يحظى الأدب العربي بإهتمام
وانتشار كبيرين في فرنسا بفضل
توفر مترجمين يجيدون اللغتين بشكل معمق
دخل حصول الأديب العربي نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، والحقيقة القائلة بأن كتاباته ترجمت إلى العديد من لغات العالم، وحظيت بإقبال عالمي كبير- دخل حيز الإمكان من خلال توافر جانب كبير من أعماله، إما باللغة الإنجليزية أو الفرنسية في ترجمات مشوقة.
وقد أشارت لجنة جائزة نوبل نفسها إلى هذه النقطة، حيث أشارت إلى أنه من خلال التمكن من قراءة أعماله المترجمة، أدرك المحكمون في الجائزة طبيعة أعماله وتميزها.
وأذكر أنني زرت ذات مرة يوسف إدريس عبقري القصة القصيرة المصرية، الذي اعترف الجميع بتميزه، زرته في شقته، حيث طلب مني الرد على أسئلة عدد من الكتاب الأصغر سنا الذين كانوا يزورونه.
وقد تصادف هذا قبل حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وكان من بين أول الأسئلة التي طرحت عليه السؤال التالي:
«ما هو رأي القراء الناطقين بالإنجليزية في نجيب محفوظ؟». وقد رددت بالقول إنه ليس لهم رأي فيه، حيث إنهم في الغالب لم يقرؤوا أعماله. وعندئذ طرح علي السؤال التالي: «لماذا لم يقرؤوا أعماله؟».
فرددت بالقول: «لأن جانبا محدودا من أعماله هو بصفة عامة المتوفر في ترجمات إنجليزية».
وقد شكل ردهم على ما قلته نوعا من الصدمة لي، حيث قالوا: «إذاً لماذا لا يقرؤون أعمالهم باللغة العربية؟».
وقد صدموا بدورهم عندما رددت عليهم بما معناه أنه ليس هناك أكثر من حفنة من الإنجليز القادرين على قراءة محفوظ بلغته الأصلية. عندما كنت أدرس في جامعة كامبرديج قبيل الحرب العالمية الثانية اخترت دراسة اللغة العربية، وقد كنت الوحيد الذي اختار دراسة هذه اللغة.
وتستحق لجنة التحكيم في جائزة نوبل التقدير والإشادة، لأنها في الوقت الذي اتخذت قرارها بمنح محفوظ جائزة نوبل للأدب في 1998، فإنه من المشكوك فيه أن يكون ما يزيد على عشرات الألوف من النسخ من كتب محفوظ باللغة الإنجليزية قد بيع على امتداد العالم كله.
ففي أوائل السبعينات من القرن الماضي كنت قد أقنعت الناشر الإنجليزي هايمان بإطلاق سلسلة من الكتب ذات الغلاف الورقي تحت العنوان الشامل «مؤلفون عرب» بحيث تتوافر نماذج من الأدب العربي الحديث في ترجمات إنجليزية.
وكانت الشروط التي في ظلها تنشر هذه الكتب هي 40٪ من العائد لكل من المؤلف والمترجم، و20٪ للناشر في حالة شراء ناشر آخر للحقوق أو بيع حقوق التحويل لعمل سينمائي.
ولم يكن يتم دفع حقوق ملكية فكرية مسبقا، كما لم تتوافر أرصدة مخصصة للتكليف بعمليات ترجمة كتب بعينها. وبالنسبة للمترجمين فقد كان هذا الوضع أفضل من لا شيء، أما بالنسبة للمؤلفين فمنهم على الأقل كانوا يرون عملهم مطبوعا بلغة أجنبية.
ونشرت هذه السلسلة، التي اشترت الحقوق منها في أميركا دار النشر «ثري كونيتينانتس»، كتابين لنجيب محفوظ. وقبل شهرين من حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب، قام ناشرو سلسلة «مؤلفون عرب» بإغلاقها لأنها لا تحقق مبيعات كافية.
ومما يستحق الإشارة إليه أن سلسلة «روائع نورتون» قد أدمجت في مجلدها الخاص بالأعمال الكلاسيكية العالمية قصة مميزة بقلم نجيب محفوظ، باعتبارها النموذج الوحيد للكتابة العربية الحديثة،.
وذلك قبل حصوله على جائزة نوبل. ويذكر أيضا أن رواية الكاتب السوداني الطيب صالح «موسم للهجرة إلى الشمال» قد استغرقت وقتا طويلا قبل أن تتجلى للقراء جوانبها الإبداعية.
وكانت قد ظهرت لأول مرة في ترجمة إنجليزية لهذه السلسلة. ولم يقدر لها أن تدخل قائمة «دار بنغوين للأعمال الكلاسيكية الحديثة» إلا عام 2004.
من حسن الطالع بالنسبة للأدب العربي الحديث أن الجامعة الأميركية بالقاهرة قد أبرمت صفقة مع الناشر اللندني هايمان، اشترت بمقتضاها كل النسخ الباقية في سلسلة «مؤلفون عرب» وكذلك حقوق الترجمات. وكانت الجامعة أيضا قد أبرمت صفقة مع نجيب محفوظ للحصول على حقوق ترجمة كتبه في كل اللغات.
وكنت قد سمعت أنه قد توصل إلى هذه الصفقة مع الجامعة وفي إحدى زياراتي الدورية للقاهرة سألته عن هذه المسالة، وأعربت عن أملي في أن يكون قد أبرم صفقة مربحة مع الجامعة الأميركية في القاهرة.
وذهلت عندما أبلغني أنه قد وقع على التنازل للجامعة عن حقوق ترجمة أعماله إلى كل اللغات دون أي مقابل بالمرة، بخلاف الوعد بأن المسؤولين في الجامعة سيواصلون ترجمة كتبه.
وعندما أظهرت دهشتي الشديدة حيال موقفه هذا اتذكر أنه قد التفت إلي بتلك الابتسامة المعهودة منه وقال: «وكم من كتب ترجمتها أنت؟» ولم أستطع القيام بشيء إلا بالرد على ابتسامته بمثلها.
بينما كنت أول شخص يترجم قصة قصيرة من قصص نجيب محفوظ، وترجمت جانبا كبيرا من روايته المبكرة «زقاق المدق» قبل أن أنحيها جانبا، في ضوء معرفتي انها لن تجد ناشرا، فإنني لم أكن في سنوات لاحقة، عندما كانت تحت تصرفي سلسلة «مؤلفون عرب»، قد شعرت بما يكفي من الحماس حيال رواياته لتكريس الوقت الكافي لترجمة إحداها.
وفي وقت لاحق فحسب، عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، قامت مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة بالاشتراك مع دار «دوبلداي» النيويوركية بإصدار تكليفات بترجمة تلك الكتب التي أبدعها محفوظ، والتي لم تكن قد ترجمت بالفعل إلى الإنجليزية،.
وفي ذلك الوقت أنجزت ترجمة 4 من كتبه، وصدرت بالفعل.لقد تبين بالطبع أن نجيب محفوظ كان محقا تماما في التوقيع على تلك الورقة، التي تمنح الجامعة الأميركية بالقاهرة دون مقابل، جميع الحقوق عن ترجمات أعماله بكل لغة ممكنة. فهو الذي لم يكن يكترث قط بالعوائد المالية لكتاباته، أصبح بين عشية وضحاها رجلا ثريا لأن هذه الترجمات لأعماله قد رأت النور.
كما أصبح أكثر ثراء حيث إن كتبه تحولت على امتداد العالم إلى أفضل الأعمال الروائية مبيعا، وكل ذلك يرجع في جانب منه إلى توقيعه على التنازل عن حقوقه للجامعة الأميركية بالقاهرة.
وتمثلت خطوة أخرى قامت بها الجامعة الأميركية بالقاهرة بتشجيع كل من يهتم بإضافة ترجمات إلى الإنجليزية لأعمال المؤلفين العرب المحدثين في إنشاء جائزة نجيب محفوظ، والتي يحصل عليها كل عام مؤلف رواية عربية.
وتشمل هذه الجائزة بالإضافة إلى ميدالية ذهبية ومبلغ متواضع من المال، ترجمة الرواية الفائزة إلى الإنجليزية وقيام مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة بنشر الترجمة، إلى جوار تعليق الآمال على قيام ناشرين آخرين في انجلترا والولايات المتحدة بنشرها.
وقد تم مد نطاق هذا التوجه الآن إلى التكليف بترجمة أي رواية يعتبرها مستشارو الدار عملا جديرا بالنشر، ولا يتعين أن يكون كاتب الرواية مصريا بالضرورة.
لقد كان وضع الأدب العربي الحديث في فرنسا أفضل قليلا على الدوام، وأحد أسباب ذلك هو أن فرنسا تضم عددا لا بأس به من المواطنين العرب، والذين جاؤوا أصلا من مستعمرات فرنسية سابقة في شمال إفريقيا.
ومعظمهم يقرؤون بالفرنسية بسهولة أكثر من قراءتهم باللغة العربية، وبالتالي فإن الترجمة من اللغة العربية تتمتع في فرنسا بمبيعات أفضل من سلسلة «مؤلفون عرب» منها في انجلترا، أو في أميركا.
وفي الغالب الأعم فإن ترجمة الأدب العربي الحديث غدت أمرا ممكنا من خلال جهود الأكاديميين، وظل هذا الأدب إلى حد كبير في المستوعبات الأكاديمية.
حيث صدرت ترجمات عديدة متضمنة مقدمات بحثية تنفر القارئ العادي.
من البدايات غير الواعدة للأدب العربي الحديث،.
فإن هذا الأدب يعيش وضعية جيدة، وكل المطلوب هو أن يقوم العالم العربي بتقديم كتاب ذوي موهبة، يمكن أن تحظى أعمالهم بالقبول لتتحول إلى ترجمات رائجة.