حتى قبل ذهاب توفيق الحكيم إلى باريس عام 1925 لدراسة الحقوق حيث كان والده قاضيا لم تكن هناك مهنة تحظى بالتقدير في مصر أكثر من مهنة الاشتغال بالقانون لو أن اللجنة الملكية لجائزة نوبل للأدب كانت قد قررت في وقت أكثر تبكيرا ضرورة الاعتراف بالنهضة التي يشهدها الأدب العربي الحديث.
فمن المؤكد أن هذه الجائزة كانت ستمنح لتوفيق الحكيم. وكما هي الحال بالنسبة لبرنارد شو الغرب فإن شهرة توفيق الحكيم ككاتب لم تساعدها، كونه ينظر إليه في المقام الأول ككاتب مسرحي، وذلك في وقت يجد فيه معظم القراء أن الرواية هي القالب الأدبي الذي يفضلون قراءته.
حتى قبل ذهاب توفيق الحكيم إلى باريس عام 1925 لدراسة الحقوق، حيث كان والده قاضيا، لم تكن هناك مهنة تحظى بالتقدير في مصر أكثر من مهنة الاشتغال بالقانون. كان المسرح قد فتنه منذ أولى سنوات عمره وبصفة خاصة فن الدراما على نحو ما كان يؤدى في باريس في ذلك الوقت، من هنا فليس من المدهش أن الشاب الذي أرسل إلى باريس لدراسة الحقوق قد عاد إلى وطنه برغبة واحدة متقدة، وهي أن يكتب المسرحيات وأن يرسي لبلاده دعائم مسرح جاد.
كان المسرح في مصر حتى ذلك الوقت ينظر إليه باعتباره مكانا للترفيه لا أقل ولا أكثر، ولكن من دون أي صلات تربطه بالأدب. وتمثل ما وضعه كذلك خارج عالم الأدب هو أن أساليب الأداء المسرحي كانت تقدم باللهجة العامية، وبالتالي كانت متاحة للجمهور العام، وكانت اللغة الكلاسيكية توظف لكتابة الأدب الذي يضم في المقام الأول الشعر والأدب الخالص والتاريخ، ولكن من دون الاعتراف بالأجناس المتخيلة بصورة خالصة من الكتابة مثل الرواية والقصة القصيرة.
وهكذا فإنه بينما كان ينظر إلى «ألف ليلة وليلة» على سبيل المثال في الغرب باعتبارها رائعة من روائع القصص، فإنها لم يرد لها ذكر في كتب النقد الأدبي المؤلفة باللغة العربية ولم تكن المسرحيات شأن الروايات والقصص القصيرة جزءا من الأدب العربي، وقد كان توفيق الحكيم هو الذي حقق إدخال الدراما إلى صميم الأعمال الأدبية.
لدى عودة توفيق الحكيم من باريس، قام بتأليف مسرحيته الأولى وهي «أهل الكهف»، التي تقوم على أسطورة النائمين السبعة في إفصوص التي يلمح القرآن الكريم إليها، وهي تروي قصة ثلاثة رجال هربوا من ملك طاغية ولاذوا بكهف، وهنالك غرقوا في النوم واستيقظوا بعد حوالي 300 عام في عالم بدا جليا أنه قد تغير، ولسوء الحظ أنه لم يرق لهم، ولذا عادوا مجددا إلى الكهف.
وكما هي الحال في مسرحية توفيق الحكيم الأولى، والذي كان قد أوغل في قراءة التقليد المسرحية الغربية، فإنه اختار في المقام الأول لمسرحياته موضوعات مستمدة من الدراما الأوروبية الكلاسيكية بل ومن اليونان القديمة، ويعتبر معظم الناس أن أكثر مسرحياته نجاحا هي مسرحية «السلطان الحائر» التي نشرت عام 1960، وقد نشرت ترجمة المسرحية في وقت لاحق في طبعة موسعة من «مختارات نورتون من الروائع العالمية».
كانت مصر قبل استيلاء الإمبراطورية العثمانية عليها يحكمها على امتداد قرنين ونصف القرن المماليك الذين كان ملوكهم في حقيقة الأمر عبيدا تم اعتقالهم. وهكذا فإنه في مسرحية توفيق الحكيم نرى مملوكا وصل إلى العرش وتبين أنه لم يعتق على الوجه الصحيح، ومن هنا فقد عرض نفسه للبيع في المزاد، وذلك بعد أن أكد لنفسه أن مالكه الجديد سوف يعتقه.
والنتيجة هي دراما وصفها أحد النقاد بأنها تفلح في أن تكون جادة من دون أن تكون جهمة. وفي حقيقة الأمر أن إحدى المساهمات العظيمة لهذا الكتاب في الأدب الحديث هي أنه أبدع قالبا أدبيا عربيا مقبولا لدى القارئ المثقف، وفي الوقت نفسه يسمح للكاتب بالانغماس في التبادل كوميدي للحوار بين الشخصيات.
وعلى امتداد سنوات عدة كانت مسرحياته متاحة للقراءة فحسب ولم تعرض على خشبة المسرح إلا في أواخر الأربعينات مع البدء في إنشاء مسرح محترف في مصر. ومنذ ذلك الوقت فصاعدا وجدت مسرحياته جمهورا مرحبا في القاهرة وعواصم العالم العربي الأخرى. ألف توفيق الحكيم إجمالا حوالي 70 مسرحية واستمد مادته من مصادر عربية وأجنبية على السواء.
وكان معنى السنوات التي أمضاها في باريس أنه كان مطلعا عن كثب على الأدب الفرنسي، وهكذا فإن جسور الألفة التي امتدت بينه وبين كتاب من نوعية يوجين أونستو وصامويل بيكيت جعلته مدركا للحركات التجديدية مثل مسرح العبث، وقد أسفر هذا عن تأليفه مسرحية عبثية بعنوان «يا طالع الشجرة».
استمد كاتبنا أيضا مادته من مصادر تقليدية لبعض أعماله، ووظف بنجاح كبير العامية المصرية المعبرة إلى حد كبير، وجعل منها أداة مقبولة في ترسانة الكاتب العربي الحديث، وتجلت مهارته في التعامل مع مثل هذه المادة في مسرحيته ذات الفصل الواحد بعنوان «سوق الحمير»، وقد استعار الحبكة الأساسية من حكاية معروفة تروى عن جحا الحكيم الذي كان منذ وقت طويل جزءا من الفولكلور المصري التقليدي.
وتوضح هذه المسرحية التي شقت طريقها أيضا إلى مجموعة مختارات أميركية من الأدب العالمي توضح وصول توفيق الحكيم إلى ذروة مهارته في تقديم مسرحية مسلية إلى حد كبير، ومع ذلك فإنها جادة في الوقت نفسه. وبينما عرف توفيق الحكيم في المقام الأول باعتباره الكاتب الذي قدم المسرح للكاتب العربي، فقد أبدع كذلك في كل أجناس الكتابة الأخرى التي برزت في مصر في ذلك الوقت.
وهو يتحدث في سيرة حياته الذاتية، التي تحمل العنوان «سجن العمر»، كيف أنه باعتباره ابنا لقاض وجد نفسه يدرس الحقوق على الرغم من أن اهتماماته الحقيقية تكمن في ميدان الأدب، وهو يقدم فيها أيضا صورة صريحة لعلاقته بوالديه، وبأبيه بصفة خاصة.
ألف توفيق الحكيم عددا من القصص القصيرة، كذلك صدر مجلد يضم بعضها في ترجمة إنجليزية، غير أنه قد فاقه في هذا الجنس الأدبي الكاتب المصري الذي يصغره سنا يوسف إدريس (1927-1991) الذي تخصص في القصة القصيرة، وأيضا لعب دورا في جعل العامية المصرية جزءا مقبولا من الأدب الجاد.
كان توفيق الحكيم كذلك مؤلف العديد من الروايات ومن أشهرها، والتي صمدت في مواجهة اختبار الزمن، تلك التي ترجمت تحت عنوان «متاهة العدل». وفي حقيقة الأمر أنه من خلال هذه الرواية عرفت توفيق الحكيم للمرة الأولى فلدى ذهابي إلى القاهرة في عام 1945 سعيت للقائه لأطلب منه إذنا بترجمة هذه الرواية التي تحمل في الأصل العربي العنوان «يوميات نائب في الأرياف»، غير أن أبا ايبان، الذي كان معروفا لدي من بعيد باعتباره قد درس اللغة العربية أيضا في جامعة كامبريدج، قد سبقني إلى هذه الرواية، وقدم ترجمة لها في 1947.
وتشير الحقيقة القائلة إلى انها منذ ذلك الحين قد أعيد نشرها مرات عدة، ولا تزال تنشر حتى الآن بالنظر إلى قيمتها، ولا يمكنني القيام بما هو أفضل من اقتطاف جزء من المقدمة التي كتبها لهذه الرواية بي. إتش. نيوباي، وهو روائي كان من أوائل من فازوا بجائزة بوكر:
«تعد كوميديا توفيق الحكيم أكثر قتامة من أي شيء كتبه غوغول أو ديكنز، لأن الحياة بالنسبة للفلاحين المصريين كانت أكثر قتامة من الحياة بالنسبة لأقنان الأرض الروس في القرن التاسع عشر، أو للبؤساء الإنجليز في القترة نفسها. وينبغي ان يقال كذلك ان القراء الأوائل لغوغول وديكنز لا يمكن أن يكونوا على استعداد للنظر إلى الحقائق التي لا تعد موضعا للتجريب بالأمانة التي كان توفيق الحكيم يتوقعها من قرائه.
وقد كان جمهور القراء المصريين قبل كل تلك السنوات الطويلة (نشرت الرواية للمرة الأولى عام 1937) أكثر واقعية من جمهور القراء في روسيا القيصرية أو إنجلترا الفيكتورية، ومن هنا جاءت النزعة الضارية للسخرية في الكتاب، والتي كانت بالإجماع هدفا مبررا».