يبدو أن الأدب العربي الحديث قطع أخيرا أشواطا عدة طويلة في خطوة واحدة. ومن المثير للاهتمام، أنه خلال العشرين سنة من 1947 إلى 1967، ظهر في ترجمة انجليزية عشرون عنواناً فحسب في الأدب العربي الحديث، وقد تحسن الوضع قليلا في السنوات العشرين التالية من 1967 إلى 1988، حيث تم نشر 84 عنواناً مترجماً. ولا أملك أرقاما بالعدد السنوي لما هو منشور في هذه الايام، لكن الوضع تحسن بشكل كبير، والأدب العربي الحديث لم يعد يقرأ من قبل قلة من الطلبة المهتمين بالموضوع فحسب.
وأذكر انه منذ زمن ليس ببعيد قيل لي في مراجعة لأحد كتبي إني لم أرسم أسماء الأدباء بحسب النطق بشكل صحيح. كيف أكتب على سبيل المثال، طيب صالح في حين الطريقة الصحيحة يجب ان تكون الطيّب صالح (بوضع نقاط تحت حروف تي وأس وإتش لتمييزها عن أحرف أخرى في العربية ليست موجودة في الانجليزية).
والآن لقد وصلنا إلى وضع يطلق فيه على الأديب الاسم الذي يختاره لنفسه في اللغة الانجليزية. فما الذي يهم القارئ إذا ما كانت كتابة حرف «أس» باللغة الانكليزية في صالح، وهو في الحقيقة حرف الصاد كما يجري تهجئته في العربية، أو إذا كان حرف الـ«واي» في الاسم الأول الطيبّ مكتوبا مرتين على التوالي باللغة الانجليزية أم لا؟ فنحن نرى أسماء مثل دستيوفسكي أو تشيخوف تكتب بطرق مختلفة من دون الشعور بأن ضررا قد ألحق بالأديب. في كل الأحوال نحن لسنا طلاباً في اللغة الروسية ولا يتعين علينا تهجئة أسمائهم بتلك اللغة. على كل حال، الموقف الآن مفاده «الأبسط هو الأفضل» ولا يتعين على أحد بعد اليوم أن يتعلم اللغة العربية لكي يقرأ أدباً عربياً حديثاً. لقد حدث ما طالما دعوت إليه : فقد أنزل الأدب العربي الحديث من الرف الأكاديمي.
وبالرغم من ذلك، عند قراءة كتاب معين من كتب القص، فإن ما يثير الاهتمام بالنسبة لقارئ عادي هو معرفة موقع الكتاب في تاريخ هذا الأدب. وفي حين تسعى كتب عدة إلى إعطاء القارئ العادي خلفية عن الروايات العربية، التي أصبحت متوفرة اليوم مترجمة إلى الانجليزية، لا يوجد كتاب يقوم بالمهمة بشكل أفضل وأكثر إمتاعاً مما يفعل كتاب ديفيد ترسيليان بعنوان «مقدمة موجزة في الأدب العربي الحديث».
إن ديفيد ترسيليان، الذي عاش في القاهرة لسنوات عدة وكان على اتصال مباشر مع هؤلاء الذين كانوا يكتبون عن الروايات والقصص القصيرة والذين كانوا يكتبون عن الأدباء المعاصرين أنفسهم، يتناول السنوات الأولى عندما كانت قلة من المترجمين هي التي تحدد ما يترجم من عدمه.
في كل الأحوال، إذا كان كسب المال من ترجمة كتاب معين غير مضمون، فإن خيار الترجمة يحدده المقياس الشخصي: هل سيبيع جيدا؟ هل سيجد ناشرا بسهولة؟ هل هو كتاب يشعر المترجم في قرارة نفسه أنه من المفترض أن يتوفر للناس من خلال ترجمته؟ هل الأديب صديق شخصي له وسيقوم بالتالي بإسداء خدمة له بالمقابل؟ هل الكتاب سهل الترجمة بشكل معقول وليست فيه إطالة؟
أذكر أنه منذ سنوات عدة، وفيما كنت أقرأ رواية مشهورة لخيري شلبي وينتابني شعور بأن هذا الكتاب يستحق الترجمة، تراجعت عن الفكرة بسبب عدد صفحات الكتاب. ثم فاز بجائزة نجيب محفوظ، وترجم إلى الانجليزية، ونال المترجم جائزة بانيبال عنه. لكن الأوضاع تغيرت الآن، لقد أصبح الناشر هو الذي يختار الكتب التي يريدها أن تترجم مع إسداء النصيحة في هذا الصدد، ويدفع للمترجم مقابل عدد الكلمات (وهذه بالمناسبة ليست دائما الطريقة السليمة لتقدير العمل المنجز).
يتعامل كتاب ديفيد ترسيليان بطريقة سليمة مع كل الشخصيات الرئيسية في الأدب العربي الحديث: نجيب محفوظ، وهو الأديب الذي أعطى للأدب اندفاعاته الأولى، وتوفيق الحكيم، وهو أساساً كاتب مسرحي، وبالتالي غير مقروء بالقدر الذي يستحقه، ثم هناك صاحب القصص القصيرة الموهوب يوسف إدريس، والروائي السوداني وكاتب القصص القصيرة الطيب صالح والروائي المصري المثير للجدل صنع الله إبراهيم، من ضمن أسماء أخرى. كما أن الكتاب يعالج الطريقة التي تعامل بها عدد من الأديبات الموهوبات المشكلات الخاصة بالنساء في العالم العربي، مثل الأديبة النسوية نوال السعداوي واللبنانية حنان الشيخ، وكلتاهما تعيشان أساسا خارج العالم العربي وتكتبان أصلا باللغة العربية، وتعتبران بين أكثر الكاتبات اللواتي يجري قراءتهن عبر الترجمة.
كذلك، فهو يتناول أديبتين مصريتين تتكلمان بصراحة، وهما أليفة رفعت وسلوى بكر، ومنهما ينطلق إلى الكتاب العرب المعاصرين. كما يبدو على سبيل المثال في الرواية الأكثر مبيعا «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني، وهو أول عمل قص عربي يحقق مبيعات قياسية بلغته الأصلية وفي الترجمات المنجزة باللغة الفرنسية والانجليزية وغيرها من اللغات، وهذا في زمن يتنافس التلفزيون والكمبيوتر خلاله على الوقت المتوفر للناس لقراءة الكتب. وعلى الرغم من أنه وصف بكتاب موجز، فإن كتاب ترسيليان يتناول أيضا الشعر الحديث، الذي على الرغم من لعبه لدور مهم بين المثقفين في العالم العربي، لم يكن له مترجمون لتوفيره بسهولة للقراء غير العرب. لكن كل من يهتم بالمشهد الأدبي الحديث لا يستطيع أن يتجاهل شعراء مثل الشاعر السوري أدونيس، والشاعر الفلسطيني محمود درويش أو العراقي بدر شاكر السياب.
كذلك لفت الكتاب الانتباه إلى الشعر الذي يكتب اليوم باللغة العامية لاسيما في مصر من قبل كتاب مثل فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي، ومحاولات الكتابة التجريبية التي هي ظاهرة هذه الأيام في مجال الرواية، وكل هذه تضع متطلبات على المترجمين الذي يبدون استعداداً للقيام بمهام الترجمة.
ليس كتاب ترسيليان كتابا حافلاً بالمعلومات عن الموضوع الذي يتناوله فحسب، بل هو يبعث رسائل تستحث أفكار القارئ عموما. إلى أين يتجه الأدب العربي؟ هل بإمكانه أن يصبح فعلا جزءا لا يتجزأ من قراءة كل من يريد أن ينظر إلى نفسه كشخص واسع الاطلاع، تماما كما كان وضع الأدب الروسي. لكن هل الأدب العربي فعلا أنتج أدباء بمنزلة تشيخوف وتورجنيف في مجال القصة القصيرة وتولستوي ودستيوفسكي في مجال الرواية؟ الجواب على ذلك للأسف يجب أن يكون لا، أو على الأقل ليس بعد. هل هناك كثيرون من أمثال علاء الأسواني وراء الأكمة على استعداد لأن يتقدموا ويظهروا أن الأدب العربي اليوم لديه فعلا شيء مهم يقدمه للعالم عموما؟
وبالتأكيد ليس أمراً عابراً أن علاء الأسواني على الرغم من أنه كتب باللغة العربية إنما عاش في الخارج وكانت لديه قدرة استثنائية في مجال اللغات الأجنبية، وهذا لا ينطبق على أي من الأدباء العرب الآخرين اليوم.
هل القراء مهتمون بما فيه الكفاية، على سبيل المثال، بالمشكلات الاجتماعية الداخلية لمصر وطرق الحياة فيها إلى الحد الذي تصبح فيه رواية مصرية بخلفية مصرية مطلوبة في العالم؟ ولكن كان هناك زمن حينما كانت الروايات الروسية موضوعا مقروءا، بشخصياتها وبأسمائها غير المألوفة بتاتا وبخلفياتها، حيث يعيش الفلاحون في فقر مدقع فيما تتمتع الطبقة العليا بحياة من الترف المفرط، لأي كان في الغرب يعتبر نفسه مثقفا. إن الأدب العربي لا زالت أمامه الفرصة لتحقيق هذه المكانة، شريطة أن يستمر في تقديم أدباء يتمتعون بموهبة حقيقية.