هناك حالات استثنائية ينهي فيها الإنسان حياته بسبب اليأس ،دون أن يتمكن من رؤية ما استطاع إنجازه، مثال ذلك سلسلة الانتفاضات عبر العالم العربي والتي أطلقها شاب تونسي أنهى حياته بسبب سوء المعاملة وفقدان أي أمل في المستقبل

 

على الرغم من اعتباري قراءة الصحف مضيعة للوقت، لطالما تعجبت من قيامي في ساعات الصباح، كعامة الناس، بتصفح المواد المتنوعة التي تحويها صفحاتها. وهناك أمران بشكل خاص كانا يثيران دهشتي: أولاً أعداد الناس الذين يجدون في اقتراف عملية انتحار أمراً يستحق الاهتمام، وأذكر انه منذ سنوات.

وفيما الحرب تدور رحاها بين العراق وإيران، كان يقال في لندن إن شباناً كان يجري تدريبهم على الجري عبر الحقول المزروعة بالألغام من أجل تفجيرها بأقدامهم، وذلك بهدف إنقاذ أرواح الجنود المدربين وتمكينهم من عبور الحقول دون التعرض لأذى. وكانت المواد الصحافية تؤكد على أن هؤلاء الشبان كان يقال لهم إن أفعالهم ستمكنهم من الفوز بأرفع الأمكنة في الحياة الأخرى.

وأذكر أيضا أنني كنت أقرأ عن الطيارين اليابانيين (كاميكازي) خلال الحرب العالمية الثانية، الذين كانوا يفجرون أنفسهم لأسباب محض وطنية على أمل إنهاء الحرب لصالح اليابان. ومنذ فترة وجيزة، قرأت عن شخص تسلق إلى مبنى شاهق ورمى بنفسه من أعلى لينتحر.

ومن النادر أن يجري تحقيق منفعة ما من هذه التضحيات، لا سيما بالنسبة لأولئك الذين يطلق عليهم (التفجيريون الانتحاريون)، فبالإضافة إلى جلب الهلاك لأنفسهم، يتسبب هؤلاء في مقتل أعداد من الناس، وبعضهم من الأجانب، فيما البعض الآخر قد يصادف ان يكون من الجنسية نفسها كما الانتحاريين.

ولا بد من الشعور بالدهشة حيال أفعالهم والوعود التي أغدقت عليهم مقابل تضحياتهم، إذا كان هناك شيء من هذا القبيل، لكن بالنسبة لي ما يثير الدهشة أكثر هي أفعال الأشخاص الذين يدربون هؤلاء الشبان على إنهاء حياتهم بهذه الطريقة في مقابل وعد منهم لهؤلاء أنهم سيجدون أنفسهم على الفور في حقول مليئة بالأزهار في الحياة الآخرة.

وبالطبع هناك حالات استثنائية ينهي فيها الإنسان حياته، بسبب اليأس، ويحقق شيئاً خارقاً، دون أن يتمكن من رؤية ما استطاع إنجازه، مثال ذلك سلسلة الانتفاضات عبر العالم العربي والتي أطلقها شاب تونسي أنهى حياته بسبب سوء المعاملة وفقدان أي أمل في المستقبل.

أما المادة الأخرى التي تلفت انتباهي في الصحافة هذه الأيام وتثير دهشتي، فهي تلك المواد الصحافية التي تعطي تفاصيل غير عادية عن كمية الأموال التي سرقها أناس من مشارب مختلفة، وأودعوها في مصارف في سويسرا والصين وجزر صغيرة هنا وهناك لم يسمع بها من قبل. وهذه المواد الإخبارية تقنع المرء بأن بعض الناس (لا يحظى بما فيه الكفاية) . وهؤلاء الأشخاص على استعداد لارتكاب جرائم وهم على يقين أنهم لن ينكشفوا، لكن في سبيل تحقيق ماذا؟

أربع شقق وثلاث فيلات زائد بضعة مئات من الفدادين من الأرض في مصر، بالإضافة إلى شقة أو شقتين في باريس، وشقة في لندن، وربما بيت في مكان ما في أميركا. ويتساءل المرء: ما الغاية من كل هذا؟ وكما يقول المثل:

(لا أحد منا سيأخذ شيئاً معه). وهاتان المادتان التي قرأت عنهما في الصحف يعيدان إلى الأذهان قصة قصيرة رائعة كتبها الروائي الروسي (تولستوي). وتتحدث عن رجل قيل له إنه سيصبح المالك الشرعي لكل الأراض التي سيتمكن من الدوران حولها ركضاً من ساعات الفجر إلى المغيب. لذا انطلق الرجل منذ ساعات الفجر راكضاً، أولاً حول حقل كبير مزروع بالذرة ثم توجه نحو غابات مليئة بمختلف أشجار الفاكهة، ومن ثم وجد حقلا كبيرا آخر يمر بمحاذاة نهر.

وتابع في الجري حول مزيد من الحقول إلى أن فاز بأكبر المزارع في البلاد كلها. وبعدها، رأى حقلاً صغيراً آخر مزروعاً بوفرة بكل أنواع الخضراوات، فنظر إلى السماء ليحسب الوقت كي لا يداهمه قبل انتهائه من الركض حول هذا الحقل، وبالتالي ليتمكن من الفوز به. وبجهد جهيد استطاع ان يركض حول الحقل المزروع بالخضار والذي يقف على أحد جوانبه ذاك الرجل المسؤول عن احتساب مساحة الأرض التي ركض حولها الرجل قبل مغيب الشمس.

ولقد استطاع هذا الأخير ان ينجح في كسب مزيد من الأراضي أكثر مما كان يأمل ان يحلم به، لكن ما إن وصل إلى المكان الذي ينتظره فيه الرجل، شعر بوجع مفاجئ صاعق في قلبه ووقع على الأرض. وعندما وصل إليه الرجال كان قد رحل عن هذه الدنيا، فأخذ الرجال يفتشون عن رفش ليحفروا الأرض، وقد حفروا له حفرة تكون مثواه الأخير، طولها ستة أقدام وعرضها أربعة أقدام.

وقصة تولستوي بعنوان (كم شبراً من الأرض يكفي الإنسان؟) ولقد قرأتها بعد التحاقي مباشرة بالعمل في القسم العربي من إذاعة (بي بي سي) في بداية الحرب مع ألمانيا، ولقد أثارت إعجابي إلى الحد الذي دفعني للقيام بكتابة موجز عنها ترجم إلى اللغة العربية وبث على الهواء في الإذاعة. وإلى اليوم تبقى تلك القصة محفورة بعمق في ذاكرتي، وهي تذكير لي بأن غاية الحياة لا تتعلق بمحاولة كسب أكبر قدر ممكن من الأموال والأشياء.