تحول لقائي مع توفيق الحكيم إلى لقاء طاريء عندما لجأت إليه لمساعدتي في تسويق أعمال الراحل يحيى الطاهر عبدالله المترجمة ووصفه بالصعلوك .

غادرت بيروت إلى القاهرة في عام ‬1974، وكان لبنان قد أقحم نفسه لتوه في حرب اهلية، وكنت قد تعرضت بالفعل لتجربة الصعوبة التي ستكتنف الحياة هناك، وقمت بشراء شقة في حي الدقي الراقي بوسط القاهرة في إطار نظام غامض في ذلك الوقت يقوم على أساس دفع مبلغ كبير، وفي مقابله يحصل المرء على قطع الأثاث الرئيسية، ويواصل دفع إيجار رمزي للمالك السابق.

في غضون ذلك الوقت تعرفت للمرة الأولى على كاتب القصة القصيرة المصري يحيى الطاهر عبد الله، الذي يعد من أغرب الشخصيات على الساحة الأدبية في القاهرة، وكان قد شد الرحال إلى القاهرة من بلدته القريبة من الكرنك في صعيد مصر لشق طريقه فيها.

وقد ساعده الكاتب إدوار الخراط الذي نجح في إقناع صديقه الذي كان وزيرا للثقافة آنذاك يوسف السباعي بتخصيص راتب شهري ليحيى الطاهر عبد الله. وعلى الرغم من ذلك فإن يحيى عاش حياة يأخذ الضنك بأكنافها، وفي إحدى المرات أقام في حجرة صغيرة مع فتى يكسب قوته من مسح أحذية الناس في المقاهي.

قرأت بعض قصص يحيى الطاهر عبد الله، ومضيت أتساءل ما الذي سيفهمه القارئ الإنجليزي منها، ومع ذلك فقد أحسست بأن بعض نماذج من أعماله ينبغي أن تترجم إلى اللغة الإنجليزية، وباعتباري مستشارا لسلسلة «مؤلفون عرب» التي كنت قد أطلقتها مع الناشر البريطاني هاينمان، عرضت قصتين من قصص يحيى على جيمس كاري الذي كان بالاشتراك مع كيث شامبروك يشرف على سلسلتي «كتاب أفارقة» و«مؤلفون عرب». وقد اقتنع كلاهما بأننا أمام كاتب يستحق تقديمه للقارئ الإنجليزي.

وكنت خلال ذلك الوقت عاكفا على ترجمة مجموعة من قصص يحيى الطاهر عبد الله، وغالبا ما كان يزورني في شقتي بالدقي مصطحبا في بعض الأحيان ابنته الصغيرة، وكان أول شيء يقوم به هو شن غارة على ثلاجتي، وبعد ذلك نجلس سويا ليرد عما قد يكون لدي من استفسارات.

لقد قال لي إنك في القصة الفلانية ستجد أن هناك تضاربا فرددت عليه قائلا: «أعرف ذلك، وقد تساءلت عما يمكننا القيام به حيال ذلك». رد في هدوء: «لا شيء على الإطلاق فأنا أحب القصة على هذا النحو، والقراء لا يلاحظون مثل هذه الأشياء فدع القصة كما هي». ووافقته على ذلك.

سألني ذات يوم كم سيتلقى من الناشر، فقلت إن ذلك يعتمد على ما تحققه المجموعة من مبيعات، وأن عقد الناشر سينص على أن يتقاسم المترجم والمؤلف فيما بينهما العائد من بيع الكتاب، فقال لي: «لكنك لست إلا المترجم فحسب»، وبهذه الكلمات لخص يحيى الرأي السائد حول المترجمين وأن الترجمة لا تتجاوز كثيرا النسخ على الآلة الكاتبة، وأنها لا تعدو أن تكون عملا أتوماتيكيا. وفي معرض الرد وضعت قصصه في حجره قائلا: «إذا فلتجد لنفسك مترجما آخر».

وأوضحت أنه ليست هناك نقود متوافرة للدفع منها للمترجم، وأن هذا الترتيب حاليا هو الوحيد للدفع للأطراف المعنية. وفي التو بادر بالاعتذار وأكد لي: «يا عمي دنيس، أنا مبسوط لمعرفتي أن قصصي ستقرأ بالإنجليزية، وأنك أنت الذي سيترجمها».

كنت حريصا في حالة كتاب يحيى على أن يصدر في طبعة ذات غلاف سميك أولا إذا كان هذا ممكنا، فقد كانت الكتب التي تنشر في إطار سلسلة «مؤلفون عرب» تصدر في طبعة ذات غلاف ورقي، وكانت تلقى اهتماما نقديا محدودا، وربما كان ذلك راجعا في احد جوانبه إلى الحقيقة القائلة بأن الكتاب إذ يصدر أولا في طبعة ورقية، ربما يعطي الانطباع بأنه كان قد صدر أولا في طبعة ذات غلاف سميك وتلقى مراجعات أدبية بالفعل.

وعدني جيمس كاري بأن الكتاب سيصدر أولا في طبعة ذات غلاف سميك إذا كان بمقدوري إمداد الناشر بطلبية أو طلبيتين من هيئات رسمية في القاهرة. وكان من بين الناس الذين وقعوا طلبا بشراء ‬100 نسخة من الكتاب الشاعر صلاح عبد الصبور، الذي تربطني به معرفة، والذي كان في ذلك الوقت رئيسا للهيئة العامة للكتاب.

ولكن بحلول الوقت الذي طالبت فيه بالوفاء بالتعهد المدرج في الطلبية كان صلاح عبد الصبور قد رحل عن عالمنا في سن مبكرة نسبيا، ولذلك مضيت بمقابلة من عيـّن في المنصب الذي كان يشغله، ورد علي الرجل فور لقائي به قائلا: «ولكن صلاح عبد الصبور مات». وأعاد لي الورقة التي كان صلاح قد وقعها، فقلت له: «أنا وأنت كلانا سنموت أيضا بعد عمر طويل ان شاء الله». ونهضت من مجلسي دون أن أشرب القهوة التي قدمها لي.

كنت قد قرأت بعضا من أشعار صلاح عبد الصبور باستمتاع، ولكني لم أفكر في ترجمة أي من قصائده، فعلى سبيل المثال أين يمكنني العثور على ناشر لديوانه؟ غير أنني قرأت بعد سنين عدة صيغة مبسطة معدة للأطفال كان قد كتبها لكتاب «حيي إبن يقظان» لابن طفيل، وهو كتاب بديع كان قد ترجم مبكرا إلى الإنجليزية ويقال إنه قد ألهم ديفو إنجاز روايته «روبنسون كروزو».

وقد صدرت صيغة صلاح عبد الصبور من الكتاب المخصصة للأطفال باللغة العربية عن دار الشروق القاهرية، التي نشرت أيضا الكثير من كتبي للأطفال بالإنجليزية مرفقة برسوم رائعة من إبداع الفنان المصري مصطفى حسينـ، وقد صدرت ترجمتي لكتاب صلاح عبد الصبور إلى الإنجليزية تحت عنون «وحيدا في جزيرة صحراوية».

لم يكن من السهل في تلك السنوات المبكرة إقناع الحكومات العربية بالالتزام بشراء نسخ قليلة من كتاب عربي تمت ترجمته إلى الإنجليزية، واقتضى الأمر فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب لكي تستيقظ البلاد العربية على أهمية الموجة الجديدة من الكتابة الإبداعية التي يشهدها العالم العربي.

سعيت عقب ذلك إلى الاستعانة بمساعدة صديقي الكاتب المسرحي توفيق الحكيم، ومضيت للقائه في مكتبه بصحيفة الأهرام، وحدثته عن مجموعة قصص يحيى الطاهر عبد الله التي ترجمتها إلى الإنجليزية ورغبتي في أن تصدر في طبعة ذات غلاف سميك. وسألته ألا يعرف أحدا له نفوذ في الحكومة؟

فهز رأسه نافيا، ولكن تصادف أن الفنان التشكيلي المعروف صلاح طاهر الذي كان قد صمم غلاف مجلد مسرحيات توفيق الحكيم الذي كنت قد أصدرته تحت عنوان «مصير صرصار ومسرحيات أخرى»، كان موجودا معنا، فوجه اللوم إلى توفيق الحكيم واقترح عليه أن يبادر بالاتصال هاتفيا بشخص كان يشغل منصب وكيل وزارة الثقافة.

ولكن اللقاء كان كارثيا، وبدأ بسؤاله لي كيف عرفت مثل هذا الصعلوك؟ وقد رددت على ذلك بقولي أن يحيى ربما كان فيه شيء من الصعلكة، ولكن ما يعنيني هو أنه كاتب يتمتع بموهبة حقيقية، وهذا هو ما يعنيني في أي شخص أختار قضاء وقتي في ترجمة أعماله. قلت هذا ونهضت مودعا، ومرة أخرى تبين لي أن من يشغلون مواقع السلطة لن يكونوا مهتمين بتقديم أدب بلادهم للعالم.

وعلى الرغم من ذلك فقد صدر كتاب يحيى الطاهر عبد الله في طبعة ذات غلاف سميك ولا يزال متوافرا حتى اليوم ضمن مطبوعات دار النشر التابعة للجامعة الأميركية بالقاهرة. ومع ذلك فإن من المحزن أنه قد صدر بعد وقت قصير من وفاة مؤلفه في حادث سيارة وهو في الأربعين من عمره. رغم ذلك فإن صلاح عبد الصبور له مكانته بين المؤلفين الذين ساعدوا في جعل الأدب المصري الحديث أدبا معروفا على مستوى العالم كله.