شخصية جحا الخيالية ظهرت للمرة الأولى في حياتي بينما كنت لم أزل في مرحلة دراسة اللغة العربية بينما كنت لم أزل في مرحلة دراسة اللغة العربية، وبصفة خاصة اللغة العربية الحديثة كما تكتب وتقرأ في مصر، ظهرت شخصية جحا الخيالية للمرة الأولى في حياتي، وقد كنت أتحدث مع صديق مصري من أصدقائي، وفجأة قال لي في معرض التعليق على موقف ما:(الأمر يشبه مسمار جحا). هززت رأسي وقلت إنني لم أفهم ما الذي يقصده، فرد علي قائلا: (ألا تعرف مسمار جحا؟).

ومن جديد هززت رأسي نافيا وتعين علي الإقرار بأن ذلك لا يعني شيئا لي. وعندئذ حدثني صديقي عن شخصية جحا والقصص العديدة التي تروى حوله، وحدثني أيضا عن مسمار جحا الذي ظهر للعيان عندما كان جحا بحاجة إلى المال وقرر أن يبيع داره، وأبلغ الرجل الذي أقبل لشرائها بأنه يبيع الدار بأسرها.

ولكن هناك مسمارا في إحدى الغرف يرغب في الاحتفاظ بملكيته، وقد دهش المشتري المنتظر من طلب جحا الغريب وطلب منه أن يرى المسمار، وعندئذ أطلعه جحا على مسمار صغير في جدار غرفة المعيشة، وبعد مساومة مطولة اشترى المشتري الدار بالفعل من جحا، واتفق على أن العقد سيتضمن فقرة تفيد بأن جحا قد احتفظ بملكية المسمار الصغير الموجود في غرفة المعيشة.

ولكن بعد امتلاك الدار بفترة قصيرة صدم المشتري عندما وجد جحا جالسا في غرفة المعيشة. فسأله عما يفعله هنا، وهو لم يوجه الدعوة له لزيارته، وأشار جحا عندئذ ببساطة إلى المسمار الموجود بجواره، ورد قائلا: (كل ما هنالك أنني جئت لزيارة مسماري).

أصبحت بعد ذلك معجبا بالقصص التي تدور حول جحا، واحتفظت بسجل لها، ثم جاء ذلك اليوم الذي سألني فيه إنجليزي يدعى أندي سمارت، والذي كان قد جاء للإقامة في القاهرة مع زوجته المصرية، وقرر البدء في نشر كتب للأطفال- سألني عما إذا كان يمكنني تأليف كتابين للأطفال، وأبلغني بأن المجلس البريطاني قد وعد برعاية هذين الكتابين إذا نجح في إقناعي بتأليفهما.

لم أكن قد ألفت كتبا للأطفال من قبل قط، ولكنني وافقت على تأليف مثل هذين الكتابين شريطة أن يكون أحدهما مجلدا يضم قصصا عن شخصية جحا الضاحكة، وقام سمارت بنشر الكتابين، وفي وقت لاحق دققت في الكتب الكلاسيكية العربية للعثور على مواد يمكن استلهامها في تأليف المزيد من الكتب المناسبة للأطفال، وأخيرا أصدرت بالتعاون مع أندي سمارت 15 كتابا من بينها مجلد من القصص التي تدور حول جحا، ومن سوء الحظ أن أندي سمارت قد اتخذ قرارا بمغادرة القاهرة، والمضي إلى لندن مع زوجته وأطفاله، والعمل انطلاقا من هناك.

بعد أن وجدت تأليف الكتب للأطفال ممتعا ومربحا في آن، قررت الذهاب إلى صديقي إبراهيم المعلم مالك دار الشروق الشهيرة للنشر، واقترحت عليه أن يبدأ في إصدار كتب للأطفال باللغة الإنجليزية مستلهما إياه من المصادر العربية. وأطلعته على بعض الكتب التي كنت قد نشرتها لدى دار (هوبو بوكس).

وهي الدار التي كان قد أنشأها أندي سمارت، وعندئذ أبلغني إبراهيم المعلم بأن زوجته أميرة أبو المجد تتقن اللغة الإنجليزية إتقانا تاما، وهكذا أنشأت دارا للنشر تحمل اسم (صن فلاور بوكس)، والتي بدأت في إصدار كتب من تأليفي، ولكن معظمها مستلهم من مصادر عربية، مثل (ألف ليلة وليلة) و(كليلة ودمنة) وكذلك قصص من التاريخ العربي. وتضم القاهرة عددا من الفنانين الممتازين، وقد استعانت أميرة أبو المجد بالعديد منهم، تماما كما فعل أندي سمارت من قبل لتقديم الرسوم الإيضاحية لكتب الأطفال العديدة التي أصدرتها.

ثم جاء اليوم الذي تلقيت فيه اتصالا هاتفيا من سيدة بدا بوضوح من خلال لكنتها أنها أميركية، وقد سألتني عما إذا كان بمقدوري أن أترجم كتابا يدور حول قطة من العربية إلى الإنجليزية. وكان الكتاب من تأليف صديقة لبنانية من صديقاتها تدعى إيميلي نصر الله، وأنا عاشق كبير للقطط.

وبالتالي كان من الطبيعي أن أتحمس لهذه الفكرة، غير أنني لدى قراءة الكتاب وجدت أن هناك فصلا مكرسا لعدم رغبة صاحبة القطة في خدش القطة لأثاثها الجميل على نحو ما اعتدت القطط أن تفعل، ومن هنا أعدت لإجراء عملية للقطة لإزالة مخالبها.

وقد اعترضت على ذلك وتلقيت تأكيدا بأن القطة المشار إليها قد تم تخديرها قبل إجراء العملية لها، فأشرت إلى أن ما اعترضت عليه لم يكن الكيفية التي أجريت بها العملية، وإنما كان القيام بإجرائها أصلا، وجادلت في هذا الصدد بالقول: (القطة لها مخالب لتخدش بها.

وهي غالبا ما تستمتع بشحذ مخالبها على قطع من الخشب، فإذا كنت تخشين على أثاثك الجميل فكان ينبغي ألا تفكري في اقتناء قطة تعيش في الدار). وقد وافقت الكاتبة على ذلك، وتم حذف هذا الجزء من الكتاب، وقمت لاحقا بترجمته، وتم نشره بالفعل.

عادت السيدة الأميركية إلى نيويورك، حيث كانت تتولى مسؤولية دار لنشر كتب الأطفال. وبعد وقت قصير من ذلك تلقيت رسالة منها تقول فيها إنها قد سمعت بأنني على معرفة جيدة بالقصص التي تدور حول شخصية جحا، فهل يمكنني أن أعمل معها على إصدار كتاب يضم قصصا عن جحا. وبالطبع سعدت كثيرا لإصدار كتاب آخر عن جحا، ومن خلال تبادل الرسائل اخترنا بالفعل 15 قصة تظهر فيها شخصية جحا، وقد كتبتها جميعها باللغة الإنجليزية.

ولكن المشروع بأسره وصل إلى مرحلة التوقف بفعل أحد أكثر الأحداث العالمية فظاعة، وهو تفجير برجي نيويورك، وما أسفر عنه من موت رهيب لقيه ألوف الناس، وهو العمل الإرهابي الذي يطلق عليه أحداث سبتمبر. وكانت السيدة التي اقترحت إصدار كتاب جديد يضم قصصا عن جحا تقيم في نيويورك وقد بلغ الضيق بها من جراء ما حدث حتى إنها بعثت إلي برسالة قالت فيها إن هذه العملية قد ارتكبها عرب، وإنها لا ترغب في أن تكون لها أي صلة بأي شيء عربي، بما في ذلك إصدار كتاب عن جحا.

بينما صدمت حيال هذا القرار الذي اتخذته، بعد كل العمل الذي أنجزناه سنويا فإنني كان بمقدروي تقدير مشاعرها، وقررت أن لا أرد عليها على الإطلاق وإنما أن أتقبل قرارها في صمت.

بعد 3 أشهر تلقيت رسالة منها تقول فيها إنها قررت في نهاية المطاف إنجاز الكتاب، وإنها ستبعث بنسخة منه إلي لاحقا. وعندما وصلتني هذه النسخة أسعدني أن أجد أن الكتاب قد طبع على نحو جميل، وأن الرسوم الإيضاحية لكل قصة قد نفذت بأسلوب الخيامية في حي الخيامية الشهير بالقاهرة، ثم صورت هذه الصور المنفذة بالقماش لكي يمكن استخدامها كرسوم إيضاحية للكتاب.

عندما تم إطلاع إبراهيم المعلم على هذا الكتاب لاحقا، دهش حيال دقة الرسوم الإيضاحية، وأعرب عن شعوره بالمفاجأة لأن ناشرة غير مصرية هي التي خطرت ببالها الفكرة المتألقة المتمثلة في الاستعانة بمبدعي الخيامية في القاهرة لتقديم الرسوم الإيضاحية لمثل هذا الكتاب. وحصل في التو على إذن من السيدة المقيمة في نيويورك لاستخدام هذه الرسوم الإيضاحية نفسها، وقصص حجا ذاتها لإصدار طبعة من الكتاب باللغة العربية.

قامت أميرة أبو المجد زوجة إبراهيم المعلم أخيرا في إطار سلسلة الكتب الصادرة بالإنجليزية، التي تم نشرها ضمن إصدارات (صن فلاور بوكس)، بإطلاق كتاب صغير آخر يضم قصصا عن جحا من اختياري، مرفقة برسومات إيضاحية من إبداع فنان مصري. وبصدور هذا الكتاب يصل عدد الكتب التي أصدرتها عن جحا إلى 4 كتب، وأنا على استعداد لإنجاز المزيد إذا طلب مني.