اكتشفت ان حي السكاكيني ليس لديه الكثير ليقدمه لشاب مثلي لذا كنت استقل الترام يومياً إلى وسط القاهرة وامضي النهار في مقهى الاميركانا اشاهد الناس يمرون أمامي كان والدايّ في كل سنة يأخذان عطلتهما الصيفية ويتجولان بسيارتهما في القارة الأوروبية.
واذكر أنه في إحدى السنوات سرنا بالسيارة وقطعنا الطريق كلها عبر فرنسا، ثم أجزاء من شمالي إيطاليا وسويسرا وألمانيا، قبل ان نعود أدراجنا، وقد شعرت حينئذ وكأننا أمضينا معظم الوقت في السيارة حيث كان والدي يقود مسرعا للوصول إلى محطتنا التالية.
وقد أتى فصل الصيف الذي يسبق ذهابي إلى مدرسة الدراسات الشرقية في لندن للبدء بدراسة اللغة العربية، وشعرت بأني أرغب بنوع مختلف من العطل في تلك السنة، فاقترحت على والدي ان أسافر إلى القاهرة لبعض الوقت خلال أشهر الصيف.
توجهت إلى بور سعيد بحراً ومن ثم سافرت إلى القاهرة بالقطار، وركبت سيارة أجرة إلى عنوان في حي السكاكيني، حيث كان والدي قد وفر لي مكانا للإقامة مع رجل مصري، كان قد عمل سابقا كمدرس للغة العربية في لندن.
وسرعان ما اكتشفت أن حي السكاكيني ليس لديه الكثير ليقدمه لشاب مثلي، لذا كنت استقل الترام يوميا إلى وسط القاهرة، وأمضي النهار عموما في المقهى المشهور المعروف باسم "الأميركانا" وانا جالس أشاهد الناس يمرون من أمامي.
لم اكن على معرفة بأحد في القاهرة، لذا كانت أيامي هادئة خالية من الأحداث. وكل ما أذكره عن تلك الفترة، انه في أحد الأيام وفيما أنا في طريقي إلى القاهرة راكبا "الترام"، ارتكبت خطأ بذهابي للجلوس في المقصورة المخصصة للنساء، وكنت حينها لا افهم اللغة العربية ولا قدرة لي على قراءة الإشارة التي تقول إن هذه المقصورة غير مخصصة للرجال، وأذكر مدى إحراجي وأنا جالس تحدق فيّ النساء، عندما طردت من المقصورة من قبل قاطع التذاكر.
والوقت الذي أمضيته في حي السكاكيني، جعلني أعي بان المال الذي بحوزتي لأنفقه يكفيني للإقامة في نزل أو فندق صغير في المنطقة، وهناك كنت اقضي أيامي. وما شجعني لمغادرة هذا النزل استيقاظي في إحدى الليالي وإيجاد وسادتي تعج بالبق والصراصير.
وكان الشخص الذي كنت أقيم عنده يقول لي إنني بذلك لا التزم بتوفير المال الذي وفره لي أبي. لكن برغم ذلك، تركت المكان وذهبت للمكوث في فندق صغير في "انتيخانا". ومن الأشخاص الموجودين في ذلك النزل، كان هناك شاب أكبر مني بعشر سنوات وهو ممثل لشركة تصنيع "كريم نيفيا" إلى جانب منتجات أخرى، وكانت الشركة في ذلك الوقت شركة سويسرية. وكان هذا الشخص يدعى ويلف سمثسون، وقد لاحظ سريعا ان الشاب الصغير المقيم في هذا النزل يبدو وحيدا لا يعرف أحدا، وسرعان ما أثرت شفقته.
وكان يملك سيارة وقد دار بي حول القاهرة وذهبنا مرارا بالسيارة إلى الأهرام حيث كنا نستأجر حصانين ونمطتيهما. وفي المساء كنا غالبا ما نتوجه إلى مطعم محلي لتناول العشاء، ومن ثم إلى احدى دور السينما المكشوفة المتوفرة خلال أشهر الصيف.
عدت بعد هذه الرحلة إلى لندن لأجد أن أمي، ومن لطفها تجاه شابة تعمل مع والدي في المنظمة نفسها، قد شعرت في قرارة نفسها أنه يتعين ان تنضم تلك المرأة الشابة إليها والى والدي في رحلتهما بالسيارة إلى القارة الأوروبية، لا سيما بعد ان ذهبت أنا في عطلة بمفردي. لكن اللطف يمكن في الغالب، كما تعلمت لاحقا، ان يسبب ضررا، ولم يمض وقت طويل حتى اختار أبي أن يجعل هذه الشابة زوجته وأن يترك والدتي.
وبطريقة أو بأخرى، حافظت على تواصلي مع صديقي ويلف سمثسون على الرغم من تنقله المستمر، وكنا نادرا ما نجد انفسنا في المكان نفسه. ثم حان الزمن الذي قرر فيه أن يبني بيتا له في العاصمة السويسرية جنيف، وان يتزوج امرأة من عرق مختلط إنجليزي وبورمي. وبعد ذلك بوقت قصير، تقاعد وكنت اقضي وقتي في الغالب معه ومع زوجته في شقتهم في جنيف، وأذكر أيضا أنهم أقاموا معي في بيت العطلات الذي كنت قد اشتريته على ساحل إسبانيا، وبالتحديد خلال تلك العطلات، أسرت إلي زوجته أنه لم يعد واثقا من قدرته على قيادة السيارة وأنهم قد باعوها.
وعلى ما يبدو، فإن صحته العقلية، على الرغم من كونه كان لا يزال يافعا، كانت تجعله يفضل تمضية وقته في شقته في جنيف، وهذا ما أخبرتني به زوجته. فداومت على زيارته في جنيف باعتباره الشخص الوحيد الذي عرفته لأطول مدة في حياتي، ثم جاء الوقت الذي وجدت فيه خلال إقامتي معهم في جنيف، ان ويلف يتعامل معي كما لو أننا غريبان، وفي إحدى المناسبات، وبينما كنا نحن الثلاثة جالسين سوية، استدار فجأة إلى زوجته وتحدث إليها بنغمة تدل عن انزعاج.
مشيرا إلي: "من هذا الشخص الذي يبدو انه حوَل هذا المكان إلى بيته؟". حاولت زوجته ان تشرح له أني اقدم أصدقائه واننا التقينا منذ سنوات في القاهرة، لكن ويلف رفض الاستماع لما كانت تقوله. وفي اليوم التالي، قررت الرحيل وتصافحت مع صديقي للمرة الأخيرة، وتعلمت من هذه التجربة المحزنة مخاطر الكبر في السن، والأكثر مدعاة للحزن تلك التي تصيب العقل وليس الجسد.
وكانت والدتي خلال ذلك الوقت قد أسرت إلي أنها لن تعود هي وأبي إلى سابق عهدهما، وأن والدي على وشك الزواج من الشابة التي رافقتهما خلال عطلتهما عندما قررت الذهاب إلى القاهرة بنفسي. ومنذ ذلك التاريخ، وخلال سنوات الحرب، عاشت والدتي وحيدة، لكنها ما لبثت ان انضمت إلي في القاهرة التي انتقلت إليها مباشرة، بعد انتهاء الحرب وبعد السماح لي بمغادرة إذاعة بي بي سي. وكانت والدتي تعرف القاهرة حيث سبق لها أن سافرت إليها وأمضت فيها سنتين مع والدي عندما ذهب للتدريس في مدرسة "العباسية" الثانوية، لينتقل من بعدها إلى السودان.