واستمتعت بها

وشهدت ولادة

«موسم الهجرةإلى الشمال »

الأكثر طموحاً

 لو أنني تعين علي أن أختار كاتبا عربيا آخر يستحق أن يمنح جائزة نوبل للأدب على الرغم من أنه قد توفي، لبادرت بلا تردد إلى طرح اسم الكاتب والروائي السوداني الطيب صالح. بالطبع يمكن أن يذهب البعض إلى القول ان الطيب صالح عندما يقارن بكاتب مثل نجيب محفوظ فإنه يكون قد كتب القليل جدا، وقد كانت المشكلة بالطبع أنه بدأ في الكتابة في وقت جد متأخر من حياته، وكان لديه عيبان آخران ، فهو قد عاش معظم حياته العملية في لندن، وكان سودانيا، وليس مصريا أو سوريا.

عرفت الطيب صالح لأول مرة خلال عيشي في لندن في السنوات ما بين 1954 و1969 وعلى الرغم من أننا قد عملنا في القسم العربي من هيئة الإذاعة البريطانية، إلا أننا لم نعمل قط سويا هناك في الوقت نفسه، وأظن ان القصة الأولى التي قرأتها من تأليفه كانت "دومة ود حامد" وقد قدمها لمجلة "أصوات"، وهي مجلة دورية كنت قد أصدرتها في لندن وكنت أقوم بتحريرها، وقد لفتت نظري للتو سلاسة أسلوب القصة والحس بالفكاهة الكامن فيها، وكانت من منظوري قطعة أدبية ممتازة وممتعة.

وسألت في التو صديقي وزميلي السابق في هيئة الإذاعة البريطانية الفنان المصري عبد السلام علي نور أن يرسم رسوما إيضاحية لها، وقد ألهمته القصة إبداع ثلاثة رسوم بالأبيض والأسود تعكس على نحو جدير بالإعجاب مناخ القصة، التي تتحدث عن قرية على ضفاف النيل يتعرض سكانها وزائر إنجليزي للمتاعب بفعل البرغش.

وكنت قد علقت الآمال دوما على أن أقوم بترجمة قصة عربية إلى الإنجليزية ونشرها في مجلة "إنكاونتر"، التي كانت المجلة الأدبية الأولى في لندن وقتئذ، وقد جربت العديد من ترجماتي وعرضتها على المجلة، لكن المسؤولين أعادوها على الدوام معربين عن أسفهم لعدم قبولها للنشر. وقد وضعت ترجمتي لقصة الطيب صالح مباشرة في مظروف وبعثت بها إلى المجلة، ولم يدهشني أنهم قبلوها ليتم نشرها في أحد أعداد المجلة. وقد قمت لاحقا بنشر قصتين أخريين من قصص الطيب صالح في المجلة.

ثم قرأت رواية الطيب صالح القصيرة بعنوان "عرس الزين" واستمتعت بها، وهي حكاية عن الحياة في قرية سودانية، ووجدتها قطعة من الإبداع الروائي الناجح تماما، فبادرت على الفور إلى ترجمتها، وقد اقتبست في وقت لاحق في فيلم لمخرج كويتي شهير، ولعب إبراهيم الصلحي، الفنان السوداني الذي كان قد رسم غلاف مجلد قصصي العربية القصيرة الأول الذي أصدرته مطبعة جامعة أكسفورد- لعب بحرفية نادرة دور إحدى الشخصيات الرئيسة، وهو دور الدرويش الذي يعد شخصية محورية في حياة القرية.

ثم جاء اليوم الذي اتصل بي فيه الطيب صالح هاتفيا ليبلغني بأنه شرع في تأليف رواية جديدة أكثر طموحا، وقد كتبها بخط يده وكنت أتلقى كل بضعة أيام منه في مكتبي رزمة أوراق تتضمن جزءا آخر من الرواية. وسرعان ما اكتملت الرواية التي حملت عنوان "موسم الهجرة إلى الشمال" مع إيجاز ترجمتها في الوقت نفسه تقريبا.

وعلى الرغم من ذلك فقد كانت هناك مشادة بيننا حول أمرين، الأول يتعلق بالقائمة الطويلة من الكتب التي اكتشفت في الدار المهجورة في القرية. فعلى الرغم من أن الطيب صالح كان قد وظف أسماء كتاب إنجليز مشهورين باعتبارهم مؤلفي هذه الكتب، فإنه قد لفق عناوين الكتب تلفيقا، وقد رفضت ترجمة هذا الجزء من الرواية ما لم يغير عناوينه المختلقة إلى كتب فعلية ألفها هؤلاء الكتاب وأصدروها، وجادل الطيب صالح بالقول إن الكتاب الذي ألفه هو عمل روائي.

وبالتالي فلا أهمية لكون هذه الكتب موجودة من عدمه. ولكنني أصررت على أن الإبداع الروائي لا ينبغي أن يمتد إلى تلفيق عناوين كتب لا وجود لها في حقيقة الأمر، وبصفة خاصة عندما يتم إيراد أسماء مؤلفين معروفين باعتبارهم قد أنجزوا هذه الكتب، وفي النهاية اتفق الطيب معي وحلت عناوين كتب فعلية محل عناوين الكتب المتخيلة.

دارت الصعوبة الثانية بيننا حول العديد من المقاطع في الكتاب التي كانت إيروتيكية، وهناك بالفعل مشهد في الرواية تتحدث شخصيات نسائية عديدة فيه عن الجنس، وقد سبب هذا الكثير من الخلاف، ويعد هو السبب في حظر الرواية في العديد من الدول في العالم العربي.

كان الطيب صالح يرى أن هذه المقاطع، بل وغيرها من المقاطع الأكثر صراحة من الناحية الجنسية، ستجعل الكتاب يحظر على امتداد العالم العربي.

وبالتالي فقد قررنا استبعاد هذه الفقرات ، ولكن في مكان أو آخر وسط جميع اوراقي المتعددة فإنني لا أزال أمتلك هذه الفقرات مكتوبة بالأصل العربي وترجمتي لها، وأنا مندهش إزاء الموقف الراهن في العالم العربي حيال أية كتابة تتضمن فقرات يمكن أن ينظر إليها على أنها شهواينة، بينما يمكن للمرء أن يجد في الأدب التقليدي العربي صفحات بكاملها أكثر إيروتيكية من الكثير مما هو مقبول في الآداب الغربية.

وفي حقيقة الأمر أنه خلال مناقشاتنا حول هذه الفقرات بالتحديد، أشار الطيب صالح إلى أننا ربما ندرجها في الترجمة الإنجليزية في الكتاب، ولكن نستبعدها من الطبعة العربية الأصلية، فأشرت إلى أن هذا من شأنه أن يعطي الانطباع بأنني أنا المترجم قد كتبت هذه الفقرات الإيروتيكية وأدرجتها في ترجمتي الإنجليزية للرواية .

وفي حقيقة الأمر أن الفقرات المشكوك فيها قد استبعدت كلية من الكتاب، وذلك رغم أنني لا تزال توجد لدي هذه الفقرات في أوراقي مكتوبة بالأصل المنمق الذي أبدعه الطيب صالح، وبترجمتي لها المنفذة على جهاز كمبيوتري.

أود في نهاية هذا المقال عن الطيب صالح أن أذكر أنه في مناسبات عديدة أبدى الكاتب نفسه رأيه القائل بان أفضل ما كتبه يمكن العثور عليه في إحدى رواياته المتأخرة، وهي رواية لم تتلق إلا اهتماما محدودا سواء من النقاد أو من القراء، وأنا أشير هنا إلى روايته الأخيرة "بندرشاه". أليس عجيبا أنها حظيت باهتمام محدود بينما أحس الكاتب نفسه بأنها أكثر مقاطع كتاباته اكتمالا؟