على الرغم من أن صورة الأشعة السينية التي أخذت لي فقد بدا الأمر وكأن الشظية تمكنت من تغيير مكانها خلال تلك الفترة القصيرة وقد تصرف الطبيبان كمن يبحث عن لؤلؤة ثمينة تعرفت على نينا بعد أن وطأت قدماي مدينة القاهرة بفترة وجيزة في العام 1945.
كان والدي قد عين مستشاراً للبعثة العسكرية في الجيش المصري في أواخر أيام الحرب. ويبدو أنه لم يتفق مع القائد البريطاني برنارد مونتغمري، لذا فقد باشر الحرب برتبة عميد وكان مسؤولا بشكل تام عن ترسانة وولويتش العسكرية، واختتم الحرب بالرتبة ذاتها.
وخلال فترة إقامته في القاهرة، حل ضيفاً على منزل عقيد يسمى غولد وزوجته الروسية مقابل أجرة معينة، إلا أن حقيقة دفعه لثمن استضافته كانت سرية. وعند وصولي إلى القاهرة، دعيت إلى عشاء في شقة فخمة في حي الزمالك، حيث قابلت نينا، التي كانت هي الأخرى روسية. ولم يمر وقت طويل حتى أصبحت حبيبتي التي كنت أنوي الزواج بها.
كنا قد تناولنا العشاء في أحد المطاعم المعروفة، ونتسكع في شارع سليمان باشا باتجاه ميدان طلعت حرب، عندما فوجئنا بانفجار كبير على مسافة نحو خمسين ياردة منا. كان الانفجار مصحوباً بصراخ عال وحالة من الفزع العام. أمسكت بيد نينا وشرع كلانا بالركض. وعندما توقفنا، أدركت أن سروالي كان ملتصقاً بساقيّ من البلل، وافترضت حينها أني بللت نفسي. وحين التفتّ نحو نينا، فزعت لرؤية قميصها الأبيض الرقيق، وكانت ترتديه لتفادي حرارة الصيف، ملطخاً باللون الأحمر.
بعد ذلك، اصطُحبنا إلى مركز شرطة محلي، حيث قام رجل، زعم أنه طبيباً، بالكشف علينا. وقد أكد أن شظية صغيرة أحدثت جرحاً صغيراً في الجهة اليمنى من صدر نينا، وأخرى خدشت عينها اليمنى، وكادت أن تقتلع عينها بالكامل. أما أنا، فتم اصطحابي إلى غرفة داخلية.
حيث نـُزع عني سروالي المثقل بالدماء وقام الطبيب بفحص جراحي. وعند الانتهاء من الفحص، أقر بأن الشظايا قد سببت لي عدداً من الجراح السطحية، غير أنه أصر أنها لم تبق في جسدي. وحينذاك شرحت له أن الشقوق الصغيرة التي حدثت في سروالي نتيجة لدخول الشظايا، لم تقابلها شقوق موازية لتدل على أن الشظايا خرجت من جسدي وذهبت لحالها.
لاحظت أن محاولتي دحض نظرية الطبيب أدت إلى انزعاجه، لذا طلبت من أحد رجال الشرطة أن يوقف لي سيارة أجرة، وتوجهت ونينا إلى الشقة التي كانت تقطن فيها مع أهلها في حي أنتيخانا.
لقد كان جرح نينا في الجهة اليمنى من صدرها، رغم سطحيته، السبب في البقع الحمراء على قميصها، وقد تسبب ذلك بدوره في حالة من الهلع في المنزل، لا سيما لوالدة نينا. في حين طلب مني والدها، مسبباً لي الإحراج، أن أخلع سروالي.
وأكد لي أني قد أصبت بعدد من الجروح البسيطة في كلتا ساقيّ، ثم نصحني برؤية طبيب. فأجبته: دعني أرى ما ستؤول إليه حالتي غداً صباحاً، ثم ركبت في سيارة أجرة وتوجهت إلى شقتي في المبنى خلف المقهى الشهير كافيه ريش، الذي كان في تلك الأيام الوجهة المفضلة لمثقفي القاهرة.
لم أتمكن من النوم في تلك الليلة. واكتشفت في الصباح التالي أنني كنت بالكاد قادراً على المشي. هممت بنزول السلالم الطويلة وصولاً إلى الشارع، واستقليت سيارة أجرة متجهاً إلى مستشفى أنجلو أميركان. وهناك، أخبرني الطبيب، بعد كشف سريع، أن عدداً من الشظايا كان لا يزال داخل ساقيّ.
ثم كلف إحدى الممرضات بإزالة ما تستطيع من تلك الشظايا دون أن تسبب لي الألم. وبالفعل، فقد أدت الممرضة مهمتها بمهارة عالية، وكانت كلما أزالت إحدى الشظايا، رمتها في وعاء صغير محدثة صوتاً رناناً. وكانت بين الفينة والأخرى تخبرني أنها ستترك شظية لكونها أعمق من أن تتمكن من إزالتها. وفي الواقع، لا يزال عدد من الشظايا يقبع في ساقي اليمنى، إلا أنه نادراً ما يذكرني بوجوده.
في وقت لاحق، عندما قام طبيب آخر بالكشف علي وتصوير جسدي بالأشعة السينية، اكتشف وجود شظية لامعة في معدتي، وقرر أنه لا بد من إزالتها. وقد تمت تهيئتي لذلك من خلال حقني بمخدر موضعي. ثم حضر طبيبان لمحاولة العثور على الشظية وإزالتها.
وعلى الرغم من أن صورة الأشعة السينية أخذت في اليوم السابق، فقد بدا الأمر وكأن الشظية تمكنت من تغيير مكانها خلال تلك الفترة القصيرة. وقد تصرف الطبيبان كمن يبحث عن لؤلؤة ثمينة. فكانا يقولان: دعنا ننحرف إلى الجهة اليسرى بعض الشيء...
لا، أظن أنها في الأسفل، إلى اليمين قليلاٌ... وهكذا. وكنت كل حين أطلق أنيناً نتيجة لقيام أحد الطبيبين باستخدام مشرطه في إحدى المناطق غير المخدرة من معدتي، فكان يرفع مشرطه ويعتذر. وفي النهاية، استنتج كلاهما أنهما عاجزان عن الإمساك بالشظية، فعمدا إلى خياطة جرحي. وحتى اليوم، أي بعد نحو 65 عاماً، تشعرني الشظية الضالة بوجودها أحياناً وتظهر، لامعة وبراقة، في أي صورة تؤخذ لمعدتي بالأشعة السينية.
إن الوقت الذي أمضيته في المستشفى لم يكن سيئاً بالكامل. فقد بدأت إقامتي هناك في جناح مليء بالمرضى الذكور، الذين كانوا يشتكون من آلام مختلفة، وغالباً ما كانوا يحولون دون حصولي على قسط كاف من النوم أثناء الليل. إلا أنه سرعان ما تم نقلي إلى غرفة خاصة. ولم أكتشف سبب ذلك اللطف المفاجئ إلا عندما ظهرت ممرضتي الفلسطينية بعد إطفاء الأنوار.
وخلال فترة بقائي في المستشفى، لم يزرني أحد من المجلس البريطاني، حيث كنت أعمل مدرساً لأساسيات اللغة الإنجليزية لمجموعة من رجال جماعة الإخوان المسلمين، ومدرساً للترجمة إلى اللغة العربية لمجموعة من التلاميذ الذين كانوا يتحضرون لاختبار الدخول إلى إحدى الجامعات البريطانية. كما لم يزرني أحد من السفارة البريطانية.
حيث كانت علاقاتي الطيبة مع عدد من أصحاب النفوذ المصريين لا تلقى استحساناً كبيراً. وفي إحدى المرات، شعر الطاقم التمريضي بالذعر عندما قدم عدد من الرجال الملتحين حاملين باقة من الزهور وطلبوا رؤيتي. لقد كان أولئك الرجال تلاميذي. وقد قام أحدهم بدور الناطق الرسمي باسم المجموعة، حيث وضع الباقة على سريري وألقى خطاباً مختصراً، عبر فيه عن حزن المجموعة لأن أحد أصدقاء مصر المقربين مر في شارع الحادثة في ذلك الوقت المؤسف.