيي شاهين حيث لعب دور المعلم صاحب طاحونة الغلال، ومعه فاطمة التابعي، وعبدالله محمود وأحمد ماهر. وقالت كلمات التتر: «قلب الطاحونة حجر، قلب الزمن غدار، زمن وفيه العجب بيدي من غير سبب، ويلم ويفرق وينجي ويغرق ولا عمره بيفرق بين التراب والذهب ولا الحسب والنسب».
