أحببت في قصص يوسف ادريس استخدامه للعامية المصرية في الحوارات التي تتناول حياة القرية كل من يعد مثقفا في العالم العربي سيعرف يوسف إدريس وسيعرف أنه هو من كرس القصة القصيرة كجنس أدبي معترف به في إطار كتابة القصص، وسوف يعرف أيضا أنه في القوت الذي فاز فيه نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب أحدث يوسف إدريس بعض الضجة وأشار إلى أن الجائزة كان ينبغي أن تعطى له.
كنت في ذلك الوقت صديقا مقربا من إدريس وحاولت تهدئته وإقناعه بألا يثير ضجة حول شعوره بخيبة الأمل، ولكنه كان عنيداً في إصراره على أنه تعرض لإساءة كبرى، ولم يكن هناك طائل من الإشارة إلى أن نجيب محفوظ قد أبدع كماً مدهشا من الروايات وأن الكثير منها قد ترجم على نطاق واسع.
كما أنه قدم كماً هائلا من القصص القصيرة واليوميات التي تحظى بحماس القراء، أي أنه قدم كما من الكتابة يفوق مرات عدة ما قدمه يوسف إدريس. ولكن تلك كانت مهمة ميؤوس منها، فلم يكن بالإمكان إقناع يوسف إدريس بأنه حيثما تعلق الأمر بجائزة نوبل ,حيثما تعلق بصفة عامة حقا بالاعتراف والتقدير فإن يوسف إدريس قد عومل بشكل منصف.
ولم يكن يوسف إدريس في معظم شكاواه مخطئا فهو شأن معظم كتاب عصره، وأنا أذكر في هذا السياق بيحيى حقي وتوفيق الحكيم الذي لم تتم مكافأته بالشكل المناسب فيما يتعلق بالشهرة والمدفوعات المالية عن المساهمة التي قدمها للأدب العربي.
أتذكر في إحدى المناسبات أن يوسف إدريس طلب مني المجيء لزيارته في شقته حيث يريد أن أساعده. ولدى وصولي إلى شقته أبلغني بأن لديه عدداً من الزوار الشبان وكلهم من الكتاب الواعدين الذين يريدون مقابلتي لمناقشة الأدب العربي الحديث، واصطحبني إلى غرفة جلس فيها أكثر من عشرة شبان من الذين مضوا يرتشفون القهوة، وقدمني يوسف بأسلوبه المتألق باعتباري أبرز مترجم لكتاباته وكتابات المؤلفين المصريين.
مضيت أتجاذب أطراف الحديث مع الكتاب الشبان لبعض الوقت حول موضوعات عامة، مثل ما الذي أفعله في القاهرة وأين أقيم..الخ، ثم سألني أحدهم عما يشعر به الجمهور في إنجلترا حيال كتابات نجيب محفوظ، وكان ذلكم قبل أن يفوز بجائزة نوبل، فرددت عن هذا السؤال بأن القارئ الإنجليزي ليست له آراء بالنسبة لكتابات نجيب محفوظ.
تساءلوا: كيف ذاك؟ فقلت: «لسبب بسيط وهو أن أحدا لم يقرأ أيا من كتبه». كان بمقدوري أن أرى الدهشة مرتسمة على وجوههم، وعند ذاك سألني أحدهم: كيف ذاك؟» فرددت عليه بالقول: «لسبب بسيط هو أنه لم تتم ترجمة أعماله إلى الإنجليزية».
رد أحدهم مسرعا: «حسنا، لماذا لا يقرأونه بالعربية؟» .
بادرت عندئذ إلى إيضاح أنه بغض النظر عني فربما لا يوجد في إنجلترا إلا أربعة أو خمسة أشخاص فقط يتقنون اللغة العربية بما يكفي لقراءة كتاب بها، كما أن من المهم كذلك أنني عندما قررت دراسة اللغة العربية كانت هناك 3 أو 4 جامعات فقط تقوم بتدريسها، وأنه حتى في تلك الجامعات كان يجري تدريسها باللغة اللاتينية باعتبارها لغة ميتة، وأنني عندما كنت أدرس في جامعة كامبردج قبيل الحرب العالمية الثانية، كنت الوحيد الذي يسعى للحصول على درجة عملية في اللغة العربية.
بدا أن يوسف إدريس لديه الفرصة التي تمكنه من السفر كيفما يريد، وغالبا ما كان يطل في مكتبي بلندن، وأتذكر ذات مرة أنه قد وجه لي اللوم لعدم تكريس وقتي لترجمة كتاباته، وبرر عدم حصوله على جائزة نوبل للأداب بأن قدرا قليلا نسبيا من كتاباته ترجم إلى اللغة الإنجليزية.
كان يوسف إدريس محقا في هذا الصدد، وبقدر ما أعلم فإن مجلدا واحدا من قصصه القصيرة ظهر في ترجمة إنجليزية، وهو مجلد يحمل عنوان «أرخص ليالي وقصص أخرى» من ترجمة وديدا ويصا، وصدر في عام 1978، ثم في عام 1999 أنجز نيل هيوسون ترجمة لروايته «مدينة الحب والرماد» وأصدرتها دار النشر التابعة للجامعة الأميركية.
وكانت المشكلة بالطبع هي أنه عندما يتعلق الأمر بكتابة القصص فإن الروايات، وليس مجموعات القصص، هي التي تحظى بالطلب الأكبر، وهكذا فإن جانبا كبيرا من أفضل أعمال يوسف إدريس يتعين استخراجه من مجلات صدرت هنا وهناك.
إن هذا يذكرني فيما أكتب هذه السطور بتجربة غريبة حدثت عندما قررت هيئة الإذاعة البريطانية إقامة مسابقة للقصة القصيرة، وكان المحكمون المختارون لهذه المسابقة يتألفون من بعض الموظفين العرب العاملين بالقسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية.
بالإضافة إلى الكاتب الراحل الطيب الصالح، والشاعرة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي وأنا. وقد قام الموظفون العرب العاملون بهيئة الإذاعة البريطانية بعملية الفرز الأولية للقصص، وبعد ذلك تم تمرير 20 قصة لإصدار الأحكام النهائية عليها من قبلنا، لنقرر أي قصص ستفوز بالجوائز الأولى والثانية والثالثة.
كانت بين القصص التي لفتت انتباهي قصة تحمل عنوان «الكلب» وقد أصررت على أن هذه القصة ينبغي أن تفوز إما بالجائزة الأولى أو الثانية، ووافقني باقي المحكمين على أن هذه القصة جيدة، وبالفعل تقرر منحها الجائزة الثانية، وقد تم القيام بذلك بالشكل المناسب ونشرت القصص الثلاث الفائزة في مجلة «هنا لندن» التي تصدرها هيئة الإذاعة البريطانية باللغة العربية.
صدمت بعد ذلك عندما علمت بأن يوسف إدريس رأى نسخة من المجلة ووقع نظره على القصة التي فازت بالجائزة الثاني بالمسابقة، ليكتشف في حقيقة الأمر أنها قصة من إبداعه هو، ويبدو أن أحدهم كان قد قرأ هذه القصة في مجلة وقرر إرسالها إلى المسابقة حاملة إسمه، من دون أن يدور بخلده أن أحدا سيدرك أنها من إبداع يوسف إدريس، وأحسب أن يوسف إدريس قد اكتشف الأمر بشكل أو بآخر ورفع قضية على هيئة الإذاعة البريطانية، لأنه للمرة التالية التي رأيته خلالها عندما كنت أزور القاهرة بادر إلى الاتصال بي، وقال إنه سيمر بي في الفندق الذي نزلت به ويصطحبني إلى غداء خاص.
أتذكر أن يوسف إدريس أقبل راكبا سيارة رياضية فارهة بيضاء اللون آمل أن يكون قد اشتراها بالنقود التي حصل عليها كتعويض من «هيئة الإذاعة البريطانية»، وقال لي إنه قد قرر اصطحابي إلى مقر صحيفة الأهرام، حيث يوجد مطعم ممتاز، ولدى وصولنا إلى مبنى «الأهرام» انطلقنا إلى الطابق العلوي حيث قدمنا إلى مدير المطعم، وقدمت للرجل باعتباري «أبرز مترجمي اللغة العربية في العالم»، وأنه يريد تكريمي بوجبة ممتازة في «الأهرام».
فحياني المدير بالترحاب لكنه عقب ذلك اعتذر ليوسف إدريس بأنه سيرتب تناولي الطعام في المطعم في يوم آخر، حيث إن المطعم في هذا اليوم كان قد تم حجزه بالكامل لمأدبة الغذاء أقيمت لجمع كبير من الصحافيين الكوريين.
على الرغم من هذا كله أصر يوسف إدريس على موقفه، وبالفعل وبرغم الحرج الذي استبد بمدير المطعم وبي وبالكوريين العاكفين على تناول طعامهم، وهكذا جلسنا سويا وسط تحديق الكثير من الكوريين الذين كانوا قد حجزوا المطعم بكامله لأنفسهم، وعكف مدير المطعم مترددا على تقديم الطعام لنا.
هناك شي ء أحببنه في قصص يوسف إدريس بشكل خاص، وهو استخدامه للعامية المصرية في الحوار في تلك القصص التي تناولت حياة القرية أو التي تحفل بشخصيات يبدو جليا أنها ليست متعلمة بما فيه الكفاية بحيث تستخدم اللغة العربية الفصحى. وفي حقيقة الأمر فإن الأشخاص القادرين على استخدام الفصحى لا يستخدمونها بالطبع في الحوار العادي. واليوم نجد أن كل الكتاب المصريين تقريبا يستخدمون العامية المصرية المتوهجة بألوانها في حوار قصصهم.