تعرفت على عمر الشريف و كرست حلقة للمطرب المصري الموهوب عبد الحليم حافظ الذي توفي في مقتبل العمر جراء مرض بلهارسي بعد تأسيسي لشركة مؤلفة من رجل واحد في لندن تحت مسمى (ميدل إيست سرفيسز)، أمضيت معظم أوقاتي أترجم وثائق من اللغة العربية لمكاتب محامين.
وكان العمل مضجراً، لكن المبلغ الذي كنت أحصل عليه مقابل عملي كان مجزياً. وبين الحين والآخر، كان يوجد بين زبائني من يريد القيام بزيارة عمل إلى الشرق الأوسط، ويحتاج إلى مترجم. وعلى الأقل، كنت أيضا أعمل لنفسي، ولم يكن هناك رئيس لي، يسعى قدر إمكانه ليدفع لي اقل ما يمكن دفعه من أجر.
وقد مرت علي سنة أو سنتان مربحتان حين كنت الوكيل الإعلاني لمجلة شهرية باللغة العربية، كانت الحكومة البريطانية قد قررت إصدارها. ثم فجأة، اتخذت المؤسسة الحكومية نفسها التي أصدرت مجلة (العالم) قرارا بانجاز برنامج تلفزيوني أسبوعي كانت ترغب في إعطائه مجاناً إلى أي محطة تلفزيونية عربية قد تهتم ببثه. وعلى الرغم من عدم وجود أي خبرة لدي في مجال التلفزيون، فقد أعطيت وظيفة المسؤول عن هذا البرنامج، الذي قررت أن أطلق عليه تسمية (أضواء وأصوات) . وقمت بتوظيف عدد من العرب الذين كنت اعرفهم في لندن للعمل على البرنامج.
وقد فكرنا سويا بحلقات عديدة، بعضها يتضمن إجراء مقابلات مع عرب مشهورين قد يكونون في زيارة إلى لندن. ولذا أتذكر إني تعرفت على عمر الشريف الذي تم تخصيص حلقة مدتها ربع ساعة بأكملها لمقابلة معه، في الوقت الذي كرست حلقة أخرى للمطرب المصري الموهوب عبد الحليم حافظ، الذي قدر له أن يتوفى في مقتبل العمر من جراء مرض بلهارسيا، وهو المرض الذي يتسبب في وفاة الكثير من المصريين.
وخلال الوقت الذي قدمنا فيه البرنامج، تم ترتيب رحلتين منفصلتين لنا، إحداهما إلى الخليج وأخرى إلى شمال إفريقيا. وأتذكر بالتحديد تلك الرحلة إلى شمال إفريقيا، حيث كنت قد قررت ضرورة الذهاب إلى طنجة وإعداد برنامج عن ابن بطوطة، الرحالة العربي العظيم المولود في طنجة والمدفون فيها. ففي الوقت الذي يعرف العالم كله ماركو بولو، على انه الرجل الأكثر ترحالاً في العالم، فإن ابن بطوطة العربي الذي سجل بنفسه رحلاته، كان في الواقع، قد غطى مسافات أكثر اتساعا وامتدادا من ماركو بولو.
فقد تم اصطحابنا عبر أزقة ضيقة في مدينة طنجة تلك التي ولد فيها (طارق بن زياد) ذاك الرجل الذي غزا أوروبا والذي سمي جبل طارق نسبة إليه. وفي نهاية المطاف، اصطحبونا إلى قبر لا كتابات عليه، وقيل لنا إنه لابن بطوطة، وأصبح بمقدورنا بالتالي إعداد برنامج عنه.
وكان التحضير لكل حلقة في (أضواء وأصوات) يأخذ وقتا وجهدا كبيرين منا. وأذكر انه فيما نحن لا نزال نخطط للحلقة الأولى أنني تلقيت اتصالا هاتفيا من أحدهم يقول لي إن لديه صديقا مصريا يبحث عن عمل. فطلبت منه أن يمر الرجل على مكتبي. وصل الرجل في الوقت المحدد تماما، وتكلمت معه باللغة الانجليزية، وحدثته عن البرنامج الذي اخطط للبدء فيه. فنظر إلي نظرة من لم يستوعب ما قلته، واعترف لي بأنه لا يفقه اللغة الانجليزية. سألته باللغة العربية كيف يعيش في لندن ويعمل فيها من دون أن يتعلم الانجليزية.
وقد فسر لي الأمر، حيث انه كان قد وصل حديثا إلى انجلترا، ويعمل في غسل الصحون في مطعم. وعلى ما يبدو، لم يكن يحمل إذنا بالعمل، حيث انه جاء بزيارة إلى لندن ولم يركب الطائرة للعودة للقاهرة. قلت له إن نشاطي الأساسي في المكتب هو الترجمة، لكن هذا أمر لا يمكنه المشاركة فيه نظرا لكونه لا يتقن الانجليزية. ثم فكرت بالبرنامج التلفزيوني الجديد الذي جرى تكليفي به. هل هناك من طريقة يمكن استخدامه للعمل في إطار هذا البرنامج دون إلمام بالانجليزية؟
ثم فكرت في الجهاز الذي يستخدم في التلفزيون، والذي يستطيع من خلاله مقدم البرامج قراءة نص تم إعداده، ويظهر للمشاهد بأنه يتكلم (سابقا لوقته). أولا، يجب كتابة النص ومن ثم إدخاله في الجهاز، وبعدها يجري التحكم بالنص من قبل أحد الأشخاص من خلال الضغط على زر، بحيث يظهر النص بسرعة تلائم القارئ. والشخص الذي يضغط على الزر لا يحتاج إلى أي معرفة بلغة غير تلك التي جرت بها كتابة النص.
ثم شرحت للرجل الذي أجرى المقابلة معه الجهاز وكيف سيطلب منه تقديم النص من خلال متابعة ما يقوله القارئ بالضغط على الزر. ووجدت انه قادر على القيام بهذه المهمة بشكل جيد، وقد قام بها خلال الأسابيع العديدة التي كان يجري فيها تسجيل برنامج (أضواء وأصوات).
كم هو غريب مدى تقدير بعض الناس للخدمات التي تقدم لهم. كان قد مضى حوالي عشرين سنة على توقف البرنامج، وكنت أقيم في الخليج، وفي زيارة إلى لندن، وصلني فجأة اتصال هاتفي من أحد الأشخاص، والذي تحدث معي بالعربية، وأوضح لي إنني في الماضي قدمت له خدمة جليلة بتوظيفه في برنامج تلفزيوني، ودعاني وزوجتي إلى العشاء. وخلال العشاء، أوضح لي انه الآن أصبح مستقرا بشكل مريح في لندن مع زوجة انجليزية، وأنه منذ عمله في برنامجي، أحرز معرفة كافية بالتلفزيون بحيث أصبح بمقدوره إنشاء عمل خاص به في هذا الحقل.
بقي أن أتحدث عن الحلقة الأخيرة من (أضواء وأصوات) . وكنا قد عقدنا اجتماعا تمهيديا وقررنا تضمين ثلاث فقرات في الحلقة. وكان يصلني باستمرار النص في الصباح قبل التسجيل، لكن هذه المرة لم يكن هناك من نص. فاتصلت هاتفيا، وأنا بحالة انزعاج، وتمت طمأنتي بأن كل الأمور سوف تكون جاهزة في صباح التسجيل، وهذا ما كنت قد عارضته في السابق.
حيث كنت معتادا على رؤية النص في اليوم الذي يسبق التسجيل لكي يكون هناك متسع من الوقت للقيام بأية تعديلات ضرورية. لكن حين وصلت إلى الاستديو، ساخطا لعدم وجود نص جاهز لأول مرة، تم إبلاغي بأن الحلقة الأخيرة من (أضواء وأصوات) سوف تكون مكرسة لمادة واحدة فقط، هي مقابلة معي!.