في يوم من الأيام، تلقيت اتصالاً هاتفياً من صديقي الكاتب جبرا ابراهيم جبرا وقد قادني هذا اللقاء إلى علمي بوظيفة متاحة في دبي كمدير لمحطة صغيرة

 

كانت قد مضت على إقامتي في لندن سنوات عدة، وكنت شديد التوق للعودة إلى مكان ما في العالم العربي. حاولت إيجاد وظيفة حيث يمكن استخدام معرفتي باللغة العربية، لكن دون جدوى. وفي يوم من الأيام، تلقيت اتصالاً هاتفياً من صديقي الكاتب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، قال فيه إنه سوف يأتي إلى لندن لإلقاء محاضرة، وإنه يتطلع للقائي.

 

وقد قادني هذا اللقاء إلى علمي بوظيفة متاحة في دبي كمدير لمحطة صغيرة. كانت دبي مألوفة لدي، وقد استمتعت بوجودي فيها مجددا. وخلال الحرب، كنت قد عملت كذلك في إذاعة «بي بي سي» وأصبحت لدي خبرة في العمل في محطة بث إذاعي.

 

وأذكر أني قلت لأبي إني سأغادر لندن لأني حصلت على وظيفة مدير محطة بث صغيرة في العالم العربي، وكان أبي مسروراً من أجلي، حيث كان يعلم أني لم أكن سعيدا بالعيش في لندن والعمل فيها. ثم قال لي :«إنها المرة الأولى التي ستكون فيها في موقع مدير مؤسسة، فدعني أعطيك نصيحة قد تجدها مفيدة».

 

قلت له:أكون ممتناً لأي نصيحة تسديها إليّ.

فقال:حسناً، أن تكون مديراً على أي شيء، فهذا معناه أنه بات عليك أن تتخذ قرارات، وأحيانا قد تكون قراراتك غير مرحب بها» .

 

وأضاف:« نصيحتي إليك هي أن تقول لا عندما تراودك شكوك حول طلب تقدم به أحدهم. فلاحقاً ربما عندما تعطي المسالة المزيد من الدراسة، يمكنك تغيير لا إلى نعم، والشخص المعني سيكون سعيدا بقرارك. لكن إن قلت نعم له ومن ثم فكرت في الأمر، وقررت بأنه يجب أن تقول لا، فسوف تجعل من هذا الرجل عدوا لك»

بدا واضحاً أن أبي قد أسدى إليّ نصيحة حكيمة جدا، ودائما ما اتبعتها في تعاملي مع من كنت مسؤولا عنهم».

 

كانت الأموال المخصصة لمحطة الإذاعة محدودة جدا، لذا قررت تقليص البرامج إلى نشرات أخبار في أوقات معينة، فيما أعطيت الوقت المتبقي لبث موسيقى جميع المطربين العظماء أيامها، مثل أم كلثوم، فيروز، عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ. كيف يمكننا منافسة محطات مثل «بي بي سي «و»إذاعة القاهرة» من خلال إجراء المقابلات والمناقشات والمسرحيات؟

ثم لمعت فكرة في ذهني: لم لا ندخل الإعلان إلى البرامج؟ وتصادف وجود العديد من المنتجات الأجنبية المعروفة التي تباع في المحلات المحلية، والتي يحصل كبار التجار في دبي على توكيلها، وهم يتلقون أموالا من صناع المنتجات لصرفها على الإعلان. لكن كيف يمكن صرف تلك الأموال في الوقت الذي لم تكن هناك صحف ومجلات في دبي، وكنا حينها في أواخر الستينات من القرن الماضي؟

 

لذا جلست وكتبت قائمة التكلفة الخاصة بالإعلان عبر الإذاعة، وكانت تدعى «صوت الساحل». وكان أطول وقت لإعلان يمكن شراؤه هو دقيقة كاملة، واقصر وقت هو ‬15 ثانية فقط. وكانت كلفة الإعلان لا تتحدد بالوقت الذي يستغرقه بثه، لكن أيضا في التوقيت من اليوم الذي يجري فيه هذا البث. وحاولت أخذ قرارات تتعلق بالأوقات الفضلى لبث إعلان ما، وقررت انه ربما في أوقات المساء الباكرة، حيث يكون عدد المستمعين للإذاعة هو الأعلى.

 

هكذا، كنت أنا والسائق أحمد نجول المكاتب المختلفة، ونكتشف، على سبيل المثال، أسماء وكلاء هذا النوع من الصابون أو ذاك في دبي، أو هذا النوع من الشاي، وغيره. وكنت اشرح لرجل الأعمال المعني كيف يمكنه شراء إعلان بنصف دقيقة لبثه يوميا لمدة شهر وكيف أننا، في محطة البث، سوف نساعده في تأليف الإعلان، ثم نقوم بتسجيله له بحيث يتسنى بثه في الأوقات المخصصة له.

 

في البداية، كان الناس على غير استعداد لصرف المال على شيء لم يختبروه بعد. وكان بالتالي صعبا إقناع المعلنين الأوائل القليلين بإنفاق أموالهم على شيء لم تكن قيمته واضحة بعد.

 

تدريجيا، قرر واحد أو اثنان من التجار اختبار الأمر، من خلال دفع مال لإعلان يجري بثه عبر المحطة. وقد سمع رجال الأعمال الآخرون بالأمر، فقرروا القيام بخطوة مماثلة.

 

ولم يمض وقت طويل حتى أصبح الوقت المخصص للإعلان محجوزا لأسابيع مقدما، ولأول مرة كانت الأموال التي جنيت من الإعلانات تدفع بها فعليا أجور العاملين في المحطة.

 

ثم في احد الأيام سألني السائق احمد عما إذا لم أكن مشغولاً في تلك الأمسية لأن احد رجال الأعمال الذين كنا نزورهم باستمرار دعاني للذهاب إلى ملتقى على سطح المبنى الذي يضم محله.

 

قال لي احمد: « أعلم أنك مطلع جيدا على الصوفية» وأضاف:» في الواقع، اذكر أنك أخبرتني باهتمامك بالصوفية وبأنك أصدرت كتاباً عنها باللغة الانجليزية، يحوي مواداً مترجمة من أعمال عربية كلاسيكية عديدة».

قلت لأحمد إني بالطبع مهتم بالصوفية، ولكني لم أكن اعلم بوجود أناس في دبي مطلعون عليها.

 

هكذا في وقت متأخر من تلك الليلة، ذهبنا أنا واحمد إلى بناية عالية في السوق، وارتقينا عدة درجات إلى أن وصلنا إلى السطح. وفيما نحن نتسلق الدرجات كنت اسمع صوت الطبول وأصواتاً تعلو بالإنشاد والذكر.

 

وعندما وصلنا إلى أعلى البناء، والذي كان سطحاً مفتوحا على السماء المتشمة بالليل، رأيت صفاً مكونا من حوالي ‬12 رجلا، أعينهم نصف مغمضة كأنهم في بحران، وأجسامهم تتحرك معاً إلى الإمام والخلف، ويند عنهم القول «لا إله إلا الله».

 

أمامهم وقف الرجل الذي اعرفه، التاجر الذي دعاني إلى حلقة الذكر الصوفية هذه. وحياني بحرارة، وأشار إلي بوجوب الجلوس مرتاحا على حشية وضعت على الأرض تغطيها كسوة مطرزة وعدد من الوسائد. جلسنا انا واحمد، وابتسم عدد من الرجال في الصف أمامنا في معرض التحية لنا من دون أن يسبب هذا إعاقة لإنشادهم.

 

فوجئت عندما وجدت مضيفي يظهر من جيب عباءته سيخاً طويلا من الحديد مدبب الطرف. ومن الجهة الأخرى من السيخ كانت هناك قبضة يد خشبية صغيرة. لوهلة وقف هناك حاملا السلاح ناظرا إلى الرجال الذين يتمايلون أمامه، متحدين معا في صف طويل وأذرعهم قابضة على أكتاف بعضهم البعض. ثم أشار مضيفي إلى احدهم للتقدم، وفعل الرجل ما قيل له، وهو لا يزال يميل على الإيقاع نفسه. أذهلني أن أرى مضيفي يقترب من الرجل، ويسدد السيخ الحديدي إلى كتفه.

 

ويباشر بالضرب على القبضة الحديدية إلى أن رأيت السيخ بأكمله يختفي في جسد الرجل. استمر الرجل في التمايل إلى الخلف والأمام، وعيناه تحدقان أمامه، من دون أي إشارة لوجود ألم على وجهه. شاهدته وأنا في حالة من عدم التصديق، ثم رايته يوجه نظراته إليّ ويبتسم.

 

ما حصل بعد ذلك هو أنه انفصل عن اذرع رفاقه، وسار باتجاهي، ثم ركع إلى جانبي، وأراني المكان الذي دخل السيخ في كتفه وكيف خرج من جهة ظهره، وقال لي وكأنه يجيب على نظرة الاندهاش على وجهي:»لا، لا يوجد إحساس بالألم» .

 

وأشار إلي بقعة صغيرة من الدم على ثوبه الأبيض في الموضع الذي جرى إدخال السيخ منه في كتفه. ثم قام وانضم إلى الصف مع رفاقه. ما جرى لاحقا هو أن مضيفي ذهب إلى الرجل وبدون أي صعوبة اخرج السيخ من كتفه. ثم أتى حيث أجلس ومن دون أن ينطق بكلمة أومأ بوجوب إدخال السيخ في كتفي.

ضحكت وهززت رأسي معتذراً.

 

أكد لي:لن تشعر بألم

ومجددا هززت رأسي، فصرف انتباهه إلى رجل آخر.

والى يومنا هذا، اتذكر تلك اللحظة، وأحيانا اندم لأني لم أوافق على وخزه كتفي بالسيخ. بالطبع، ما كان ليقوم بذلك لو كانت هناك أي إمكانية لأن أصاب بأذى جسدي.