بعد أيام قليلة على أحداث 11 سبتمبر تلقيت رسالة موجزة من ناشرة أميركية تقول فيها إنها لا ترغب في إصدار أي شي ء يتعلق بالعرب عن هذا الهجوم الفظيع على أميركا ذات يوم تلقيت اتصالا هاتفيا من سيدة بدا بوضوح أنها أميركية، وطلبت مني خلاله أن أتناول القهوة في معيتها في أحد فنادق القاهرة الكبرى.
وقالت إنها تريد أن نتحدث حول مهمة في الترجمة تريد أن تسندها إلي، وتبين أنها بات بوش وهي ناشرة أميركية لكتب الأطفال في نيويورك، وبدا أن زوجة أخيها هي الكاتبة اللبنانية إيميلي نصر الله، وأنها تفكر في نشر إحدى قصصها باللغة الإنجليزية. ولكي تتمكن من الحكم ما إذا كانت القصة مناسبة للأطفال الأميركيين، فإنها تحتاج إلى ترجمة أولية للقصة إلى اللغة الإنجليزية، فهل يمكنني القيام بذلك؟ لم لا؟
تبين أن القصة طويلة للغاية وبعد أن فرغت من ترجمتها بعثت بالنتيجة النهائية للترجمة إلى نيويورك، ودفع لي بسخاء مقابل عملي، برغم أن القرار الذي اتخذ كان يقضي بعدم نشر الكتاب باللغة الإنجليزية (غير أنه تصادف أن الناشر أندي سمارت قرر نشرها ضمن إصدارات دار هوبو بوكس).
وكان عنوان الكتاب ما الذي جرى لزيكو وهو يروي قصة قط سيامي خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وهكذا فإني بعد أن حصلت على موافقة الكاتبة على أن أسقط من الكتاب الحادثة التي تقرر فيها عائلة زيكو أنه لا بد من أجراء عملية جراحية له تحت تأثير المخدر لإزالة مخالبه، قمت بتحديث ترجمتي ونشرت في وقت لاحق.
برهنت قصة زيكو على أنها البداية لقصة أخرى، وعلى امتداد شهور عديدة لاحقة تلقيت رسائل بالبريد الإلكتروني من بات بوش تبلغني فيها بأن شركتها التي تحمل اسم فيلوميل بوكس تود أن تنشر كتابا يضم قصص جحا، وما من شيء كان يمكن أن يجعلني أسعد من ذلك.
حيث إن شخصية جحا هي من الشخصيات المفضلة لدي، ثم بعد أيام قلائل من أحداث 11 سبتمبر، أدهشني أن أتلقى رسالة موجزة من بات بوش تقول فيها إنها لا ترغب بإصدار أي شيء يتعلق بالعرب، ذلك الشعب الذي قالت إنه كان مسؤولا عن مثل هذا الهجوم الفظيع على أميركا. وأحسب أنني قد قللت من ردود فعل الأميركيين حيال هذه الحادث فلم أرد على البريد الإلكتروني، وفي ترددي نسيت كل ما يتعلق بهذا الكتاب المقترح.
وبدهشة مماثلة تلقيت بعد شهور عدة رسالة أخرى بالبريد الإلكتروني من بات بوش تقول فيها إنها في نهاية المطاف تحب أن تمضي قدما بنشر كتاب جحا. واستغرق مني اتخاذ القرار بشأن القصص ثم إعادة كتابتها شهورا عديدة أخرى، ثم جاءت مسألة الاتفاق على عقد، وقد كانت تلك هي تجربتي الأولى مع المحامين الأميركيين.
وأدهشني أن أتلقى عقدا يمتد إلى 50 صفحة، ويحفل بالاصطلاحات القانونية في اكثر تجلياتها اتساما بالطابع المسرحي. وفي الصفحة الأولى كانت هناك فقرة طويلة تقتضي مني تأكيد أن جميع القصص هي من ابتكاري، وأنه في حالة تبين أن الأمر ليس كذلك عندئذ سيحدث.. الخ.
واقتضى الأمر تبادل العديد من الرسائل الإلكترونية توضح أن هذه القصص هي حكايات خرافية، وأنها موجودة في المجال العام، وأنها بشكل أو بآخر يمكن أن توجد في العديد من الكتب العربية والإنجليزية، بما في ذلك وجودها في كتابين كنت قد نشرتهما مع دار هوبو بوكس.
وقد حسمت المسألة في وقت لاحق، عندما قرر أندي سمارت بأريحية الموافقة على قيامي باستخدام أي من القصص التي ظهرت في المجلدين الخاصين بي اللذين كانت دار هوبو بوكس قد نشرتهما، ولكن الصعوبات لم تنته عند ذلك الحد، حيث بقيت الآن مسألة الدفع، فقد بدا أن قوانين ضرائب جديدة قد تم إصدارها.
وتقتضي من الأجانب أن يدفعوا ما لا يقل عن 30% من عوائد الملكية الفكرية بصورة ضرائب، ومنذ ذلك الحين كان صبري قد استنفد فاقترحت أن ننسى المشروع برمته، وبالفعل تم حل المشكلة من خلال قيام بات بوش باقتراح أن أقبل مبلغا من المال (لن يكون خاضعا لأي ضريبة) ، وعندئذ سترى ما يمكن عمله إذا ما قدر للكتاب أن يحلق عاليا بتوزيعه.
بعد أن تلقيت المبلغ المخصص لي نسيت كل ما يتعلق بهذا الكتاب، إلى أن اتصلت بي ابنة بات بوش، التي تصادف أنها تقيم في القاهرة، هاتفيا، وأبلغتني أنها قد تلقت لتوها بروفات الكتاب، فهل أرغب في رؤيتها؟
مضيت أنا وزوجتي إلى شقتها في حي الزمالك بالقاهرة لشرب القهوة، حيث تم إطلاعي على الكتاب الذي كان يستحق كل هذا العناء. ومن خلال ابنتها سارة كانت بات بوش قد رتبت أن تكون قصص المجموعة مصحوبة برسومات منفذة بفن الخيامية اليدوي، من إنجاز فنانين في خان الخليلي بالقاهرة. وكانت مختلفة وناجحة إلى حد كبير، وصدر الكتاب وقوبل بمراجعات مفحمة بالحماس ، حيث وجهت إشادة حاصة إلى الرسومات التي نفذت أولا بفن الخيامية، ثم صورت لكي يمكن إدراجها في الكتاب.
وأتذكر أنني أطلعت صديقي إبراهيم المعلم على الكتاب، حيث أبدى دهشته الشديدة لأنه ما من أحد في مصر فكر في إصدار كتاب للأطفال يتضمن مثل هذه الرسومات البديعة.
وفي غضون ذلك أطل مصدر آخر للنشر، وبصفة خاصة نشر كتب الأطفال. وقبل وقت طويل وعلى وجه التحديد في عام 1969 عندما أقمت لمدة عام فيما أصبح يعرف الآن بدولة الإمارات العربية المتحدة، تعرفت على عبد الله أبو الهول الذي كان في ذلك الوقت مساعدا لقائد شرطة دبي، وأصبح لاحقا قائدا للشرطة.
وتقاعد الآن من عمله. ومنذ سنوات عدة افتتح مع زوجته الإنجليزية إيزابيل مكتبة جذابة في حي الجميرا بدبي ، وقد حققت نجاحا كبيرا فبادر إلى افتتاح عدة فروع لها في دبي، بالإضافة إلى فرع في أبوظبي، وقررا الانطلاق إلى ميدان النشر، وقد أصدرت بالتعاون معهما العديد من كتب الأطفال. وتعد دولة الإمارات سوقا ممتازا وناميا بالنسبة لعالم الكتاب والنشر، وهما يتطلعان إلى أن تمتد مبيعاتهما إلى مناطق اخرى على امتداد الخليج.