كنت سعيداً برؤية الغزال يهوى على الأرض عندما سددت إليه؛ لكن غالباً ما تساءلت ما إذا كانت الإصابة في العنق جاءت من بندقيتي أم من الرجل الجالس إلى جانبي الذي ساعد في مصرعه كان والدي خلال وجوده في أوغندا يكسب معيشته من ممارسة المحاماة، لكنه، إلى جانب ذلك، كان قد حصل على حقوق للتنقيب عن الذهب في مناطق معينة من البلاد.
وكان التنقيب عن الذهب يتم من قبل أفراد محليين كانوا ينقبون عنه في ينابيع المياه المحلية، وأذكر أن والدي أراني نثرات من الذهب كان قد تم غسل التراب والحصى عنها، لكن يبدو أنها لم تكن بكميات كافية لتجعل عملية البحث جديرة بعناء القيام بها. وكان الشخص المسؤول عن هذه العمليات يدعى ميجور ماثيوز.
وكان يمثل بالنسبة لي بطلًا. وميجور ماثيوز كان يكسب معيشته لسنوات عدة كـ صائد حيوانات ويرافق الأشخاص الذين يقصدون أوغندا في رحلات السفاري. ولهذا الغرض، كان يقوم بتوظيف طاقم العمل المحلي الضروري للمهمة، ويقرر مواقع الصيد المحتملة الأفضل، حيث يكثر وجود الحيوانات البرية.
وخلال سنوات عمله العديدة كصائد حيوانات، قام باصطياد عدة مئات من الحيوانات البرية، وكان اختصاصه، على ما يبدو، صيد الجواميس التي كان يعتبرها الأخطر بين مجمل الحيوانات. وكان حيوان الجاموس قد قام بنطحه مخترقاً كتفه اليمنى، وشكلت هذه أخطر حادثة يتعرض لها في حياته، حيث أصبح من بعدها مجبراً على إسناد البندقية إلى كتفه اليسرى عند إطلاق النار، بدلًا من كتفه اليمنى التي لم تعد قادرة على تحمل قوة ارتداد البندقية عند انطلاق الرصاصة منها.
ويبدو أن ميجور ماثيوز قد أثار انتباه والدي لأول مرة عندما وقع في مشكلة من نوع ما مع القانون، وقام والدي بتمثيله في المحاكم. وبسبب جرم كان قد ارتكبه، اعتبر مواطناً بريطانياً مأزوماً وكان على وشك ان يتم ترحيله إلى إنجلترا.
ولقد نجح والدي في انتشاله من هذه الورطة بتعيينه مسؤولًا عن مهام التنقيب عن الذهب في بعض مناطق البلاد، التي كان والدي قد حصل على حقوق التنقيب فيها عن هذا المعدن الثمين. وإظهاراً لامتنانه، فقد قام ميجور ماثيوز بتقديم كتاب كبير هدية لي، عنوانه الطرائد في أفريقيا، وعلى الرغم من ان الكتاب كان لا يناسب عمري لاحتوائه على أمور تقنية.
حيث كنت حينها أبلغ من العمر 11 سنة، إلا أنه كان مليئاً بالصور لكل الحيوانات الموجودة في المنطقة. وكان من الجلي ان الكتاب مرتفع الثمن، وكانت أمي تصر على عدم قبوله، قائلة إنه يجعل والدي مديناً لميجور ماثيوز، مما يشكل أمراً محرجاً لوالدي. لكن، في نهاية المطاف، سمح لي بالاحتفاظ بالكتاب.
وطبعاً كان أملي الكبير قيام والدي، في يوم من الأيام، بترتيب الذهاب في رحلة سفاري مع ميجور ماثيوز، لكي أتمكن من تجربة البندقية 2.2 التي امتلكها، وان أحصل بالتالي على هدف أكثر أهمية من الحمام الذي يحلق في المنطقة. وبالفعل، قام والدي بترتيب رحلة سفاري من هذا النوع، على الرغم من أن ترتيب استقدام والدته إلى أوغندا في العطلة لمرافقتنا في الرحلة، قد أدى إلى تلاشي جزء مهم من وقع الإثارة الذي أحدثته رحلة السفاري، فوجود سيدة طاعنة في السن برفقتنا، خفف كثيراً من أثر التشويق.
وقد أعطي ميجور ماثيوز مهمة الاعتناء بي، وانطلقنا جميعاً من كمبالا بسيارتين وقافلة وتوجهنا إلى حدود الكونغو البلجيكي، إلى منطقة يطلق عليها تسمية رومانسية هي جبال القمر. وكان الأمر مخيباً للأمل لأننا لم نر حيوانات مثل الأسود والفهود، ولأن ميجور ماثيوز كان يمنعني من إطلاق النار على ذكر الظبي بهيئته الضخمة، الذي كنا نصادفه كثيراً ونحن نزحف بين الشجيرات، قائلاً لي ان بندقيتي 2.2 غير قادرة على صرعه، لكن في النهاية، وبعد مدة طويلة.
وفيما نحن مختبئون بين الأعشاب الطويلة، رأينا غزالاً صغيراً يمر فجأة بقربنا. فأشار ميجور ماثيوز إليّ بوجـــوب تسديد بندقيتـــي ومحاولــة إطلاق النار عليه. وهذا ما قمت به وكنت سعيداً برؤية الغزال يهوى على الأرض. ولاحقاً، عندما نظرنا إلى جسد الغزال، وجدنا فجوة في عنقه كانت قد أحدثتها بندقيتي.
لكن غالباً ما تساءلت ما إذا كان مصرع الغزال قد تسببت به هذه الإصابة في العنق أم ان ميجور ماثيوز الرابض إلى جانبي ساعد في مصرع الغزال. على كل حال، كان الجميع قد هنأني على الكيفية التي أطلقت بها النار على الغزال. وقال ميجور ماثيوز إنه ينتمي إلى فصيلة نادرة من الغزلان، ووعدتني أمي بأنها بمجرد انتهاء رحلة السفاري وعودتنا إلى كمبالا، ستسعى لإصلاح رأس الغزال، بقرنيـــه الجميلين، ووضعـــه على قطعـــة من الخشب، لأتمكــن من وضعه في غرفـــة نومي كتذكار دائم لرحلة السفـــاري التي قمنــا بها.
ويمكنكم تصور خيبة أملي عند عودتنا إلى كمبالا، حيث وجدنا مختلف رؤوس الغزلان والحيوانات الأخرى التي اطلقنا عليها النار في مكانها، إلا الرأس الصغير الجميل للغزال الذي اصطدته، فقد كان ضائعاً، حيث زعم أنه وقع من الشاحنة الصغيرة.
ولم يكن ممكناً القيام بأي شيء لإصلاح الوضع. والبرهان الوحيد المتبقي لقيام صبي يافع بعمر 11 عاماً بصيد هذا الغزال، من بين مجمل تلك الجوائز، كان تلك الصورة المأخوذة لرؤوس الحيوانات التي اصطدناها خلال رحلة السفاري، والتي يظهر في وسطها هذا الرأس الجميل للغزال الذي اصطدته.
وكل ما استطاعت أمي القيام به من أجلي هو معالجة جلد الغزال، الذي خدم لسنوات عدة كحصيرة بجانب سريري.