الكتب في العالم العربي ظلت حتى الآن سلعة تبرز في حياة نسبة محدودة ممن يوصفون بالمتعلمين ولا يزال يتعين تقبل الفكرة القائلة ان الكتب ايضا لديها شيئاً تعطيه للناس الذين لا يعتبرون مثقفين
حضرت، أخيرا، حفل توقيع كتاب مع محمد البساطي الروائي الذي أصدر في الآونة الأخيرة رواية تحمل اسم «الجوع» والتي قمت بترجمتها من العربية إلى الإنجليزية. ومثل هذه النوعية من الحفلات تعد شيئا جديدا في عالم الكتب في العالم العربي.
ففي الغرب يقدر المرء عاليا الكتاب الذي يوقعه مؤلفه، ومثل هذه النوعية من الكتب بعد مرور بعض الوقت، وبفرض أن المؤلف لا يزال يحظى بتقدير كبير، يمكن أن تباع مقابل مبالغ كبيرة.
وعاشق الكتاب يحب أيضا امتلاك نسخة من الطبعة الأولى من كتاب بعينه حقق قدرا من الشهرة.
ولا زلت أتذكر ذلك الحفل الذي أقامته دار النشر التابعة للجامعة الأميركية بالقاهرة لكتابي «ذكريات في الترجمة»،.
وتلك السيدة الشابة التي أقبلت نحوي فيما كنت أجلس إلى مائدتي حاملة معها ما لا يقل عن 4 نسخ من كتابي، وعندئذ غاص قلبي بين ضلوعي إزاء فكرة اضطراري إلى الاستفسار منها عن تهجئة اسمها وأسماء أصدقائها أو أقاربها الذين ابتاعت لهم النسخ الأخرى من كتابي.
وعلى الرغم من ذلك فقد كنت سعيدا بأن 4 نسخ أخرى من كتابي قد بيعت، وأنه إذا مضت الأمور على هذا النحو فإن دار النشر سيتعين عليها أن تصدر طبعة ثانية من الكتاب، لربما تكون طبعة ذات غلاف ورقي.
إن الثورة التي وقعت هي إدراك أن الكتب لا تبيع نفسها، ولا زلت أذكر جيدا الوقت الذي قدم فيه أندي سمارت إلى القاهرة وأنشأ دار «هوبو بوكس»، وهي دار لنشر كتب الأطفال ذات الخلفية العربية باللغة الإنجليزية.
وعملنا سويا على امتداد سنوات عدة، ودفعني إلى الانطلاق لتأليف الكتب للأطفال، وهو شيء لم يكن القيام به قد خطر ببالي من قبل، قط.
وعندما أصدر حوالي 15 كتابا من كتبي قام بطبع فهرس يوضح أغلفة هذه الكتب، وأتذكر أنه فيما يتعلق بكتاب أو كتابين هما أولى الكتب صدورا أضاف ملاحظة تفيد أن هذين الكتابين قد بيع من كل منهما 10 آلاف نسخة،.
وأتذكر جيدا الملاحظة التي أبداها أحد الأشخاص الذين كانوا ينظرون في هذا الفهرس، حيث قال مندهشا وبسرور، كأنه اكتشف تزويرا أجيد إخفاؤه:
« حسنا كبداية فإن هذه كذبة». فسألته لماذا يعتقد أنها كذبة؟ وأشرت إلى أن الناشر ما كان ليدعي شيئا كهذا إذا لم يحدث، وهو يعرف أنه يدفع لمؤلف الكتاب أجره على أساس عدد النسخ المباعة، فوافق الرجل على منطق ما قلته.
ولكنه وجد أن من الصعب عليه أن يصدق أن كتابا للأطفال نشر في القاهرة يمكن أن يكون قد بيع منه هذا العدد الهائل من النسخ.
والرد ببساطة هو أن هذه الكتب بيع منها بالفعل هذا العدد من النسخ، وقد حدث ذلك لأن صديقه أندي سمارت كان قد أدرك أن جوهر النشر هو بيع الكتب التي تم نشرها، وهي حقيقة غابت عن الكثيرين من الناشرين في هذه المنطقة من العالم.
ذات مرة كنت أتحدث عن مهنة النشر فقال لي ناشر إن لديه أحدث المطابع، وقد دهش عندما أبلغته بأن معظم الناشرين في لندن لا يمتلكون مطابع على الإطلاق، وإنما يعهدون بنشر كتبهم إلى مطابع تعطيهم أفضل النتائج في الطباعة، وبأقل تكلفة ممكنة.
إن ما فعله سمارت، بالإضافة إلى إبداء اهتمام مناسب بالطباعة والرسوم في كتبه المخصصة للأطفال، هو إنفاق المال وتوظيف الطاقة للعثور على منافذ لبيع كتبه، والتأكد من جعلها متوافرة في أكبر قدر ممكن من المتاجر، كما كان أيضا يزور المدارس ويحاول الحديث مع نظارها،.
وفي حقيقة الأمر أنه ذات مرة أقنعني بالمضي معه إلى مدرسة كان قد رتب مع ناظرها تجميع بعض الأطفال لكي يتاح لهم الاستماع لي فيما أتحدث عن الكتب التي ألفتها، ويتاح لهم طرح الأسئلة علي، وقد وجدت هذا الأسلوب جديدا تماما،.
وذلك على الرغم من أنني اكتشفت أن الأطفال أكثر انطلاقا بكثير من الكبار في الأسئلة التي يطرحونها، وكان من المفيد الاستماع إلى وجهات نظرهم باعتبارهم قراء كتبي، وكانت وجهات نظرهم غالبا ذات طابع نقدي مدهش.
وكما هي الحال في أي سلعة أخرى فإن الكتب لا بد من توفيرها للقراء المحتملين، وحتى وقت قريب تماما في القاهرة لم يكن هناك بالفعل في مركز المدينة إلا مكانا واحدا يمكن للمرء أن يشتري منه كتبا عربية.
وكان هذا المكان هو مكتبة مدبولي في ميدان طلعت حرب، بينما كانت الكتب الصادرة باللغة الإنجليزية توجد في المقام الأول في مكتبة الجامعة الأميركية، أما اليوم فقد تغير الوضع كثيرا إلى الأفضل.
فدار الشروق التي تعد الناشر الرئيس في القاهرة لها العديد من المنافذ في أبرز المناطق في القاهرة.
وتسمح مكتبة الديوان التي أقيمت حديثا في الشارع الرئيسي بحي الزمالك تسمح للمرء بأن يقرأ الكتب على مهل، كما أن لها المقهى الخاص بها.
وفي الامارات أيضا يحظى القارئ بخدمة راقية من مكتبة المجرودي، التي افتتحت عددا من الفروع الكبيرة في أرقى مراكز التسوق تضم كل التسهيلات التي يمكن تصورها.
وفي هذه المكتبات جميعها تقام حفلات منتظمة لتوقيع الكتب.
وغالبا ما تجد فيها شخصيات شهيرة يتصادف مرورها بها، ومن المكونات الأخرى المهمة لجعل الكتب مألوفة في حياتنا، ويسهل الحصول عليها، إقناع الصحف والمجلات المحلية بأن تخصص مساحات للإعلان عن صدور الكتب الجديدة ونشر مراجعات لها.
ظلت الكتب في العالم العربي حتى الآن سلعة تبرز في حياة نسبة محدودة ممن يوصفون بالمتعلمين، ولا يزال يتعين تقبل الفكرة القائلة إن الكتب أيضا لديها شيئا تعطيه للناس الذين لا يعتبرون «مثقفين»،.
حيث يتعين علينا أن ندرك أن الكتب يمكن الاستمتاع بها بالقدر نفسه بأولئك الذين تعلموا ما فيه الكفاية لقراءة صحيفة، ومع ذلك فإن مثل هؤلاء الناس لم يمد المؤلفون والناشرون في العالم العربي الجسور إليهم قط.
ومن المؤكد أنه من المهم أنه بينما عرف العالم العربي كتابة الرواية على امتداد أكثر من نصف قرن، فإنه ما من أحد فكر في كتابة رواية بوليسية، وهو شكل من أكثر أشكال الكتابة في الغرب.
وأنا هنا أسارع إلى تصحيح ما قلته في هذا الصدد لأنني رأيت في فهرس دار النشر التابعة للجامعة الأميركية بالقاهرة أنهم قد قدموا لتوهم «أول رواية بوليسية عربية تترجم إلى اللغة الإنجليزية» ومؤلفها هو الكاتب المغربي عبد الإله حندوشي الذي يبدو أنه قد كتب العديد من الروايات من هذا النوع.
وأنا أعتقد أن هذا مؤشر طيب، وقد أعرب لصديق من أصدقائه المصريين ذات يوم عن شكواه من ضآلة مبيعات كتبه قائلا: «يبدو أن أصدقائي الذين هم كتاب وحدهم قد قرأوا رواياتي، ومعظمهم تلقى نسخة مجانية مني !».
يبدو أنه بات من المعترف به في العالم العربي، على نحو ما تم الاعتراف به في الغرب منذ وقت طويل، أن الكتب لا تؤلف ولا تنشر بالضرورة لنخبة من القراء، فقوائم الطعام في المطاعم غالبا ما تخاطب الأذواق المتباينة، والكتب يمكنها أن تقوم بالشيء نفسه،.
وما من أحد يحتاج إلى الشعور بالخجل من الحقيقة القائلة أن القراءة يمكن أن تكون فقط من أجل التسلية، وأنه ليس من الخطيئة أن تجلس عاكفا على قراءة رواية من روايات الإثارة،.
وأنا أعتقد أن النجاح الكبير الذي أحرزه الروائي علاء الأسواني بروايته «عمارة يعقوبيان» التي حقق أصلها العربي نجاحا غير مألوف، يشير إلى عصر جديد في الكتابة العربية.
